كان اعلان نائب المتن الشيخ سامي الجميل ترشحه لرئاسة حزب الكتائب اللبنانية، الانتقال الأول لزعامة الحزب من التوريث الى التحديث، ذلك ان رئيس الحزب الشيخ امين الجميل استقال من رئاسة الحزب، ليفسح في المجال أمام الجيل الجديد، ليقود العراقة الحزبية الى الصناعة الحزبية الجديدة.
في تاريخ الحزب الاكثر عراقة من سواه، مظاهر ومحطات تاريخية عديدة، منذ ان عمد الشيخ بيار الجميل الى تأسيسه منذ قرابة التسعين سنة، يوم كانت الكتائب ملاذا للشباب، ولعل ابرز هذه الحقبة، ظهور نائبين في القيادة، هما النائب عن المتن الشمالي الشيخ سامي الجميل ونائب بيروت الشيخ نديم الجميل، والاثنان هما نجلا رئيس الجمهورية الراحل الشيخ بشير الجميل، ورئيس الجمهورية السابق الشيخ امين الجميل.
تخوّف الناس من ترشح الشيخ نديم ضد الشيخ سامي، خصوصاً بعد اعلان رئيس قسم مرجعيون الكتائبي الزميل بيار عطاالله ترشحه لرئاسة الحزب، الا ان الشيخ نديم بادر الى القول: أنا وابن عمي على الغريب فارتاحت العائلة، وارتاح حزب الرئيس المؤسس الشيخ بيار الجميل، ذلك ان الناس تعرف الكتائب، حزب العائلة لا حزب افراد في المؤسسة الحزبية، الى أن برزت قبل اكثر من نصف قرن وجوه حزبية وقيادات يسارية الاتجاه من ابرزها المفكر موريس صقر ورفاقه، الا ان الرئيس المؤسس الشيخ بيار الجميل كان هو الحزب، فمرت هذه الغمامة كسحابة صيف في تاريخ اكبر حزب سياسي يميني في البلاد.
الا ان حزب الكتائب عرف في حقبات لاحقة انتفاضات حزبية تركت آثاراً سلبية عليه، ابرزها الانتفاضة الثلاثية التي قادها الوزير المرحوم ايلي حبيقة والدكتور سمير جعجع والمحامي كريم بقرادوني، خصوصا ان حبيقة استطاع اجتذاب وجوه مسيحية كبيرة، عمدت الى الذهاب في ظله الى دمشق، في حين عاكسه الدكتور سمير جعجع الذي كان ميالاً الى الرئيس كميل شمعون، واستطاع لاحقاً توجيه ضربة سياسية الى حبيقة.
ويروى في هذا المجال ان الرئيس امين الجميل، الذي آلت اليه زعامة الحزب، بعد استشهاد شقيقه الرئيس بشير الجميل، تعرض لمواجهة حادة من اسرائيل، التي رعت في البدايات ترشيح الشيخ بشير، لكنه تحرر منها بعد لقاء نهاريا الشهير بينه وبين مناحيم بيغن رئيس وزراء اسرائيل.
في تلك الحقبة اتسع نفوذ رواد الانتفاضة الحزبية، وتأسست شركة تلفزيون المؤسسة اللبنانية للارسال (LBC) باشراف المحامي بقرادوني الذي رأس الدائرة الاعلامية في الانتفاضة.
الا ان الوزير ايلي حبيقه جرى اغتياله في ظروف غامضة على بعد ٥٠٠ متر من منزله في الحازمية.
وعمدت اسرائيل الى تقليص نفوذ رئيس الجمهورية الشيخ امين الجميل، واضرمت النار في حرب الجبل وتهجير المسيحيين من معظم قرى جبل لبنان، وأفسحت في المجال امام النفوذ الفلسطيني للامتداد لاحقاً، بعد نشوب الصراع بين الرئيس السوري حافظ الاسد والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.
واستطاع الاسرائيليون تسفير القيادة الفلسطينية من الجنوب وبيروت الى طرابلس، ومن ثم الى تونس، ونشأت في تلك الحقبة حركة التوحيد الاسلامية في العاصمة الثانية، وأخذ وجه المدينة يتغير، وظهرت مستديرة كتب عليها عباره الله بأحرف كبيرة، وجرى تحطيم تمثال الزعيم الطرابلسي عبدالحميد كرامي، وزال من الوجود ولا يزال.
