حتى فجر اليوم لم تصدر النتائج الكاملة لإنتخابات الرئاسة الاميركية، ولكن ما كان صدر منها اظهر تقدم المرشحين «الديموقراطية» هيلاري كلينتون و»الجمهوري» دونالد ترامب في ولايات مختلفة وكانت في غالبيتها ولايات صغيرة لا يعتد بنتائجها لتحديد تقدم مرشح على آخر، فيما كان آخر استطلاعات الرأي قبيل انطلاق العملية الانتخابية أظهر تقدم كلينتون على منافسها بفارق ضئيل، والتي في حال فوزها ستكون اول إمرأة ترأس الولايات المتحدة الاميركية. وكانت أنظار العالم اتّجهَت أمس الى الولايات المتحدة، ترقبا لإختيار الأميركيين رئيسهم أو رئيستهم للسنوات الأربع المقبلة، وأيّ حزب سيكون سيّد الكونغرس. وقد اتخذت هذه الإنتخابات أبعاداً تاريخيةً، ستكون لها بصماتها على مستقبل بلاد «العم سام» والعالم.
إختتمت انتخابات أمس حملة طويلة اتّسَمت بمستوى غير مسبوق من العنف والهجمات التي وصلت الى حدّ البذاءة، ويترقّب العالم بأسره نتيجتها بتخوّف وقلق، لشدّة ما يتعارض المرشّحان في رؤيتيهما لمستقبل القوّة العظمى الأولى في العالم.
وتخرج البلاد من هذه الانتخابات مُنقسمةً جداً، بعد ثماني سنوات من انتخاب باراك أوباما أوّل رئيس أسود للولايات المتحدة، على رسالة أمل نقلها إلى الأميركيين.
وفي مؤشّر إلى مستوى الانقسام الذي تُثيره هذه الانتخابات، استُقبلَ دونالد ترامب بصيحات الاستنكار صباح أمس، حين توجّه للإدلاء بصوته في مدرسة في مانهاتن في نيويورك، فهتفَ له بعض الناخبين والمارّة «نيويورك تكرهك».
ووجّه ترامب عبر «تويتر» نداء اللحظة الأخيرة إلى الناخبين، داعياً إياهم الى الاقتراع له.
وكتبَ المرشح الجمهوري «لا تستسلموا، واصِلوا تشجيعَ الناس على التصويت. هذه الانتخابات لم تنتهِ بعد. الأمور جيّدة بالنسبة إلينا ولكن لا يزال هناك وقت. الى الأمام يا فلوريدا».
وتشكّلت غالباً صفوف انتظار طويلة أمس أمام مكاتب التصويت في جميع أنحاء البلاد.
وفي نيويورك، في قلب جزيرة «ستاتن آيلند»، الاكثر ميلاً الى الجمهوريين بين دوائر نيويورك، كانت حركة كبيرة تعمّ مركز التصويت الذي أُقيم في مدرسة «توماس دونغان» عند الظهر.
وأدلت هيلاري كلينتون بصوتها باكراً في مدرسة قريبة من منزلها في تشاباكوا في ولاية نيويورك، برفقة زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون. وكان حشد من نحو 150 شخصاً ينتظرها بحماسة كبيرة.
وتبقى الأنظار موجّهة خصوصا الى بعض الولايات الأساسية، التي قد تحسم نتيجة الانتخابات، وفي طليعتها فلوريدا. لكن ينبغي أيضاً متابعة الوضع في أوهايو وكارولاينا الشمالية، وبنسيلفانيا، وبعض الولايات الأخرى التي قد تحسم النتيجة.
إلى ذلك، لفتَ مسؤولو انتخابات في ثلاث مقاطعات بولاية بنسلفانيا الأميركية إلى أنّهم لا يعتقدون أنّ هناك أخطاء في حساب الأصوات نتيجةً لأعطال في أجهزة كمبيوتر، وذلك على رغم تقارير أفادت أنّ آلات تصويت تعمل باللمس تتسبّب في تبديل الأصوات في الولاية.
