مع استمرار الحصار الوحشي لقوات روسيا - الأسد والميليشيات التي تساندها حول أحياء حلب الشرقية المنكوبة من آثار القصف الجوي والبري العنيفين، أعلنت الأمم المتحدة أن 19 ألف طفل فروا من منازلهم شرق المدينة في الأيام الأخيرة، محذرة من أن الوقت بدأ ينفد لتزويدهم بالمساعدات التي هم بأشد الحاجة إليها. واتهمت منظمة «هيومن رايتس ووتش» روسيا بارتكاب جرائم حرب خلال حملة للقصف الجوي لمدة شهر على مناطق تسيطر عليها فصائل الثوار في شرق حلب، في شهري أيلول وتشرين الأول الماضيين.
فقد ذكرت الأمم المتحدة أن قرابة 31500 شخص فروا من منازلهم في الأحياء الشرقية من حلب منذ الرابع والعشرين من تشرين الثاني الماضي.
وقدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أن نحو 60 في المئة من المهجرين أي 19 ألف شخص هم من الأطفال. ولكن تقديرات للمرصد السوري أشارت الى أن خمسين ألف شخص فروا من أعمال العنف شرق حلب منذ السبت الماضي.
وقال كريستوف بوليراك المتحدث باسم اليونيسيف في جنيف للصحافيين «المهم الآن هو تقديم المساعدات الفورية والمتواصلة التي يحتاجها هؤلاء الأطفال وعائلاتهم». وأضاف أن «هذا سباق مع الزمن، حل فصل الشتاء»، مشيراً الى أن اليونيسيف لديها «ملابس للشتاء وأغطية... جاهزة لتزويدهم ببعض الحماية من انخفاض درجات الحرارة».
وقالت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة إنه يجب التركيز الآن على تقديم المساعدات للهاربين من شرق حلب مع تزايد الحاجة الى إيوائهم.
وقال المتحدث باسم المفوضية أدريان أدواردز «العديد من الذين فروا من الأحياء الشرقية موجودون في مبانٍ غير مكتملة أو دمرت جزئياً«. وبحسب أدواردز فإن «الظروف غير الصحية والاكتظاظ يشكلان بالفعل تحديات في مدينة مزدحمة فيها القليل من الأماكن المفتوحة».
وبدأت قوات الأسد وحلفاؤها بسبب الدعم الاستراتيجي الروسي في 15 تشرين الثاني هجوماً كبيراً من أجل طرد الفصائل المقاتلة من الأحياء الشرقية المحاصرة منذ أربعة أشهر والمحرومة من الغذاء والكهرباء والدواء، في سعي لاستعادة كامل مدينة حلب.
ومنذ العام 2012، تشهد مدينة حلب، ثاني أكبر مدن سوريا والتي كانت تُعد العاصمة الاقتصادية للبلاد، معارك مستمرة بين قوات الأسد التي تسيطر على الأحياء الغربية حيث يعيش 1,2 مليون شخص، والفصائل التي تسيطر على الأحياء الشرقية حيث كان يعيش أكثر من 250 ألف شخص حتى قبل بدء الهجوم.
وعبر مسؤول العمليات الإنسانية في الأمم المتحدة ستيفن أوبراين عن «القلق البالغ» على نحو 250 ألف مدني عالقين في شرق حلب. وقال «هؤلاء الأشخاص محاصرون منذ 150 يوماً ولا يملكون وسائل البقاء لفترة أطول»، محذراً من أن يتحول القسم الشرقي من مدينة حلب «الى مقبرة ضخمة».
وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن روسيا ارتكبت جرائم حرب خلال حملة قصف جوي لمدة شهر لمناطق تسيطر عليها فصائل الثوار في حلب في شهري أيلول وتشرين الأول الماضيين.
وأكد «مركز توثيق الانتهاكات» أن حملة القصف أسفرت عن استشهاد 440 مدنياً، من بينهم أكثر من 90 طفلاً. في كثير من الأحيان كانت الضربات الجوية عشوائية بشكل فادح، استهدفت أكثر من منشأة طبية، وشملت استخدام أسلحة عشوائية مثل الذخائر العنقودية والأسلحة الحارقة.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية التي حللتها المنظمة أكثر من 950 موقع انفجار ذخيرة جديد تتفق مع تفجير قنابل كبيرة شديدة الانفجار في جميع أنحاء المنطقة خلال شهر.