الا ان الرئيس امين الجميل قرر، إبان الحقبة الاخيرة، وفي عز نفوذه الحزبي، ورئاسته لحزب الكتائب، ولمعان دوره القيادي في اوروبا عموماً، وفي ألمانيا خصوصاً أن يستقيل من رئاسة الحزب، ليتطلع ثانية الى الرئاسة اللبنانية الأولى التي شغلها ست سنوات بين عامي ١٩٨٢ و١٩٨٨.
لمع نجم امين الجميل، بين الاعتدال والتطرف، واستطاع ان يبسط مظلته السياسية بسهولة، الا ان الرئيس المصري انور السادات اوفد اليه والى الاستاذ كمال جنبلاط تحذيراً من الاغتيال، لأن السوريين يريدون التخلص منهما.
غادر الرئيس امين الجميل لبنان الى فرنسا، لكن كمال جنبلاط بقي في لبنان، فتعرض للاغتيال. ويقال ان السوريين استطاعوا اشعال حرب الجبل، وجعلوا الشيوعيين وقوداً لها وقاد الملازم الاول احمد الخطيب انتفاضة على قيادة الجيش، ودفع الفلسطينيون العميد اول عزيز الاحدب الى اذاعة البلاغ رقم واحد في حركة انقلابية عاشت ٧٢ ساعة فقط.
مفاجأة سياسية
في الحقبة الاخيرة، نشأ حوار استمر سبعة اشهر، بين التيار الوطني الحر بزعامة العماد ميشال عون وحزب القوات اللبنانية بقيادة الدكتور سمير جعجع.
ويوم الثلاثاء الواقع فيه الثاني من حزيران، صعد الدكتور جعجع، بعيداً من الاضواء، الى الرابية وعقد لقاء مع العماد عون، بحضور النائب ابراهيم كنعان والمفكر القواتي ملحم رياشي، اللذين عكفا على اعداد ورقة نوايا تفاهم الجنرال والحكيم على معظم بنودها، وشكلت أرضية صالحة للاجتماع بين رئيسي أكبر تجمعين مسيحيين في لبنان في المرحلة الراهنة.
ويقول العارفون بالأسرار، ان لقاء الرابية ومعراب قد يخلق محطة جديدة، على طريق رئاسة الجمهورية، لأنه للمرة الاولى يسعى نقيضان الى تجميع قواهما السياسية والانتخابية، لخلق نوعية جديدة قد تمهد لولادة ذهنية، لا شأن لها بالطبقة السياسية الراهنة، ولا في الصراعات القائمة على الساحة اللبنانية.
ولقاء الجنرال والحكيم كان لقاء ودياً، بدليل ان الدكتور جعجع كان يضع ذراعه فوق كتف العماد عون، مما يشير الى انهما طويا صفحة الاحقاد السابقة، وفتحا طريقاً جديدة للحوار.
نجح الجنرال والحكيم في اعداد الظروف التي مهدت للصعود المفاجئ للدكتور جعجع الى الرابية وحيداً، لأن العماد عون يثق بأمين سر كتلته النيابية ابراهيم كنعان، ولأن الدكتور جعجع يثق بذكاء ملحم الرياشي، ذلك ان له تاريخاً حافلاً في العمل السياسي المجرد من اي غاية، فقد استطاع بعد الطائف، ان يعقد مصالحة سياسية بين القطبين الارثوذكسيين في المتن الشمالي الدكتور ألبير مخيبر والاستاذ ميشال المر، ويجمعهما في قائمة انتخابية واحدة.
وفي الجلسة النيابية الأولى جلس الدكتور ألبير مخيبر، في ا لصف الاول من القاعة، والى جانبه النائب عباس الهاشم، واعطاه الرئيس بري الكلام في البداية، فوقف وطالب بانسحاب القوات السورية من لبنان.
وبعد ذلك عمل ملحم الرياشي مستشاراً لوزير الداخلية الياس المر الذي كان ينوه دائماً بحذاقته الاعلامية.
وفي الحقبة الأخيرة، اصبح من ابرز مستشاري الدكتور سمير جعجع في معراب، وله دور وتعليق سياسي في اذاعة لبنان الحر الناطقة باسم حزب القوات اللبنانية.
أما الشيخ سامي الجميل فقد جعل من ترشحه لرئاسة حزب الكتائب، فرصة لاذكاء دوره القيادي في الحزب الذي صعد الى مقعد القيادة فيه، واعلن ثورة سياسية او ما يشبه الانتفاضة الحزبية على الرتابة السائدة في معظم المواقع الحزبية والسياسية.