وشدّد مسؤولون في مقاطعات كامبرلاند وبيري وباتلر في بنسلفانيا على أنّه لا يوجد سبب يدعو للاعتقاد بأنّ الأخطاء تؤثّر في الإدلاء بالأصوات لحزب من دون آخر، وأنّ الناخبين يرصدون الأخطاء على «شاشات مراجعة» قبل الإدلاء بالصوت.
وأدلى نحو 42 مليون أميركي من أصل نحو 225 مليون ناخب مسجّلين على اللوائح الانتخابية، بأصواتهم في عمليات تصويت مبكِر، لتفادي صفوف الانتظار يوم الانتخابات.
وعلى رغم تقلّصِ الفارق بين المرشّحَين خلال الأسبوع الأخير، كانت كلينتون أمس تتصدّر التكهّنات. وتوجّهت الأسواق بشكل واضح إلى الارتفاع منذ الإثنين مع ارتفاع حظوظ كلينتون، وهي تفضّل الاستمرارية التي تمثّلها المرشّحة الديموقراطية على المجهول الملازم لترامب.
وتأمل هيلاري كلينتون (69 عاماً) في أن تدخل التاريخ كأوّل رئيسة للولايات المتحدة، بعد 44 رئيساً منذ جورج واشنطن في 1789.
وهي تعتزم الحكمَ في استمرارية لعهد الرئيس الديموقراطي باراك اوباما، الذي قدّم لها دعماً قوياً، مسلّحاً بنسبةِ شعبيته المرتفعة، وضاعفَ التجمعات الانتخابية تأييداً لها.
وكلينتون الموجودة على الساحة السياسية منذ 25 عاماً، لا يحبّها نصف الاميركيين ويشكّكون بنزاهتها. وكانت على التوالي السيّدة الأولى لولايتَين وعضواً في مجلس الشيوخ عن نيويورك ووزيرة خارجية في عهد أوباما. وهي في قمة الانضباط والمثابرة، تَعرف كل الملفات بنحو معمّق، لكنّ شخصيتها لا تثير حماسةً كبرى.
أمّا ترامب (70 عاماً) الذي يَعتز بأنّه دخيل على السياسة، فيأمل في أن يحقّق مفاجأة كبرى، كما حصَل عندما صوّتت بريطانيا لمصلحة الخروج من الاتّحاد الاوروبي، خلافاً لتوقّعات استطلاعات الرأي.
وقد بنى ترامب، الملياردير النيويوركي ذو الأطباع الحادة، حملتَه على انتقاد النخبة السياسية التي يتّهمها بأنّها «نزفت البلاد»، وهو الذي لم يسبق أن شغلَ أيّ منصب منتخب، قدّم نفسَه على أنّه رَجل التغيير الذي سيتصدّى للفساد، الذي يتّهم به النُخب، وهو صوتُ المنسيّين الذين وعَدهم بأن «يعيد لأميركا عظمتها».
وأنه الملياردير الأقلّ شعبية من منافسته (62 في المئة)، وهو مقدِّم سابِق لبرنامج «ذي أبرانتيس» من تلفزيون الواقع، وصاحب شخصية فظّة، استغلّ مشاعرَ الغضب والخيبة التي تُحرّك الطبقة الوسطى من الأميركيين البِيض التي تواجه بقلق تبدّلات العالم من حولها.
وكانت الحملة الانتخابية طويلة ومُضنية، وانحدرت الى مستويات من البذاءة والإهانات لم تشهدها البلاد قبلاً، وقد عبّر 82 في المئة من الاميركيين عن اشمئزازهم منها في استطلاع للرأي نشِر في الفترة الأخيرة. كذلك تابَعها العالم بترقّب وقلق.