وقال أولي سولفانغ، نائب مدير قسم الطوارئ إنه «من المتوقع أن استخدام هذا القدر من قوة النيران في منطقة يسكنها عشرات إن لم يكن مئات الآلاف من المدنيين، سيقتل مئات المدنيين. يجب أن يحاكَم الذين أمروا بشن هجمات غير مشروعة ونفذوها بتهمة ارتكاب جرائم حرب«.
ودعا تحالف عالمي من 223 منظمة غير حكومية في 1 كانون الأول الجاري الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى طلب عقد دورة استثنائية طارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة للمطالبة بوقف جميع الهجمات غير القانونية على المدنيين في حلب وأماكن أخرى في سوريا.
وطالبت المنظمات بوصول المساعدات الإنسانية فوراً ومن دون قيد، بحيث تصل المساعدات الحيوية إلى جميع المحتاجين. وقالت المنظمات إنه ينبغي على الدول الأعضاء أيضاً استكشاف السبل الممكنة لتقديم المسؤولين عن الجرائم الخطيرة بموجب القانون الدولي إلى العدالة.
ويأتي هذا النداء رداً على الفيتو الروسي في 8 تشرين الأول الماضي على مشروع قرار مجلس الأمن الدولي للمطالبة بوقف جميع عمليات القصف الجوي في حلب، وهي المرة الخامسة التي تمنع فيها موسكو تحرك المجلس منذ بدء النزاع في عام 2011. والمرة الأولى التي تمتنع فيها الصين عن التصويت على فيتو روسي يخص سوريا.
وقال سكان محليون ونشطاء إعلاميون وعاملون في المجال الطبي للمنظمة إن القصف لمدة شهر كان من أصعب الفترات منذ بداية الهجمة على الأحياء الشرقية من المدينة. وقال أحد الصحافيين المحليين «كانت تلك أيام دموية، كان شهراً دموياً. قتلت الغارات الجوية الروسية والتابعة للنظام العشرات يومياً«.
وسجلت «الجمعية الطبية السورية الأميركية» التي تدعم العديد من المستشفيات في حلب، 16 حادثة طال فيها القصف المستشفيات في هذه الفترة. في بعض الحالات، ألقت طائرات أسلحة عشوائية مثل الأسلحة الحارقة والقنابل العنقودية قرب المستشفيات، ما ألحق أضراراً بها. في حالات أخرى استهدفت الهجمات المستشفيات، ما تسبب في أضرار مباشِرة أكبر بكثير.
وبين 28 أيلول و14 تشرين الأول الماضيين، هاجمت طائرات مركز الصاخور الطبي وهو مستشفى معروف في حلب منذ ما قبل الحرب في 4 مرات مختلفة على الأقل، وأحياناً باستخدام ذخائر متنوعة. وتؤكد الصور ومشاهد الفيديو وصور الأقمار الصناعية ما نقله شهود هاتفياً عن هذه الهجمات. وقالت المنظمة إن الهجمات المتكررة دليل قوي على أن المستشفى قد استهدف عمداً. وتوقف المستشفى عن العمل في 1 تشرين الأول الماضي، بسبب الأضرار الكبيرة جراء الهجمات.
في الفترة نفسها، استهدفت الهجمات أيضاً فرق البحث والإنقاذ، بما في ذلك 4 مراكز يديرها «الدفاع المدني السوري»، وهي مجموعة بحث وإنقاذ عاملة في مناطق المعارضة.
وأصدرت الشبكة السورية تقرير الضحايا الدوري لشهر تشرين الثاني، الذي وثقت فيه مقتل 1402 مدنيين على يد الجهات الرئيسة الفاعلة في سوريا. واستعرض التقرير إحصائية الضحايا في تشرين الثاني الماضي، حيث تحدَّث عن قتل القوات الحكومية 741 مدنياً، بينهم 201 طفل (بمعدل 7 أطفال يومياً)، و152 سيدة و48 مدنياً بسبب التعذيب.
وبلغت نسبة الأطفال والنساء 48% من مجموع الضحايا المدنيين، وهو مؤشر صارخ على استهداف متعمد من قبل القوات الحكومية للمدنيين.
وأشار التقرير إلى أن قوات يُعتقد أنها روسية قتلت 358 مدنياً، بينهم 109 أطفال، و57 سيدة.
ووثق التقرير مقتل 17 مدنياً بينهم طفلان و5 سيدات، ومدنياً واحداً بسبب التعذيب. على يد قوات الإدارة الذاتية (بشكل رئيس قوات حزب الاتحاد الديمقراطي – فرع حزب العمال الكردستاني).
وأشار التقرير إلى أن عدد الضحايا الذين قتلوا على يد تنظيم داعش بلغ 70 مدنياً، بينهم 16 طفلاً، و6 سيدات.
