لا شك مثقال ذرة واحدة في أن مشاركة عناصر من أجهزة أمن السلطة في المقاومة المسلحة تمثل «سيناريو الرعب» الأكبر لإسرائيل، بما يحمله من معنى عبارة انقلاب السحر على الساحر. صحيح أنها لم تتحول إلى ظاهرة، لكن رحيل محمود عباس واليوم الذي يليه، قد يكون ساحة مفتوحة لتصفية حساب طويلة لدى شرفاء كثر في السلطة، مع عدو لا يزال يُعدم الفتيات على الاشتباه في الحواجز
رام الله | في الانتفاضة الجارية في فلسطين المحتلة، مثّلت عملية الشهيد أمجد السكري مطلع العام الجاري، محطة فارقة وضربة غير متوقعة إلى خاصرة «التنسيق الأمني» (بين السلطة وقوات العدو)، خاصة أن السكري الآتي من بلدة جماعين، قرب نابلس، نفّذ عمليته خلال دوامه الرسمي في أمن السلطة وبسلاح تابع لها، وذلك على حاجز «بيت إيل» المخصص لعبور الشخصيات الخاصة من حملة بطاقات «VIP»، السيئة الذكر.
أبدى الإسرائيليون تخوفهم، منذ ذلك اليوم، من تكرار المشهد، وهو ما فعله الشهيد محمد تركمان قبل يومين.
لا شك في أن تحول العمليات الفدائية، التي ينفذها عناصر من أمن السلطة، إلى ظاهرة، سيكون ضربة قاصمة بحق «منظومة التنسيق الأمني»، رغم إدراك القيادة الإسرائيلية أن «الفلسطيني الجديد»، الذي عملت الولايات المتحدة ودول عربية على إنتاجه طوال السنوات الماضية، مثّل عنصر خدمة لا مثيل له، فقد ساعدها في «ضبط الأمن» داخل الضفة. ورغم يقينها أيضاً بأن سياسة السلطة لا تؤيد عمليات صادرة عن عناصرها، فإنها تطالبها بتقديم تفسيرات لما حدث مع ضرورة تفتيش موظفي الأمن والتدقيق في أسلحتهم.
ونموذج «الفلسطيني الجديد» ينصّ على التعايش مع الاحتلال ولا ينظر له كعدو، وقد أعيد بناء أجهزة أمن السلطة بناء عليه، منذ قدوم السلطة عام 1994 مروراً باستحداث «جهاز الأمن الوقائي» الذي ترأس شقّيه كل من اللواء جبريل الرجوب والنائب الفتحاوي محمد دحلان، لكن هذا الدعم توقف مع بداية الانتفاضة الثانية، ثم بدأت المرحلة الثانية أو ما تعرف بـ«مرحلة دايتون» عقب عملية «السور الواقي»، ثم الانقسام وسيطرة «حماس» على غزة؛ في إشارة إلى إشراف الجنرال الأميركي كيث دايتون مباشرة على إعادة بناء تلك الأجهزة وتدريبها وتسليحها، خاصة «الأمن الوطني» الذي صار يملك تسع كتائب مشاة في سنوات قليلة، ثم أكمل مشوار دايتون الجنرال مولر.
سلاح أجهزة أمن السلطة هو الآخر كالعقيدة الأمنية يخضع لتدقيق إسرائيل، ولا تدخل كل قطعة أو تمنع بقرار منها، حتى صار «تسليح السلطة» بهذه الأهداف غير الوطنية، أيضاً، بيد الإسرائيليين كورقة ابتزاز. ومنذ تعرقل المفاوضات، يرفض العدو إدخال نحو ثلاثة آلاف بندقية حصلت عليها السلطة من مصر وروسيا، لا تزال موجودة في الأردن، بالإضافة إلى مجموعة من المدرعات المصفحة الروسية الصنع والمحتجزة منذ عشرة أعوام، منها خمسون مدرعة من طراز «BTR». وبعد إخفاق التفاوض في عهد حكومة إيهود أولمرت، الذي كاد أن يفضي إلى إدخال نصف عدد المدرعات بشرط إزالة الرشاشات الثقيلة عنها، تحولت مهمة هذه المدرعات لأغراض تدريبية في الدورات المنفذة في الأردن.
