طغى حدثان بارزان على الأوضاع العامة، وكانا كفيلين بتغيّر المناخ العام في لبنان بأكمله، تمثّلا بانتخاب رئيس للجمهورية وتكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، مع ارتفاع منسوب التفاؤل في أن يشهد المناخ مزيداً من التحسّن في حال نجح الرئيس الحريري في تأليف الحكومة، باعتباره عاملاً إيجابياً جداً، رغم أنّها حكومة أشهر معدودة إلى حين إجراء الانتخابات النيابية.
وتزامناً مع بدء الانفراج السياسي بدا أنّ «القطاع الخاص اللبناني مرتاح جداً لتقدّم العملية الدستورية، وللمبادئ التي تضمّنها خطاب القسم للرئيس ميشال عون، وكلمة الرئيس الحريري»، وسط آمال بتلمّس عهد جديد مشرق للبنان ولكل اللبنانيين، وتشكيل الحكومة سريعاً للإفادة من هذه الاندفاعة القوية للعهد، وإطلاق ورشة شاملة ومتكاملة طال انتظارها، لإنهاء مسلسل المعاناة والمشكلات والذهاب إلى مرحلة جديدة قوامها الاستقرار الناجز والنهوض والازدهار.
أولويات الحكومة
بدأت رحلة تشكيل الحكومة، وبغض النظر إذا ما سارت الأمور بانسياب أو تعرّضت لعراقيل، ففي نهاية المطاف لا بد من تلقّف «الحكومة المقبلة» سلة الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي تنتظر دورها في سلّم المعالجات.
ولا يخفى على أحد أن الأزمات الاقتصادية تتعدّد وتتراكم وتبلغ من الخطورة مرحلة يحتار فيها الخبراء والإقتصاديون بتقديم إحداها على غيرها، وتتربّع على عرش الأزمات أزمة غياب الحسابات المالية والموازنات العامة منذ العام 2006 والاستمرار في تطبيق القاعدة الإثني عشريّة التي أجازها القانون لحالات استثنائيّة فحسب، ما يعني أن الإنفاق العام يتم منذ نحو 10 سنوات بطريقة غير شفافة.
وتتراجع معظم المؤشرات الإقتصادية، ومنها حركتا الصادرات والتجارة الخارجية، وتنخفض الإستثمارات والرساميل الأجنبية بشكل كبير، ولاسيما الخليجية منها، حتى أن انخفاض الصادرات الزراعية والصناعية جراء إغلاق المعابر البرية شكّل ضربة قوية للاقتصاد اللبناني. وليس ذلك فحسب، بل إن لبنان دخل أزمة نفايات منذ قرابة العامين ولم يتمكن حتى اللحظة من الخروج منها.
وتشكّل أزمة الدين العام الثقل الأكبر في ميزان الأزمات الإقتصادية والمالية، إذ يبلغ الدين العام اللبناني نحو 70 مليار دولار (الدين العام الداخلي نحو 42.5 مليار دولار. أما الدين الخارجي فيناهز 27 مليار دولار). وتبلغ نسبة الدين العام الإجمالي على الناتج المحلي الإجمالي 127 في المئة. ويتجاوز العجز في ميزان المدفوعات نحو مليار 250 مليون دولار.
كل تلك الأزمات، ورغم أنها تنذر بانهيار اقتصادي محتمل، غير أن معالجتها لم تُشكّل أولوية، ويتخوّف كثر من الخبراء والإقتصاديين من مختلف القطاعات من انفجار اجتماعي ناجم عن تفاقم أزمتي الفقر والبطالة، ومن هؤلاء رئيس اتحاد الغرف اللبنانية محمد شقير، الذي رأى في حديث له أن للفقر والبطالة الأولوية المطلقة للمعالجة «وعلى الحكومة المقبلة أن تضع نصب أعينها وضع حد للأزمة الاجتماعية والمعيشية»، ولاسيما بعدما تجاوزت نسبة البطالة في لبنان 20 في المئة، وتخطي نسبتها 37 في المئة بين الشباب.
وزني
وتعليقاً على المستجدات الإيجابية رأى الخبير الإقتصادي الدكتور غازي وزني في له أنّ «الرئيس الحريري هو الزعيم الأكثر تمثيلاً في طائفته أولاً، كما لديه مشروعه الإقتصادي، إضافة إلى تواصله مع المستثمرين ورجال الأعمال في الخارج، وبالتالي يُعتبر إسماً محفزاً للإقتصاد في المرحلة المقبلة كونه أيضاً إبن الرئيس الشهيد رفيق الحريري».
