عند منتصف ليل امس، كان عدّاد الوقت الذي انتشر على مواقع الصحف التركية ومواقع التواصل الاجتماعي يشير الى ان الرئيس التركي اردوغان امضى يومين وتسع ساعات و 30 دقيقة، من دون كلام، وذلك بعد الهزيمة السياسية المدوّية التي تعرض لها في الانتخابات التشريعية الاخيرة.
هذا الصمت صار عند كثيرين مصدراً للحيرة والسخرية في آن، لكنه يؤشر الى المأزق الذي يواجهه الرئيس التركي، غداة الزلزال الانتخابي، في وقت تترقب القوى السياسية في تركيا صدور النتائج الرسمية للانتخابات البرلمانية التي جرت يوم الاحد الماضي، إيذاناً ببدء العد التنازلي للمهلة الدستورية لتشكيل الحكومة الجديدة، وهي فترة ستشهد مشاورات مكوكية بين «حزب العدالة والتنمية» وبين الاحزاب الثلاثة الاخرى التي دخلت البرلمان الجديد، والتي تجمعها العداوة المشتركة للرئيس رجب طيب اردوغان بقدر ما تفرّقها التناقضات الموضوعية ذات الطابع الايديولوجي.
«عدّاد» فترة صمت اردوغان بعد الانتخابات بدأ يوم الاحد 7 حزيران العام 2015، عند الساعة الثانية والنصف من بعد الظهر، وهو التوقيت الذي شاهد فيه الاتراك رئيسهم متحدثاً للمرة الاخيرة في اليوم الانتخابي الطويل.
وبعدما كان اردوغان يظهر او يتحدث بمعدّل ثلاث مرّات يومياً، يتساءل الاتراك عن سبب غياب رئيسهم، في ما عدا البيانات الصادرة عن رئاسة الجمهورية، وآخرها يوم امس، بشأن اجراء روتيني، تمثل في قبول اردوغان استقالة حكومة احمد داود اوغلو، وكلّفها تصريف الاعمال الى حين تشكيل الحكومة الجديدة، التي سيكون شكلها إمّا حكومة اقلية ضعيفة يشكلها «حزب العدالة والتنمية» (258 من اصل 550 مقعداً)، أو حكومة ائتلافية يتشارك فيها «العدالة والتنمية» مع احد الأحزاب الثلاثة الاخرى الفائزة انتخابياً، وهي «حزب الشعب الجمهوري» العلماني (132 مقعداً) وحزب «الحركة القومية» اليميني (80 مقعداً) و«حزب الشعوب الديموقراطي» الكردي (80 مقعداً)، او حكومة معارضة تجمع بين خصوم اردوغان، وتبقي «حزب العدالة والتنمية» خارج التشكيل الحكومي.
ومن غير الواضح بعد الخيار الذي سيستقر عليه اردوغان، لكن من الواضح ان هامش المناورة لديه سيكون ضيقاً جداً، بالنظر الى ان عدد المقاعد التي حصل عليها «حزب العدالة والتنمية»، والتي لا تسمح له بتشكيل حكومة قوية منفرداً، وبسبب المواقف المتصلبة التي أبداها خصومه ازاء الشراكة الحكومية.
واثر لقاء بين اردوغان وداود اوغلو، يوم امس، اعلنت رئاسة الجمهورية التركية ان رئيس الوزراء واعضاء فريقه سيواصلون مهمتهم «حتى تأليف حكومة جديدة».
ونقلت وكالة «فرانس برس» عن مصدر حكومي قوله انه لن يتم تكليف داود اوغلو، الذي يرأس «حزب العدالة والتنمية»، تشكيل حكومة جديدة الا بعد اعلان نتائج الانتخابات رسمياً خلال اسبوعين.
وبمجرّد اعلان النتيجة الرسمية ستبدأ مشاورات مكوكية بين الاحزاب السياسية للاتفاق على شكل الحكومة الجديدة. وفي حال فشل المفاوضات ضمن مهلة 45 يوما، فسيكون بامكان اردوغان الدعوة الى انتخابات جديدة.
وكان اردوغان دعا، امس الاول، الى تشكيل حكومة ائتلافية، مطالباً الاحزاب بالتصرف بـ «مسؤولية» حفاظا على «استقرار» البلاد.
وحتى الان، ابدت الاحزاب الثلاثة المنافسة لـ «حزب العدالة والتنمية» رفضها أي تحالف حكومي.
ويوم امس، كرر زعيم «حزب الشعوب الديموقراطي» صلاح الدين دميرطاش موقفه قائلاً: «ما نحن متأكدون منه، اننا لن نشارك في ائتلاف مع العدالة والتنمية».
وفي موقف بارز، ألمح زعيم «حزب الشعب الجمهوري» كمال كيليتشدار اوغلو الى احتمال تشكيل حكومة معارضة، حيث كتب في تغريدة عبر حسابه على موقع «تويتر» ان «الانتخابات المبكرة ليست سوى مضيعة للوقت».
ولكن فرص هذا التحالف تبقى ضئيلة للغاية لأسباب كثيرة، ابرزها التناقض بين «الحركة القومية» و «حزب الشعوب الديموقراطي».
وفي تطوّر امني يعكس مدى التشنج داخل المجتمع التركي، قتل اربعة اشخاص بينهم مسؤول منظمة اسلامية غير حكومية، يوم امس، في اشتباكات بين فصائل كردية متنافسة في دياربكر، ما يزيد من التوترات في المدينة المأهولة بغالبية كردية بعد يومين من الانتخابات التشريعية.
وقتل ايتاج باران، رئيس منظمة «اهيا دير» غير الحكومية القريبة من حزب «هدى بار» الاسلامي الكردي، بعدما اطلق عليه مسلحون مجهولون النار في مكتبه في دياربكر، ما ادى الى اندلاع اشتباك بين فصائل متنافسة خلّف ثلاثة قتلى اخرين واربعة جرحى بينهم ثلاثة صحافيين.
وذكرت وزارة الداخلية التركية، في بيان، أن الشرطة اعتقلت ثلاثة أشخاص أحدهم يحمل مسدسا ويعتقد أن لهم صلة بالهجوم المسلح.
وترتبط جمعية «اهيا دير» بحزب «هدى بار» الإسلامي الذي يدعمه متعاطفون مع جماعة «حزب الله» التركية المتشددة والتي كانت ناشطة في المنطقة في التسعينيات من القرن الماضي، وكانت مرتبطة بالاجهزة الامنية التركية.
وندد «حزب الشعوب الديموقراطي» بالهجوم، قائلاً في بيان «نتوقع الكشف عن المسؤولين عن هذا الهجوم بشكل لا يدع مجالا للشك... ونأمل ألا يصدق أحد العقليات التي تحاول تأليب قومنا على بعضهم البعض».
وتأتي اعمال العنف هذه بعد بضعة ايام من الاعتداء بالقنبلة الذي اوقع ثلاثة قتلى واكثر من مئة جريح، يوم الجمعة الماضي في صفوف ناشطي «حزب الشعوب الديموقراطي»، الذين قدموا الى مدينة دياربكر لحضور اجتماع في اطار حملة لزعيمهم صلاح الدين دميرطاش، الذي قال ان هذا الهجوم الارهابي يحمل بصمات تنظيم «داعش».