وقدم التقرير إحصائية الضحايا الذين قتلوا على يد عناصر فصائل المعارضة المسلحة، وقد بلغت 104 مدنيين، بينهم 25 طفلاً، و18 سيدة، و4 مدنيين قضوا بسبب التعذيب.
كما سجّل التقرير قتلَ قوات التحالف الدولي 69 مدنياً، بينهم 11 طفلاً، و14 سيدة في تشرين الثاني.
وتضمن التقرير توثيق مقتل 43 مدنياً، بينهم 7 أطفال و9 سيدات، قتلوا إما غرقاً في مراكب الهجرة أو في حوادث التفجيرات التي لم تستطع الشبكة السورية التأكد من هوية منفذيها، أو على يد مجموعات مسلحة مجهولة. وشدّد التقرير على أن القوات الحكومية والروسية انتهكت أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يحمي الحق في الحياة. إضافة إلى ذلك هناك العشرات من الحالات التي تتوفر فيها أركان جرائم الحرب المتعلقة بالقتل. وتُشير الأدلة والبراهين وفق مئات من روايات شهود العيان إلى أن أكثر من 90% من الهجمات الواسعة والفردية وُجّهت ضد المدنيين والأحياء المدنية.
كما ارتكب تنظيم داعش جرائم قتل عدة خارج نطاق القانون، التي تُعتبر بمثابة جرائم حرب، بحسب الشبكة.
وورد في التقرير أن بعض فصائل المعارضة المسلحة ارتكبت جرائم قتل خارج نطاق القانون، ترقى لأن تكون جرائم حرب أيضاً، كما ارتكبت قوات الإدارة الذاتية وقوات التحالف الدولي جرائم حرب عبر القتل خارج نطاق القانون.
وطالب التقرير مجلس الأمن والمؤسسات الدولية المعنية بتحمل مسؤولياتها تجاه ما يحصل من عمليات قتل لحظية لا تتوقف ولو لساعة واحدة، وبالضغط على الحكومة السورية من أجل وقف عمليات القصف المتعمد والعشوائي بحق المدنيين. كما اعتبر التقرير النظام الروسي وجميع الميليشيات الشيعية، وتنظيم داعش جهات أجنبية مشاركة فعلياً بعمليات القتل، وحملها وكافة الممولين والداعمين للنظام السوري المسؤولية القانونية والقضائية.
واجتمع وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لإجراء مناقشات بشأن سوريا على هامش منتدى «حوارات البحر المتوسط» في روما حيث كانت أزمة الشرق الأوسط ضمن القضايا التي شملتها المحادثات.
وفي حين جلس كيري إلى طاولة مقابل لافروف سأل مراسل وزير الخارجية الأميركي عن ما إذا كانت الديبلوماسية لا تزال على قيد الحياة في ما يتعلق بسوريا فأجاب كيري «الديبلوماسية لا تزال حية بالكامل«.
واتهم مسؤول بارز في المعارضة السورية روسيا بالمماطلة في المحادثات مع مقاتلي المعارضة بشأن حلب مما يشير إلى عدم إحراز تقدم في مسار ديبلوماسي يأمل مقاتلو المعارضة أنه قد يخفف الأوضاع المتردية في المدينة التي يواجهون فيها خطر الهزيمة.
وقال المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه بسبب الطبيعة السرية للمحادثات «هناك الكثير من المماطلة من الروس.. ليس هناك أي جدية على الإطلاق». لكن محللين قالوا إن مقاتلي المعارضة قد يضطرون للموافقة على الانسحاب لكن الأمر يتوقف على الشروط.
واعترف وزير الخارجية الروسي متحدثاً في مؤتمر صحافي في روما بإجراء اتصالات مع المعارضة السورية المسلحة مضيفاً «لا يوجد حل عسكري للصراع السوري».
وفي جنوب القطاع في مدينة حلب استعاد مقاتلو المعارضة بعض المواقع من جيش الأسد وحلفائه في حي الشيخ سعيد الذي تركز فيه أغلب القتال في الأيام الماضية وفقاً لما ذكره المرصد السوري. وقال المرصد إن مقاتلي المعارضة يسيطرون الآن على نحو 70 في المئة من الشيخ سعيد الذي يقع في الطرف الجنوبي للمنطقة التي يسيطرون عليها.
وكان مصدر عسكري سوري قال إن الجيش استعاد حي الشيخ سعيد بالكامل. (ا ف ب، رويترز، أورينت.نت، كلنا شركاء)