في تطوّر يشكّل نكسة كبيرة وربّما ضربة قاضية للمعارضة السورية، اقتربَ الجيش السوري أمس من السيطرة على كامل حلب، في وقتٍ أكّدت المعارضة وجود اتّفاق روسي - تركي لإجلاء المدنيين والمقاتلين من حلب خلال ساعات، الأمر الذي نفَته الحكومة. توازياً، أبدَت الأمم المتحدة قلقَها إزاء تقارير عن «فظائع» محتمَلة ارتُكِبت في حقّ مدنيين في مناطق سيطرة النظام السوري، بينهم نساء وأطفال.
ثبَّتت قوات «النظام» والمقاتلون الموالون لها صباح أمس مواقعَها في حلب ومشّطت الأحياء التي سيطرت عليها في الساعات الأخيرة، وفق «المرصد السوري لحقوق الإنسان» الذي أضاف أنّ «هناك عشرات الجثث في شوارع الأحياء الشرقية بسبب القصف المكثّف من النظام».
ودخلَ الجيش السوري للمرّة الأولى الجامع الأموي منذ العام 2013. ونَقلت التقارير حجم الدمار الذي طال الجامع الأثري، حيث سقطت جدران بكاملها وأخرى ملأتها الثقوب.
أمّا مئذنة الجامع العائدة إلى القرن الحادي عشر، فقد تحوّلت إلى كتلة من الركام بعدما دمّرتها المعارك في المدينة عام 2012.
في المقابل، أعلن عضو المكتب السياسي في حركة «نور الدين الزنكي»، أبرز الفصائل المعارضة، ياسر اليوسف، التوصّلَ إلى اتفاق لإجلاء المدنيين والمقاتلين من شرق حلب برعاية روسية - تركية، على أن يدخل حيّزَ التنفيذ خلال ساعات». وأضاف: «يتضمّن الاتفاق إجلاءَ المدنيين والجرحى خلال الدفعة الأولى بعد ساعات، ومن بعدهم يخرج المقاتلون بسلاحهم الخفيف، وسيختارون وجهتَهم بين ريف حلب الغربي أو نحو إدلب»،
غير ان الحكومة السورية نفت التوصل الى هذا الاتفاق.
وفي السياق، أعلنَ «الكرملين» دعم الجيش السوري حتّى فرضِ السيطرة الكاملة على حلب»، فيما نفى الناطق باسم الخارجية الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف، المزاعمَ من «بقاء 250 ألف مدني» تحت الحصار في حلب، واصفاً «العويل التمثيلي» من السياسيين البريطانيين والفرنسيين، بأنّه «كلام فارغ معادٍ لروسيا».
من جهة أخرى، أعلنَ «البنتاغون» أنّ «التحالف الدولي» ضدّ تنظيم «داعش» قتَل ثلاثة قياديين من الإرهابيين ضالعين مباشرةً في اعتداءات خارج سوريا، بينها هجمات باريس 2015، وفي تجنيد مقاتلين أجانب، وذلك في ضربة جوّية نفّذها في 4 كانون الأوّل في الرقة». وأضاف أنّ «إثنين من القياديين، صلاح قرماط وسامي جدو، ساعدا في الإعداد لاعتداءات باريس، أمّا القيادي الثالث فهو وليد همان المكلّف تنظيمَ هجمات إنتحارية».
الوضع الإنساني
إلى ذلك، بثَّ التلفزيون السوري مشاهدَ تُظهر مئات من المدنيين معظمُهم من النساء يحملون أطفالهم وحقائبَهم وهم يسيرون تحت المطر في طريق تحيط به أبنية مدمّرة بإشراف الجيش.
وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أنّ «ثلاثة آلاف شخص خرجوا من القسم الجنوبي الشرقي في حلب حيث لا تزال توجد المعارضة».
في هذا الوقت، يتكدّس آلافُ المدنيين في حيّ المشهد وأجزاء من أحياء أخرى شرق حلب لا تزال يوجد فيها فصائل المعارضة، بعضهم لا مأوى له، ينامون في الشارع. ويعاني الجميع من الخوف والجوع.
وتَناقلَ ناشطون بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي تغريدةً للدفاع المدني جاء فيها: «كلّ الشوارع والأبنية المهدّمة مليئة بالجثث. إنّه الجحيم»، فيما قال المتحدث باسم الدفاع المدني إبراهيم أبو الليث: «الجيش سيطر على كلّ المناطق وصار على بُعد مئتي متر منّا. نهايتُنا تقرّرت». وأضاف: «لماذا نختبئ؟ لا شيء سيَنفع. نهايتُنا الموت أو الأسر»، موجّهاً نداءً أخيراً لإنقاذ 100 ألف مدني محاصَرون يتعرّضون لقصف جوّي».
ولاحقاً، حذّر الفريق أول غيورغي شباك من أنّ «عملية تطهير حلب من المسلّحين قد تستغرق حتّى الربيع المقبل، نظراً لوجود شبكة واسعة من الأنفاق والملاجئ تحت الأرض».
قتلٌ فوري
من جهتها، أبدت الأمم المتحدة خشيتَها من تقارير وصفَتها بالموثوقة، تتّهم قوات النظام بالقتل الفوري لعشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، في حلب. وقال المتحدّث باسم مجلس حقوق الإنسان روبرت كولفيل في جنيف: «الليلة الماضية (أمس الأوّل)، تلقّينا معلومات تفيد أنّ القوات الحكومية قتَلت 82 مدنياً على الأقلّ، بينهم 11 سيّدة و 13 طفلاً، في أحياء بستان القصر والفردوس والكلاسة والصالحين». وأضاف: «أبلِغنا أنّ قوات النظام تدخل بيوت المدنيين وتَقتل الأفراد الموجودين هناك، بينهم النساء والأطفال».
وقال يان ايغلاند الذي يرأس مجموعةَ العمل حول المساعدة الإنسانية في سوريا لـ»وكالة الصحافة الفرنسية»: «نداؤنا إلى روسيا والحكومة السورية واضح جدّاً: نحتاج إلى هدنة، لكن نحتاج أيضاً الوصول إلى المدنيين في شرق حلب لتنظيم عملية الإجلاء».
وطالبَت منظّمة «أطبّاء العالم» غير الحكومية بإجلاء سريع لآخر الناجين من حلب التي «تشهَد أوضاعاً طارئة وتحوّلَت إلى جحيم حقيقي».
في غضون ذلك، تظاهرَ العشرات مساء أمس الأوّل للتضامن مع حلب في إدلب. وهتفَ المتظاهرون: «بالروح، بالدم نَفديك يا حلب»، وحمَلوا لافتات كُتب عليها: «نحن نُقتَل بصمتكم» و»أنقِذوا حلب قبل فوات الأوان»، بينما أسفرَ النزاع السوري عن مقتل 312 ألف شخص، بينهم أكثر من تسعين ألف مدني، وفق حصيلة جديدة للمرصد.
وأفاد بتوثيق، عن مقتل 312 ألف شخص على الأقلّ في الفترة الممتدة من 18 آذار 2011 حتّى 13 كانون الأوّل الحالي. وأوضَح أنّ «بين القتلى المدنيين نحو 16 ألف طفل». وقُتل نحو 110 آلاف من قوات النظام والمسلحين الموالين لها والمتحالفين معها، بينهم أكثر من ستّين ألف جندي سوري و 1387 مقاتلاً من «حزب الله». (وكالات)