ويصوّت الأميركيون ايضاً لتجديد 34 من مقاعد مجلس الشيوخ المئة، ومقاعد مجلس النواب الـ 435. ويأمل الديموقراطيون في الحصول على غالبية في مجلس الشيوخ الخاضع حالياً لهيمنة الجمهوريين مِثل مجلس النواب. وتنتخب 12 ولاية من أصل 50 حُكّاماً جدداً لها، كذلك تنظّم عشرات الاستفتاءات المحلية في 30 ولاية حول مسائل تتفاوت بين تشريع استخدام الماريجوانا، وصولاً الى إلغاء عقوبة الإعدام. كما تجري آلاف العمليات الانتخابية المحلية لاختيار قضاة ومدّعين ومسؤولين محليين آخرين. وينتهي اليوم الانتخابي بسهرتَي «نصر» ينظّمهما المرشّحان في نيويورك. وبعيداً عن هذه البَلبلة، لعب أوباما الذي أدلى بصوته قبل أسابيع في شيكاغو، كرة السلة مع بعض أصدقائه، عملاً بعادة درَج عليها أيام الانتخابات.
لبنان والانتخابات
لبنانياً، تتبّع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أمس مجريات الإنتخابات الرئاسية الأميركية فور فتح صناديق الإقتراع، وتلقّى تقارير تفصيلية عدة من سفارة لبنان في واشنطن تحدثت عن توجهات الأميركيين المتحدرين من أصول لبنانية تجاه المرشحين للرئاسة.
وقالت هذه التقارير انّ هؤلاء المتحدرين لا يتجاوزون نسبة الـ 1 % من الناخبين الأميركيين، لكنّ توزعهم في الولايات المتأرجحة بين المرشحين يعطي أصواتهم مواقع متقدمة وحاسمة، خصوصاً انّ عدداً لا يستهان به من اللبنانيين هم من بين مستشاري المرشحين، وقد اتخذت شعاراتهم عناوين لبنانية كاختيار ترامب شعار «اميركا أولاً» واختيار كلينتون شعار «اميركا للجميع».
طبّارة
وسألت «الجمهورية» سفير لبنان السابق في واشنطن رياض طبارة قراءته للانتخابات الاميركية وتأثيرها في المنطقة ولبنان، فتوقّع حصول «مواجهة اميركية في المنطقة مع الروس اذا فازت كلينتون، كما هو منتظر الى حد ما، حيث لن تسمح واشنطن لموسكو بأن تتمدّد أكثر فأكثر في المنطقة». واضاف: «المواجهة لن تكون عسكرية، بل ستكون حرباً باردة قد تشبه نظرية الاحتواء التي اعتمدها الرئيس السابق رونالد ريغان مع الاتحاد السوفياتي، اي مواجهة سلمية لكن من نوع الحرب الباردة. وطبعاً ستسعى كلينتون الى إقامة مناطق آمنة للنازحين وهذا ما تَعد به، واعتقد ايضاً انها ستعيد السياسة الاميركية الى الساحة العالمية، اي الى قلب المجتمع الدولي، بعدما سحبها الرئيس باراك اوباما منها، وسبق لجيريمي باش، كبير مستشاري كلينتون للشؤون الخارجية، أن شَدّد على تدخّل بلاده في مشكلات العالم ليصبح الحل ممكناً أكثر في الأمد الطويل».
ولفت طبارة الى «انّ لبنان ليس في قلب السياسة الاميركية او العملية الدولية، إلّا انّ الغطاء الدولي سيستمر وسيكون اقوى. علماً انّ كلينتون عندما زارت العراق أصرّت لدى عودتها على زيارة لبنان لثلاث ساعات». واعتبر «انّ المشكلة مع ترامب انه لا يدرك تماماً ما هي سياسته الخارجية، بل هو متخبّط فيها. فاليوم يعلن شيئاً وفي اليوم التالي يقول نقيضه. وفي مسائل الشرق الاوسط اعتقد انّ ترامب سيسلّم الامور أكثر الى روسيا ويتعاون اكثر معها وسيجعلها تتمدّد فيه، خلافاً لما هو منتظر من كلينتون. لكن ما هي تفاصيل سياسته؟ هو يقول انه سيضرب «داعش» وكل اقواله «مبالغات»، وهو عموماً متعاطف مع الرئيس فلاديمير بوتين وسيترك له مجالاً للتمدّد أكثر فأكثر في الشرق الاوسط.
