يواصل تنظيم «داعش« التقهقر عسكرياً بخسارته عدداً من البلدات التي كان يسيطر عليها في محيط مدينة الموصل، حيث ينتشر عسكريون أميركيون خلف القوات المنخرطة في معركة تحرير المدينة التي رأى الرئيس الأميركي باراك أوباما أنها ستكون «معركة صعبة». واندلعت أعمال مسلحة أطلقها «جيش النقشبندية» ضد المتشددين في قلب المدينة التي يحاصرها الجيش العراقي والبيشمركة الكردية وميليشيات عشائرية وأخرى شيعية مسلحة، يُضاف إلى ذلك دعم ومساندة قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة.
ففي داخل الموصل ومع الضربات الموجعة التي تلقاها تنظيم «داعش« في محيط المدينة من القوى التي تحاصرها
حيث فقد كثيراً من الأراضي التي كان يسيطر عليها، ظهرت بوادر انتفاضة مسلحة شعبية ضد التنظيم يقودها «جيش الطريقة النقشبندية« (تحالف صوفي ــ بعثي) يُشرف عليه عزة الدوري، النائب السابق للرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
وأفاد مصدر مقرب من «جيش النقشبندية« في تصريح لصحيفة «المستقبل« أن «خلايا النقشبندية في الموصل والتي تضم ضباطاً وجنوداً سابقين في الجيش العراقي والحرس الجمهوري السابق وعناصر مخابرات وأمن إبان عهد النظام العراقي السابق، أطلقت انتفاضة شعبية ومسلحة داخل المدينة ضد تنظيم داعش«.
وأضاف المصدر أن «مجموعات مسلحة تابعة للتشكيل المسلح الموالي للدوري شنت اليوم (أمس) و(أول من) أمس هجمات منسقة على مواقع ومقار «داعش« في الموصل، بالإضافة الى مهاجمة سجن في المدينة، وإطلاق سراح نحو 40 معتقلاً انضموا لاحقاً للنقشبندية«، مشيراً الى أن «خلايا جيش الطريقة النقشبندية نفذ سلسلة عمليات اغتيال لقيادات في تنظيم «داعش« في مناطق عدة من الموصل«.
وأشار المصدر إلى أن «عدداً من الدوريات الآلية المنتشرة في أحياء الزهور والدواسة والتحرير تعرضت لهجمات من قبل النقشبندية الذين نفذوا أيضاً اليوم (أمس) عملية نوعية باقتحام مقر فرعي لـ»داعش« في محيط حي القاهرة في الموصل، وقتلوا اثنين من حراسه وأحرقوا مركبة كانت تحمل سلاحاً ثقيلاً«.
يُذكر أن جيش الطريقة النقشبندية كان العمود الفقري للتمرد السني في الموصل، وشن مقاتلوه هجمات على الجيش العراقي تمكن على إثرها من السيطرة على مناطق واسعة من الموصل وجنوب كركوك وشمال صلاح الدين في حزيران 2014، قبل أن يتمكن «داعش« من الاستئثار بهذه المناطق وإرغام «النقشبندية» على الفرار من مناطق نفوذهم وتعرض عناصرهم للقتل أو الاعتقال أو «التوبة» والانخراط في تنظيم «داعش«.
وفي الميدان، أحبطت القوات العراقية في محيط محافظة نينوى هجمات مباغتة شنها تنظيم «داعش« أمس على القوات العراقية المشاركة في معركة الموصل، في محاولة على ما يبدو لاستعادة الأراضي التي فقدها في اليوم الأول من المعركة أو لوقف تمدد القوات التي باتت تطبق على المدينة من ثلاثة محاور.
ودخلت قوات برية أميركية الى ساحة المعركة لدعم القوات العسكرية العراقية في نينوى تمهيداً لاندلاع معارك مرتقبة أثناء اقتحام المدينة، التي تُعد أهم وأكبر معاقل تنظيم «داعش« في العراق، والتي تحظى باهتمام دولي واسع لكونها «أم المعارك» مع التنظيم المتشدد الذي فقد أغلب الأراضي التي كان سيطر عليها منذ أكثر من سنتين.