كان سامي الجميل، ثورياً في حزب ليست الثورات من تقاليده، الا ان الحشود التي صعدت الى بكفيا اكدت ان الشاب الذي برز، اعطى صورة قيادية لافتة للانظار، وهو الامر الذي ظهر لدى انتخاب شقيقه الراحل الشيخ بيار امين الجميل، والذي التقى حوله والده الشيخ امين الجميل، ورئيس الحزب الذي قدم له الرئاسة على طبق من ذهب، الاستاذ كريم بقرادوني، وان لوحظ ان الاخير انكفأ بعد ذلك عن الظهور.
هل يكون الصراع المقبل، مواجهة بين ورقة نوايا للحزبين، وورقة جهاد لحزب الكتائب، يقودها الرئيس الجديد سامي الجميل.
لا أحد يمكنه ان يتكهن بشيء، الا بالعودة الى التاريخ. ففي مطلع العام ٢٠٠١، كان حزب الكتائب يتعرض لمحاولة انقلابية الهدف منها تولية فريق معين علي السلطة، والسير به سياسياً بشكل مغاير لما يسود القاعدة الحزبية، والدعوة الى مؤتمر لانتخاب رئيس للحزب، الامر الذي فاجأ القاعدة الحزبية والوجوه البارزة فيه.
الا ان الدعوة تركت تساؤلات حول المصالحة الكتائبية التي كانت لها ارتدادات وغايات كما يقول المفكر جوزف ابو خليل في كتابه عمري، عمر لبنان، ويوضح رئيس تحرير العمل انه تبين من خلال المعلومات ان بعض الجهات الرسمية والاجهزة الامنية التابعة لها، ليست بعيدة ولا هي غائبة عن معظم ما تقدم ذكره، بل ضالعة ومتدخلة فيه تدخلاً واسعاً ومؤثراً.
وحيال هذا كله، بادر بعض اعضاء المكتب السياسي الى اتخاذ خطوة ترمي الى تلافي العواقب المتوقعة، وأقلها تعريض الحزب لهيمنة كاملة عليه، رسمية وسلطوية، تبطل مسوغ وجوده من الاساس وتجعل منه تنظيما تابعا للنظام القائم. فتقدم اثنا عشر عضوا بكتاب الى رئيس الحزب، يعتذرون فيه عن عدم حضور الجلسة المقررة ليوم ٢٧ آب لأنها تشكل التفافا على العملية الوفاقية، وتضع اعضاء المكتب السياسي امام الامر الواقع عن سابق تصور وتصميم، ويناشدونه ايضا ارجاء الجلسة المذكورة الى موعد لاحق واستئناف المساعي الوفاقية من النقطة التي وصلت اليها.
إلاّ ان هذه المناشدة لم تلق تجاوباً، فانعقدت الجلسة بحضور نصف أعضاء المكتب السياسي.
عودة الى التاريخ
ويوم الاثنين الواقع فيه ١٥ تشرين الأول، بدأت تبرز كتائب جديدة بقيادة جديدة، أخذت تزور رئيس الجمهورية اميل لحود ورئيس المجلس النيابي نبيه بري واقامة استقبال للمهنئين في بيت الكتائب.
ويقول جوزف أبو خليل ان وجود كريم بقرادوني على رأس الكتائب، هو غير الرئيس السابق منير الحاج، وغير الدكتور جورج سعاده.
أما ما يخشى على يد بقرادوني، في هذه الحال، فهو الانحراف بالكتائب عن غاية وجودها أو تحويلها الى حزب آخر، تحت ستار التجديد والتحديث. وله في هذا المجال وجهة نظر تقول ان القاعدة الشعبية للكتائب قاعدة موروثة عن عهد الرئيس - المؤسس، وبالتالي، عصيّة على أي خلف له لا يكون من آل الجميّل! وتأسيساً على هذه الثابتة ينبغي الكفّ عن المحاولات الرامية الى استمالتها. فهي لن تتغيّر، ولن تبدّل في ولائها، ثم العمل على التأسيس لقاعدة أخرى، من منتمين جدد لا يحنّون الى الماضي. واذا تعذر الأمر جرى تحويل الكتائب من حزب جماهيري الى حزب النخبة، بمعنى ان بضع مئات من النخب يغني عن الآلاف من المنتمين العاديين، وقس على ذلك. هذا الخطر على الكتائب وارد على يد الرئيس الجديد اذا ما تعذر عليه استقطاب القاعدة، وخصوصا انه يتخذ من تحالفه مع الدولة وسيلة إغراء وتشويق وترغيب، وربما وسيلة ترهيب أيضاً.
