تستعد روسيا لحربها في حلب بنشر عدد كبير من قطعاتها العسكرية ولا سيما البحرية والجوية في ما يُعد أكبر انتشار عسكري بحري لها منذ الحرب الباردة، وذلك في خطوة لتكثيف هجماتها بشكل كبير على شرق المدينة المحاصر حيث يوجد نحو 275 ألف مدني.
ويأتي الحشد البحري الروسي المكثف في وقت أظهر مشروع اتفاق بين القادة الأوروبيين الذين يعقدون قمة في بروكسل اليوم، أنهم «سيدينون بشدة» مشاركة روسيا في عمليات قصف الأحياء الشرقية لحلب وسيطالبون بوقف «فوري» للأعمال القتالية.
فعلى الرغم من تمديد روسيا هدنتها في حلب اليوم إلى 11 ساعة بدلاً من 8 ساعات، وإعلانها فتح ثمانية ممرات إنسانية ستة منها لإجلاء المدنيين والمرضى والجرحى واثنان لانسحاب المقاتلين، إلا أن المؤشرات تدلّ على استعداد عسكري مكثف للجيش الروسي بحراً وجواً في مياه شرق المتوسط، إذ قال ديبلوماسي كبير في حلف شمال الأطلسي نقلاً عن معلومات لأجهزة مخابرات غربية، إن سفناً حربية روسية أبحرت قبالة ساحل النرويج في طريقها للبحر المتوسط تحمل قاذفات مقاتلة من المرجح استخدامها لتعزيز هجوم نهائي على شرق حلب المحاصر في سوريا خلال أسبوعين.
وقال الديبلوماسي مشترطاً عدم الكشف عن اسمه، إن الروس «ينشرون كل أسطول الشمال وجزءاً كبيراً من أسطول البلطيق في أكبر انتشار بحري منذ نهاية الحرب الباردة». وأضاف «هذه ليست زيارة ودية، فخلال أسبوعين سنرى تصعيداً في الهجمات الجوية على حلب في إطار استراتيجية روسيا لإعلان النصر هناك«.
ونشر الجيش النروجي صوراً التقطتها طائرات استطلاع لأسطول من السفن الحربية الروسية يبحر في المياه الدولية قبالة الساحل النروجي وترددت أنباء عن أنه متجه إلى سوريا.
والتقطت صور السفن التي تضم حاملة الطائرات الأميرال كوزنيتسوف والسفينة الحربية بيوتر فيليكي قرب جزيرة أندويا في شمال النرويج الاثنين الماضي. وقال متحدث باسم جهاز الاستخبارات العسكرية النروجي إن القوات المسلحة تنشر مثل هذه الصور بشكل متكرر، في حين نقلت صحيفة «في.جي» عن الجنرال مورتن هاجا لوندي رئيس الجهاز قوله إن السفن الثماني المعنية «ستقوم على الأرجح بدور في معركة الحسم في حلب».
وقالت وكالة «تاس« الروسية للأنباء في تموز الماضي نقلاً عن مصدر إن حاملة الطائرات الأميرال كوزنيتسوف ستشارك في العمليات الروسية في سوريا اعتباراً من تشرين الأول الحالي وحتى كانون الثاني المقبل.
وأضافت أن السفينة ستحمل 15 طائرة سوخوي-33 وميج 29 كيه وأكثر من عشر طائرات كا-52 كيه وكا-31 الهليكوبتر.
وذكرت وسائل إعلام نرويجية أن روسيا التي تدعم بشار الأسد بحملة جوية ضد معارضيه، أبلغت القوات المسلحة النروجية أن السفن الحربية في طريقها إلى البحر المتوسط. وتملك روسيا قاعدة بحرية إلى الشرق من أقصى شمال النرويج.
وفي بروكسل، أظهر مشروع اتفاق أن القادة الأوروبيين الذي يعقدون قمة «سيدينون بشدة« مشاركة روسيا في عمليات قصف الأحياء الشرقية لحلب السورية وسيطالبون بوقف «فوري» للأعمال القتالية.
وأورد النص الذي اطلعت عليه «أ ف ب» أن «المجلس الأوروبي (الذي يمثل الدول الـ28 الأعضاء) يدين بشدة الهجمات التي يشنها النظام السوري وحلفاؤه وخصوصاً روسيا على المدنيين في حلب»، داعياً الى «وقف فوري للأعمال القتالية» للسماح بإيصال المساعدات الإنسانية الى المدنيين «من دون عائق».
وأضاف أن «المسؤولين عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان يجب أن يحاسبوا».