وأعلنت قيادة العمليات المشتركة انطلاق المعركة الكبرى لاستعادة مركز الموصل خلال الساعات المقبلة.
وقال المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة العميد يحيى رسول في تصريح أمس إن «القطعات العسكرية ما زالت مستمرة في تقدمها، وخلال الساعات المقبلة ستكون هناك انتصارات ستزف للشعب العراقي تحرير أقضية وقرى حتى المعركة الكبرى لاقتحام مدينة الموصل«.
وأكد رئيس أركان الجيش الفريق أول ركن عثمان الغانمي أن «القوات المشتركة تواصل تقدمها من ثلاثة محاور في معركة تحرير الموصل (405 كيلومترات شمال بغداد) وفق ما خططنا له، بل وتم الإسراع بتطبيق الخطة نتيجة انهيار العدو وانهزامه«.
وأضاف أن «قوات التحالف تقدم الإسناد الجوي لكل القوات المشتركة، سواء قوات البيشمركة أم جهاز مكافحة الاٍرهاب وقيادة الشرطة الاتحادية، وذلك لكي نزيد من سرعة التقدم«، مشيراً إلى التنسيق بين قيادة العمليات المشتركة ووزارات الداخلية والصحة لجهة تأمين مراكز لإيواء النازحين«.
ميدانياً، أعلن الجيش العراقي استعادة قضاء الحمدانية بالكامل من عناصر «داعش« بحسب العقيد يونس جمال، الذي أشار الى أن «القوات العراقية تمكنت من رفع العلم العراقي فوق أبنية الدوائر الحكومية بالكامل«.
ومنع تنظيم «داعش» المدنيين من الخروج من المدينة متخذاً اياهم رهائن.
وتقدم الولايات المتحدة التي تتزعم التحالف الدولي لمواجهة «داعش« دعماً مفتوحاً للقوات العراقية الرامية لاستعادة الموصل، وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» عن وجود قوات أميركية على مشارف مدينة الموصل، نافية وجود تنسيق مع «الميليشيات المدعومة من إيران» المشاركة في العمليات.
وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع بيتر كوك أمس إن «جزءاً من القوات الأميركية موجود عند مشارف الموصل في وضع قد يعرضها للأذى»، مضيفاً «لا يمكننا التحدث عن مكان كل جندي أميركي بالتفصيل وطبيعة عمله، لكن هناك عدد صغير من القوات الأميركية تقدم المشورة والتوجيهات للقوات البرية العراقية«.
وأضاف كوك أن «هذه القوات ستبقى خلف الخطوط الأمامية حيث تتولى القوات المسلحة العراقية زمام المعركة«، لافتاً إلى أن «القوات العراقية تقدمت أكثر مما هو مخطط لها خلال اليوم الأول من المعركة، محققة جميع الأهداف المرسومة لها«.
وأكد كوك أن «هناك مجموعة واحدة من القوات سوف لن يساندها الجيش الأميركي، وهي الميليشيات المدعومة من إيران«، مرجحاً من جهة ثانية «وجود ما يقرب من 5 آلاف مسلح من «داعش« في الموصل حالياً».
وتوقع الرئيس الأميركي باراك أوباما معركة «صعبة» لاستعادة الموصل العراقية من تنظيم «داعش»، وقال إن «الموصل ستكون معركة صعبة. سيكون هناك كر وفر». لكنه أبدى ثقته بأن المتطرفين سيُهزمون في المدينة معتبراً أن «هذا الأمر سيشكل خطوة جديدة في اتجاه القضاء عليهم تماماً«.
ونبه وزير الدفاع الفرنسي جان أيف لودريان الى أن المعركة قد تستمر «أسابيع عدة» وربما «أشهراً«.
وتوقع نظيره البريطاني مايكل فالون أن يقاتل المتطرفون «بشراسة» لكنه أكد أن تنظيم «داعش» «يُهزم» في العراق.
وسيجمع لودريان في 25 تشرين الأول في باريس 12 من نظرائه في التحالف لعرض كيفية سير العمليات.