حدثت في تلك الحقبة، زيارة بالطائرة للرئيس بشار الأسد للبنان، وحدث بروز للكتائب برئاسة المحامي كريم بقرادوني الذي استطاع بذكائه، أن يجمع الشباب الكتائبي، في دوحة سياسية نادرة بوجودها، قوية بعناصرها. إلاّ أن الكتائب تبقى كتائب المؤسس الشيخ بيار الجميّل.
إلاّ أن ظهور الوزير الشهيد بيار أمين الجميّل أرسى جذوراً جديدة للحزب، وأطلق آمالاً كباراً له أوحت بسرعة بأن مصالحة حقيقية للحزب قد بدأت تلوح، زرعها بسرعة في أرض حزبية أصدقاء مشتركون بين قيادة كريم الحديثة، وقيادة بيار الوزير، ولعل شعار وزير الصناعة الجديد: بتحب لبنان حبّ صناعته، قد تغلغل في القلوب والنفوس، وقد تلقفه بسرعة أيضا شباب محايدون لهم رصيدهم السياسي مثل الأستاذ كريم سركيس إبن شقيق الرئيس الياس سركيس، وتمكنوا من زرع أشجار التفاح في أرض خصبة، ونجحوا في تعبيد طريق المصالحة بين الشيخ أمين الجميّل والمحامي كريم بقرادوني الذي وجد في الوزير بيار الجميّل أملاً في توحيد الكتائب وجمعها في أرض المصالحة.
إلاّ أن المؤامرة على لبنان كانت كبيرة، الى حدّ انها استهدفت الوزير الشيخ بيار الجميّل في حياته، وكان استشهاده نهاية لأحلام أينعت على الطريق الى انتصار لبنان على أزمته.
والأمل الذي راح يدغدغ الأحلام والأفكار نفسها التي تدغدغ الآن مغامرة الانتصار على أزمة لا حدود لها، داخل الحزب العريق، الذي يرى شبابه في الشيخ النائب سامي الجميّل، مستقبلا رائداً للحزب، لأنه أظهر خلال السنوات الأخيرة، براعة قيادية لفتت الأنظار وانجذبت اليها الأفكار، ولعل ترشحه لرئاسة الحزب عصر يوم الأربعاء الفائت، كان تظاهرة حزبية للفكر الشبابي الجديد، الذي أحبّ والده الرئيس الشيخ أمين الجميّل ان يطلقه في سماء حزب تهفو اليه القلوب والنفوس.
وكان التوافق بين النائبين سامي ونديم الجميّل تحت شعار أنا وإبن عمّي على الغريب مؤشراً، الى ان في الكتائب الجديدة، مخزوناً سياسياً لا ينضب، لا بل ثروة حزبية في زمن الضمور السياسي المفاجئ، لأن للنائب الشيخ سامي الجميّل زعامة نضجت بسرعة وجعلت الآمال الكتائبية تزدهر وتكبر وتسود في مجتمع سياسي جائع الى القيادة الناجحة.
ماذا حدث في أيام رئاسة المحامي كريم بقرادوني، وكيف سارت الأمور، خلال مراحل المحنة الكتائبية؟
يجيب على هذا التساؤل جوزيف أبو خليل في كتابه عمري، عمر لبنان انه في كانون الأول ٢٠٠٧، عقدت الجلسة الختامية للمؤتمر العام الكتائبي في أوتيل رويال في الضبيه، وكان بقرادوني رئيسا لحزب الكتائب، إلاّ أن الشعار الشهير بأن الدماء لا تصير ماء جعلت رفاق الدرب يعودون الى سلوك الدرب الواحدة مجدداً، واذا بالمحامي كريم يدلي ببيان يقول فيه ان كلمتي الأخيرة استبقيها لصديق الصبا ورفيق الدرب الطويل الرئيس أمين الجميّل ان أوضح له بأنني أتممت المهمة، وأتقدم باستقالتي من رئاسة الحزب، وأسلمك المشعل بأفضل حال مما تسلمته، وما جمعه حبيبنا بيار، لن يفرّقه انسان.
وقال أيضا: أنا الدليل على أن الكتائب ليست مؤسسة مغلقة، بل مشروع مفتوح على كل الطاقات والطموحات.