ويستعيد النص الى حد ما العبارات التي استخدمها الاثنين وزراء الخارجية الأوروبيون في خلاصات تم تبنيها إثر اجتماع في لوكسمبورغ.
وكان الوزراء اعتبروا أن القصف السوري والروسي لشرق حلب الذي تسيطر عليه الفصائل المعارضة «يمكن أن يرقى الى جرائم حرب» من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
ومساء الخميس في بروكسل، سيجري القادة الأوروبيون «مناقشة استراتيجية للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا» على أن يقروا بعدها بدورهم خلاصات تتناول الأزمة السورية.
وبرغم تباين الآراء بين الأعضاء الـ28، فإن الخلاصات لن تتطرق الى إمكان فرض عقوبات فردية على السلطات الروسية، وفق ما توقعت مصادر ديبلوماسية متطابقة.
وطالبت ثلاث من المجموعات التسع في البرلمان الأوروبي، وأولها الحزب الشعبي الأوروبي (يمين وسط) في رسالة مشتركة الأربعاء باتخاذ «قرار» الخميس خلال القمة للبدء بعقوبات مماثلة، لكن رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك الذي وجهت اليه هذه الرسالة شدد في مؤتمر صحافي على أهمية أن يظهر الاتحاد الأوروبي «وحدته» إزاء روسيا. وقال إن «محركنا الرئيسي في العلاقة مع روسيا هو وحدتنا (...) بمعزل من خلافاتنا».
وأضاف رئيس الوزراء البولندي السابق «علينا أن نبقى موحدين على الدوام، هذا الأمر سيكون أيضاً حيوياً بالنسبة الى دور روسيا في سوريا».
ووقع الرسالة التي تدعو الى فرض عقوبات على موسكو رؤساء الحزب الشعبي الأوروبي (214 نائباً أوروبياً) وتحالف الديموقراطيين والليبراليين من أجل أوروبا (69 نائباً) ومجموعة الخضر والتحالف الأوروبي الحر (خمسون نائباً). وتمثل هذه المجموعات الثلاث معاً نحو 45 في المئة من أعضاء البرلمان الأوروبي الـ748.
واعتبر الموقعون أن الوضع في حلب «يتدهور يوماً بعد يوم» مع «نحو 300 ألف شخص محاصرين في الجزء الشرقي» بينهم «عشرات آلاف الأطفال». وأضافوا «منذ حصار ساراييفو لم يشهد العالم مأساة إنسانية مماثلة».
وفي بيان منفصل، اعتبر رئيس الحزب الشعبي الأوروبي الألماني مانفرد فيبير باسم مجموعته أنه «ينبغي بحث إمكان (فرض) عقوبات جديدة على روسيا وحكومتها» في قمة الخميس، مضيفاً «ومن وجهة نظرنا، لا يمكن بناء أنبوب الغاز نورث ستريم 2 ما دام الرئيس (الروسي فلاديمير) بوتين يقصف مدنيين».
وفي حال بنائه، سيربط نورث ستريم 2 روسيا بألمانيا عبر بحر البلطيق على غرار نورث ستريم 1. وستبلغ قدرته 55 مليار متر مكعب بكلفة تناهز ثمانية مليارات يورو.
وفي سياق مقارب، أجرى مسؤولون بارزون أميركيون وروس محادثات الأربعاء تهدف إلى الاتفاق على كيفية فصل المتشددين المرتبطين بتنظيم القاعدة عن مقاتلي المعارضة في مدينة حلب السورية المُحاصرة من أجل تمهيد الطريق لوقف لإطلاق النار.
ورأس مايكل راتني المبعوث الأميركي الخاص لسوريا وفد واشنطن في حين أرسلت روسيا خبراء عسكريين لم يكشف عن أسمائهم. وقال ديبلوماسي غربي إن مسؤولين من قوى إقليمية مثل السعودية وقطر انضموا للمحادثات لكن لم تشارك إيران الحليف المقرب من سوريا التي لم توجه لها الدعوة. ولم تحضر المحادثات أيضاً الأطراف السورية المتحاربة.
وقال الديبلوماسي الغربي قبل عقد الاجتماع في مقر الأمم المتحدة في جنيف «الفكرة هي التواصل مع الروس في نقاش حول هذه المسألة«.
وهون وزير الخارجية الأميركي جون كيري من شأن التوقعات بالتوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار مع روسيا بشأن سوريا في أعقاب محادثات في جنيف، وحث موسكو على التزام الجدية بشأن سبيل إنهاء الصراع.
وأضاف في مؤتمر صحافي في أعقاب اجتماع مع وزراء من كوريا الجنوبية «لا أقترب من هذه (المحادثات) بشعور ترقب كبير ولا شيء مبنياً على الثقة«.