نموذج أمجد السكري «المفزع»، كان قد سبقته عمليات استثنائية نفذها عناصر وضباط يعملون في أجهزة السلطة في خلال «انتفاضة القدس»، منها عملية الشهيد مازن عريبة، وهو ضابط في مخابرات السلطة برتبة ملازم أول في جهاز المخابرات، من بلدة أبو ديس شرق القدس، وقد أطلق النار على حاجز حزما شمال شرق القدس في أواخر 2015. وقبل عملية حزما، أطلق الشرطي محمد ماهر حامد من بلدة سلواد، شرق رام الله، النار على قائد سرية إسرائيلي مع قوته في المنطقة الغربية من البلدة في السادس عشر من تشرين الأول من العام الماضي.
أما هذا العام، وبين عمليتي السكري وتركمان، تركت بصمة عنصر من «الأمن الوطني» هو محمد عميرة من بلدة دورا، أثراً كبيراً خلال عملية «عتنائيل»، جنوب الخليل، برفقة الشهيد محمد الفقيه من حركة «حماس»، وهي العملية التي أدت إلى مقتل حاخام إسرائيلي وإصابة أربعة مستوطنين في بداية تموز الماضي، علماً بأن مهمّة عميرة كانت قيادة سيارة العملية.
نموذج «الفلسطيني الحقيقي»، الذي قدمه رجال أمن السلطة في مراحل عدة من الانتفاضة الثانية، تراهن فصائل المقاومة والجمهور الفلسطيني على عودته، في ظل أن استخدام السلاح سيؤتي نتائج أكثر فعالية من عمليات الطعن التي لم تتوقف رغم سياسات العصا والجزرة الإسرائيلية المتعاقبة.
في عملية حاجز «بيت إيل» الأخيرة، تحوّل السلاح الرسمي للسلطة «كلاشنكوف» إلى رمز بعدما استخدمه الشهيد تركمان في إطلاق النار على جنود العدو، فضلاً عن أنه كان يرتدي الزي الرسمي. وتركمان من بلدة قباطية في جنين، وهو يحمل رتبة ضابط في الحراسات الخاصة في الشرطة، وهو الجهاز الأمني نفسه الذي كان يعمل فيه الشهيد السكري، وأيضاً صودف أن مكان العملية للاثنين هو نفسه.
من المتوقع ــ تحت الطاولة ــ أن العملية الأخيرة ومثيلاتها تشكل إحراجاً كبيراً للسلطة، خاصة أن إسرائيل ستطالبها باتخاذ تدابير وخطوات صعبة، كفرض سحب السلاح من العناصر في غير المهمات الرسمية، رغم أن هذا الحل الجزئي سيسبب إشكالات للسلطة في ظل استمرار أزمتي المخيمات ومشكلات العائلات، بخلاف أن تركمان وشهداء آخرين نفذوا عملياتهم في إطار دوامهم الرسمي.
أما آلاف القطع من الأسلحة الأخرى، التي يحملها عناصر من السلطة، فهي تندرج ضمن السلاح الرسمي وغير الرسمي، أي إن النوع الأول يكون مسجلاً لدى دوائر السلطة بالرقم التسلسلي وحامله كذلك، تماماً كما هو معروف لدى الاحتلال بدقة، والحل الأخير سيشمله تحديداً. أما النوع الثاني، فهو «غير قانوني»، لكنه موجود في أيدي عناصر الأمن خارج أوقات الدوام الرسمي، ولا يستعمل لمقاومة الاحتلال حالياً، بل لأسباب متعددة منها الانتماءات الفصائلية أو العشائرية.