كان الصديق العزيز كريم، قبل ما يقارب الخمس سنوات، وبالتحديد في ١٠ تموز ٢٠٠٢، وبصفته أيضا رئيسا لحزب الكتائب، يعلن على الملأ التدبير الذي اتخذه، هو وأعضاء مكتبه السياسي في ذلك الحين، والقاضي بفصل الرئيس أمين الجميّل من الحزب نهاية لمرحلة سوداء وبداية لمرحلة بيضاء.
وهكذا، يقول جوزيف أبو خليل ان المصالحة الحزبية أصبحت متاحة، وما كان محظوراً بات في متناول اليد. فلا شيء يحول دون العودة الى بيت الكتائب المركزي، والتلاقي مع مَن فيه، المهمّ أن الاتفاق أصبح أيضا ناجزاً.
يروي قصة اجتماعه مع كريم: تلاقينا ثلاث مرات، كريم وأنا من أجل انجاز المصالحة، والمطلوب، كما تبيّن لي، هو مصالحة كريم بقرادوني مع الرئيس أمين الجميّل أولاً. وهذا ما تكفّل به الشيخ بيار الحفيد بطريقته الخاصة، فتصالح هو مع كريم بمسعى من صديق مشترك، ثم صالح كريم مع والده في لقاء تمّ في بكفيا اتفق في أثنائه على دعوة المؤتمر العام للانعقاد وانتخاب قيادة جديدة يكون الرئيس أمين الجميّل على رأسها، وبصفة رئيس أعلى. وهو منصب غير موجود في بنية الحزب لكن الضرورات تحكم به باستحداثه وتحديد دوره وصلاحيته. وهذا ما تمّ في مؤتمر المصالحة والتوحيد المنعقد في أوتيل ريجنسي بالاس في أدما - كسروان - تاريخ ١٢/١١/٢٠٠٥.
ويقول جوزيف أبو خليل، ان المهمّ في هذا المجال ان كريم بقرادوني استطاع الوصول الى ما يبتغيه محققاً بذلك حلماً يراوده منذ زمن. فرئاسة الكتائب شرف كبير، وقد نال الرجل هذا الشرف، من الناحية القانونية والديموقراطية. أما أي كتائب ستكون على يده، والى متى، فأمر محكوم بالظروف والمعطيات المتصلة بالقضية اللبنانية الباقية معلقة بأزمة الشرق الأوسط. إلاّ أن المؤكد ان كريم بقرادوني لن يكون مثل منير الحاج. فهو شخص متحرّك أبداً، ونشط، فضلاً عن أنه قادر على التفرّغ للعمل السياسي ويعرف من أين تؤكل الكتف كما يقال.
وسنشهد عما قريب كتائب أخرى، على يد كريم بقرادوني، ترفع ذات الشعارات لكنها، من الناحية العملية، على طلاق كامل مع الماضي أو مع التراث الذي تشكّل وتراكَم على مدى نصف قرن ونيّف، أي كتائب بلا ماض ولا تاريخ. أما الى أي مدى ستكون هذه الكتائب الجديدة لازمة وضرورية، فمسألة تأتي في مرتبة ثانية أو ثالثة. والصحيح أنها مسألة غير واردة في ظلّ الطموح الشخصي القادر وحده على التأسيس لحزب أو لتنظيم سياسي وإبقائه في الواجهة، ولو كان غيابه عن الساح مثل حضوره. وما أكثر الأحزاب التي تأسست على الطموح الشخصي، وأحياناً على زعامات تقليدية واقطاعية، ولكن لا لزوم لها أو هي لا تعبّر عن ضرورة وحاجة وطنية أو اجتماعية.
هل كان جوزف أبو خليل في كتابه منصفاً لكريم، وهو صديق له، كما كان منصفاً للرئيس الشيخ أمين الجميّل؟
تصعب الاجابة على هذا التساؤل، إلاّ أنه قال ان موضوع الكتائب سيظل من المواضيع المطروحة في البلاد، يغيب حيناً وحيناً آخر يعود، وبذات الإلحاح، حتى ليصح القول ان هناك قضية اسمها قضية الكتائب تطرح منذ سنوات وتستأثر باهتمام الناس على كل المستويات. الأمر الذي يبيّن مقدار الحاجة الى مثل هذا التنظيم السياسي، بل بمقدار الفراغ الذي تسبّبت فيه مصادرته المتصلة بمصادرة لبنان كله ليكون أداة، أو ورقة في اللعبة الاقليمية والدولية.