وعن أولويات حكومة الحريري الإقتصادية والتي يراها ملحّة، قال وزني: للحكومة الجديدة أولوية وضع قانون انتخاب جديد. أما إقتصادياً ومالياً، فالأولويات محدودة بـ:
- أولاً: الملفات الحياتية للناس هي أولوية الأولويات، ولاسيما ما يتعلق بقضية النفايات، والمياه، والطرقات، والكهرباء التي تم إنجاز الخطوات الأولية في مسار الإصلاح في انتظار الخطوات اللاحقة.
- ثانياً: ملف النازحين السوريين، وما يتطلب من تكثيف الإتصالات بالخارج والتواصل في ما يتعلق بتأمين المساعدات للنازحين وتوفير عودة آمنة لهم.
- ثالثاً: مرسوما التنقيب عن النفط والغاز اللذان من شأن إقرارهما دخول لبنان «نادي الدول المنتجة للنفط»، وبالتالي تكون صورته إيجابية في نظر المستثمرين المحليين والأجانب.
- رابعاً: ضبط العجز في المالية العامة والذي يتجاوز 9 في المئة من حجم الإقتصاد، لجهة وقف الإنفاق العشوائي والهدر وتحسين الجباية. علماً أن هذا الملف هو احدى المشكلات الأساسية للبنان اتجاه المؤسسات الدولية، كالأسواق المالية، ووكالات التصنيف الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليين.
- خامساً: النمو الإقتصادي الضعيف، لأن هذه الحكومة تخلق عامل ثقة الأمر الذي يحرّك العجلة السياحية والتجارية في البلاد.
وأكد أنه «يُستصعب على هذه الحكومة إعداد موازنة عامة جديدة وإقرارها، نظراً إلى مدتها القصيرة»، موضحاً أن «حكومة الحريري لن تتبنى مشاريع الموازنات التي أعدّت في عهد حكومة الرئيس تمام سلام».
فيتش
على مستوى الرؤية العامة للأوضاع المستجدة في لبنان، أعلنت وكالة «فيتش» للتصنيفات الإئتمانية أن «انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، خطوة مهمة في اتجاه تحسين الكفاءة السياسية، وإذا أسفر الأمر عن مزيد من التوافق السياسي وأدّى إلى تشكيل حكومة وحدة فاعلة، فمن شأن ذلك تحسين آفاق وضع السياسات، ويمكن أن يوفر بعض التحسن للإقتصاد المتعثر».
في المقابل نبّهت وكالة فيتش في بيان لها، إلى أن «لا تزال هناك مخاطر لترسيخ بيئة سياسية أكثر فعالية»، وقالت: سيبقى الإقتصاد اللبناني مقيّداً بسبب الحرب في سوريا والضعف الكبير في المالية العامة، صحيح أن انتخاب الرئيس هو جزء مهم في التركيبة السياسية، إلا أن على مختلف الأطراف السياسيين توزيع الحقائب الوزارية وتشكيل حكومة فاعلة.
مؤشر مدراء المشتريات
وانخفض مؤشر مدراء المشتريات في تشرين الأول بحسب مؤشر مدراء المشتريات الرئيسيBLOM PMI الذي أكد كذلك على استمرار الإنكماش في اقتصاد القطاع الخاص خلال تشرين الأول الفائت، حيث ظل المؤشر دون مستوى الـ50.0 نقطة الذي يفصل النمو عن الإنكماش، مسجلاً 43.8 نقطة، وكانت التراجعات المتسارعة في مستويات الطلبيات الجديدة وطلبيات التصدير خلال تشرين الأول من العوامل المسبّبة لهذا التدهور القوي في الأوضاع التجارية على مستوى اقتصاد القطاع الخاص.
وقد أفادت الشركات بوجود انكماشات حادة في كل من الإنتاج والطلبيات الجديدة في بداية الربع الرابع، وكان معدل تراجع الطلبيات الجديدة قياسيًا على مستوى الدراسة، وكانت حال انعدام الاستقرار واليقين السياسي من بين العوامل التي ذكرتها الشركات المشاركة في الإستبيان على أنها أثرت سلباً على معدلات الطلب في السوق.