وقال مبعوث الأمم المتحدة الخاص بسوريا ستافان دي ميستورا لصحيفة سفينسكا داجبلات السويدية «دول مهمة مثل السعودية وتركيا وقطر التي لها نفوذ لدى التيار الرئيسي لجماعات مقاتلي المعارضة في موقف يجعلها تقترح على تلك الجماعات أن تبلغ مقاتلي النصرة أنه حان الوقت للذهاب إلى إدلب، وبالتالي نزع أي مبرر مزعوم ـــ أو حجة ـــ للقصف الشديد للمناطق المدنية في شرق حلب«.
وتابع دي ميستورا «الروس ليست لهم أي مصلحة في الوصول إلى نقطة يجدون عندها أن عليهم أن يشاركوا في تدمير مدينة من أجل قتال جماعة صغيرة من المقاتلين تضعهم الأمم المتحدة في قائمة الإرهابيين وأن يكون ذلك سبباً يستحضره التاريخ لهم«.
ودعت بريطانيا إلى جلسة خاصة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يوم الجمعة. وتدعو مسودة قرار اطلعت عليها «رويترز» إلى فتح تحقيق خاص مستقل يحدد المسؤولين عن انتهاك القانون الدولي بما في ذلك جرائم محتملة ضد الإنسانية.
وتقول الأمم المتحدة إنه يوجد نحو 900 من مقاتلي جبهة فتح الشام بين نحو ثمانية آلاف مقاتل للمعارضة إجمالاً في حلب، لكن مصادر ديبلوماسية أبلغت «رويترز» أن عدد مقاتلي الجبهة أقل كثيراً وربما لا يتجاوز 200 مقاتل.
وكشف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الأربعاء، أنّه توصل إلى اتفاق مع بوتين لوقف قصف الأحياء المحاصرة من حلب، مقابل خروج «جبهة فتح الشام» (النصرة سابقاً).
وقال اردوغان «إنّ بوتين أكد وقف القصف الجوي، وطلب منا أن نعمل على ترك جبهة «فتح الشام للأحياء المحاصرة، وقمت أنا بدوري بمنح التعليمات اللازمة للعمل على الأمر»، مضيفاً «اتفقنا على العمل من أجل إخراج الجبهة من مدينة حلب وإعادة الاستقرار لأهالي المدينة«.
وحذر الرئيس التركي من أيّ موجة نزوح من حلب قد تؤدي إلى تدفق مليون لاجئ إلى الأراضي التركية.
وأعلن الجيش الروسي الأربعاء أن «الهدنة الإنسانية» الخميس في حلب ستستمر 11 ساعة، الأمر الذي من شأنه أن يسمح بإجلاء المدنيين وانسحاب المقاتلين من الأحياء الشرقية في المدينة.
وقال الجنرال سيرغي رودسكوي من هيئة الأركان الروسية إن وقف إطلاق النار الشامل الذي يبدأ الخميس في الساعة الثامنة بالتوقيت المحلي «سيتم تمديده ثلاث ساعات وسيستمر حتى الساعة 19,00 بالتوقيت المحلي».
وأوضح أن المقاتلات الروسية والسورية «ستبقى على مسافة 10 كلم من حلب» خلال الهدنة.
وأضاف أنه سيتم صباح الخميس فتح ثمانية ممرات إنسانية هي ستة لإجلاء المدنيين والمرضى والجرحى واثنان لانسحاب المقاتلين لكن يمكن أيضاً أن تُستخدم للمدنيين.
وأوضح رودسكوي أن تسع حافلات وسبع سيارات إسعاف سترسل نحو الممرات الإنسانية في شمال حلب وسترسل ثماني حافلات وثماني سيارات إسعاف الى الجنوب. وأضاف أن موظفين من بعثة الأمم المتحدة ومتطوعين من الهلال الأحمر السوري سيساعدون في إجلاء المدنيين ويرافقونهم طوال الطريق بعد مغادرة حلب. واستبعدت روسيا تمديد هدنة الخميس من جانب واحد.
وأعلن الجيش السوري أن الهدنة الإنسانية في الأحياء الشرقية في مدينة حلب ستطبق على مدى ثلاثة أيام لثماني ساعات يومياً بدءاً من صباح الخميس، بعدما كانت روسيا تحدثت عن سريانها ليوم واحد.
ونقلت وكالات أنباء روسية عن متحدث باسم الكرملين أن الرئيس الروسي وبشار الأسد بحثا «هدنة إنسانية» في مدينة حلب السورية.
(ا ف ب، رويترز، أورينت نيوز، العربية.نت)