في الانتظار، تنظم فرنسا والعراق الخميس المقبل في باريس اجتماعاً وزارياً تشارك فيه عشرون دولة باستثناء ايران «تحضيراً للمستقبل السياسي للموصل».
وفي مقابلة للـ»سي. ان. ان» مع وزير الخارجية السعودي عادل الجبير حول العراق، قال: «نخاف على الموصل ما فعلته ميليشيات الشيعة بالفلوجة«، وتابع أن «ما يقلقنا هو أن المقاتلين الشيعة سيدخلون الموصل ويتورطون بهدر الدماء وعمليات القتل الجماعية كما فعلوا في الفلوجة. قد يؤدي ذلك إلى عواقب سلبية جداً وسيزيد من التوترات الطائفية في العراق، هذا هو أكبر خطر نراه«.
وأضاف «نحن لا نعلم إذا كان كل هذا يرجع إلى الجيش العراقي، فهناك دور لإيران وحرسها الثوري وقاسم سليماني. ومقاتلو الشيعة يتصرفون بشكل منفصل عن الحكومة العراقية أحياناً. القتل الجماعي للسنة من قبل المقاتلين الشيعة سيكون أمراً يسعد المتطرفين ويفيد دعاية التجنيد لداعش. بالإضافة إلى ذلك، سيعمل ذلك كوقود يشعل نيران الطائفية في البلاد».
محلياً وفي خطوة نادرة، اجتمع قادة ميليشيات «الحشد الشعبي« المدعوم من إيران مع زعيم «التيار الصدري« السيد مقتدى الصدر للتنسيق بشأن معركة الموصل، مؤكدين التزامهم بالأوامر الصادرة من القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، والتي تقضي بعدم دخول الموصل عدا قوات الجيش العراقي والشرطة الاتحادية.
وقال الصدر في مؤتمر صحافي مشترك مع قادة الفصائل في مقر إقامته في النجف أمس، «كانت لنا جلسة مثمرة مع قادة الفصائل الذين يعملون لمصلحة العراق، ونحن على استعداد كامل لدعم الجيش العراقي والشرطة الاتحادية في تحرير الموصل»، مشيراً الى أن اللقاء حمل ميثاقاً واحداً هو مصلحة العراق فقطـ ولا نقبل بأي تدخل أو احتلال خارجي سواء في تحرير الموصل أو غيرها«.
وقال الأمين العام لمنظمة «بدر« هادي العامري في المؤتمر الصحافي نفسه، «اتفقنا على دعم قوات الجيش والشرطة، ونؤكد التزامنا بأن من سيدخل الموصل هم الجيش والشرطة الاتحادية حصراً، فلا الحشد ولا البيشمركة ولا التحالف الدولي سيدخل، وكان قرار القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي واضحاً بهذا الشأن«.
وفي غضون ذلك، تظاهر الآلاف من اتباع الصدر أمام مبنى السفارة التركية وسط بغداد، مطالبين بعدم تدخل تركيا في الشؤون الداخلية للعراق وخروج قواتها من منطقة بعشيقة شمال الموصل، بالإضافة الى خروج «قوات الاحتلال الأميركي».
ولم تشهد التظاهرة أي اعتداء على مبنى السفارة أو على القوات الأمنية التي كانت تتولى حماية المتظاهرين، كما لم يتم أي حرق للعلم التركي أو إعلام أخرى.
وكان العبادي الذي أطلق اسم «قادمون يا نينوى» على معركة استعادة الموصل التي تشارك فيها قوات ضخمة، رفض مراراً اشتراك القوات التركية في معركة استعادة الموصل.
ولكن وزير الدفاع التركي فكري إيشيق قال الثلاثاء إن بلاده توصلت لاتفاق مع التحالف الدولي لمشاركة مقاتلاتها في عملية تحرير مدينة الموصل، شمالي العراق، من قبضة تنظيم «داعش» الإرهابي.
جاء ذلك في كلام نقلته وكالة «الأناضول» في معرض رد الوزير على أسئلة الصحافيين الأتراك في سفارة أنقرة بالعاصمة الإيطالية روما، عقب مشاركته باجتماع وزراء دفاع دول جنوب شرق أوروبا.