امّا بالنسبة الى لبنان فإنّ ترامب لا يعرف أين يقع، لأن لا خبرة لديه او معلومات في السياسة الخارجية، واعتقد ان ليس لديه اي تصور لِما يريده في لبنان».
ولفت طبارة الى انّ الاستطلاعات تعطي الافضلية لكلينتون على منافسها. وتوقع ان تعلن النتائج سريعاً، اذ انّ نسبة الاقتراع المبكر كانت مرتفعة جداً.
بوحبيب لـ«الجمهورية»
من جهته، إستبعد السفير اللبناني السابق في واشنطن عبد الله بوحبيب حصول أي مفاجأة في الإنتخابات الرئاسية الأميركية كفوز ترامب، مُبدياً اعتقاده «أنّ كلينتون ستفوز وسياستها ستكون إستمراراً لسياسة الرئيس باراك أوباما».
وقال بوحبيب لـ»الجمهورية» انّ «كلينتون متعاطفة اكثر من اوباما مع دول الخليج وكذلك مع إسرائيل، وهي ستكمل في الإتفاق النووي بين ايران ودول الغرب لأنها كانت البادئة في صَوغه عندما كانت وزيرة للخارجية الاميركية».
شديد لـ«الجمهورية»
بدوره، اكد السفير اللبناني السابق في واشنطن أنطوان شديد لـ»الجمهورية» انّ فوز ترامب «يمكن أن يفاجىء الجميع خلافاً للاستطلاعات التي تؤكد فوز كلينتون». واستبعد في حال فازت كلينتون ان تحصل أيّ اضطرابات، مُتوقعاً أن يقول ترامب عندئذ «انّ الإنتخابات مزوّرة وان يواصل هجومه على النظام والصحافة وغيرها، لكنه لن يذهب أبعد من ذلك ولن تحصل اضطرابات شعبية أو تظاهرات ضد كلينتون لأنّ العالم يراقب هذه الانتخابات».
ورأى شديد انّ سياسة كلينتون «لن تكون بعيدة عن سياسة اوباما في الشرق الأوسط، غير أنّها ستكون متشددة في ما يتعلق بالنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، وأكثر تشدداً حيال الأزمة السورية، لذلك علينا ترقّب تشدد أكبر في المنطقة في حال فوزها».
الإقتصاد اللبناني مُدَولر
بالاضافة الى التداعيات السياسية المحتملة على لبنان جرّاء نتائج الانتخابات الأميركية، يبدو انّ الاقتصاد هو الآخر مُعرّض لتداعيات هذه النتائج.
ويقول خبراء اقتصاديون انّ فوز كلينتون «يعني انّ الدولار سيكون في وضع متماسك وقوي، وبما انّ الليرة اللبنانية مرتبطة بالدولار، وبما انّ الاقتصاد اللبناني مُدَولر عموماً، فهذا يعني ارتفاع القدرة الشرائية للمواطن، مقابل تحسّن في القدرة على التصدير والمنافسة».
ويضيف هؤلاء الخبراء انّ «الدولار القوي يعني ارتفاع اسعار الفوائد على العملة الاميركية بما سيزيد في كلفة خدمة الدين العام اللبناني الذي تجاوز سقف الـ 74 مليار دولار».
ويرى الخبراء الاقتصاديون انّ للدولار القوي سلبيات وإيجابيات بالنسبة الى الاقتصاد اللبناني، وكذلك الدولار الضعيف لديه مفاعيل سلبية وأخرى ايجابية، لكنّ استقرار الاقتصاد الاميركي هو في الاجمال مفيد للاقتصادات المدَولرة، كما هي حال الاقتصاد اللبناني، خصوصاً انّ الولايات المتحدة الاميركية تحتلّ المرتبة الثانية بعد السعودية من حيث حجم تحويلات اللبنانيين السنوية. («الجمهورية» ووكالات)