لم تتوقف معركة الدم والدمار التي يشنها بشار الأسد على ما بقي من المدنيين في الأحياء الشرقية من حلب متعهّدا بأن معركة الابادة تلك التي تؤازره فيها روسيا إضافة إلى إيران وميليشياتها، لن تكون الأخيرة في سياق سياسة الأرض المحروقة التي يُمارسها مع حلفائه ضد المناطق التي خرجت عن سيطرتهم، ولا سيما في أرياف حلب وإدلب وحماة كذلك، التي تشهد كلها مجازر متنقلة بشكل يومي.
وعلى الرغم من الأنباء المتفائلة بمعاودة العمل باتفاق الهدنة الذي أبرم أخيراً وأفشلته إيران وميليشياتها، إلا أن مصدراً قريباً من النظام نفى هذه المعلومات، مؤكداً أن القتال مستمر والمفاوضات كذلك. وقال المصدر طالباً عدم نشر اسمه «ليس هناك من اتفاق، المفاوضات مستمرة».
وأكد مدير المرصد السوري رامي عبد الرحمن أنه «لم يتبلور وقف إطلاق النار»، مضيفاً «هناك قصف مدفعي عنيف... ليس هناك وقف لإطلاق النار».
وأمس تجددت المعارك العنيفة في شرق حلب حيث يتعرض آخر جيب تحت سيطرة مسلحي المعارضة لوابل من القصف، بالتزامن مع جهود ديبلوماسية لإنقاذ اتفاق تركي - روسي لإجلاء مقاتلين ومدنيين من المدينة.
ويعيش السكان في آخر جيب يتحصن فيه مقاتلو المعارضة في شرق حلب، ظروفاً مأسوية بعدما وجدوا أنفسهم محاصرين بالنيران، إثر تجدد المعارك ظهر الأربعاء بعد تعليق العمل باتفاق الإجلاء.
ويتكدس آلاف المدنيين في حي المشهد وأجزاء من الأحياء الأخرى المحيطة به، بعضهم لا مأوى له. ويعانون الخوف والجوع والبرد. وتتواصل الاشتباكات العنيفة والقصف المتبادل بالقذائف بين الطرفين منذ صباح الأربعاء، تزامناً مع غارات جوية سورية مستمرة.
ويأتي التصعيد بعد ساعات على انتظار الآلاف من المدنيين ومقاتلي المعارضة فجر الأربعاء بدء إجلائهم من شرق حلب بموجب اتفاق تم التوصل اليه برعاية روسية - تركية، إلا أن عملية الإجلاء لم تبدأ في موعدها المفترض عند الخامسة فجراً وتم تعليق الاتفاق بعد ساعات عدة.
ومن المعارضة قال أحمد قرة علي، المتحدث باسم حركة أحرار الشام، أنه «تم التوصل إلى اتفاق على وقف إطلاق النار، دخل حيز التنفيذ، وسيتم إخلاء الدفعة الأولى التي تضم جرحى ومدنيين خلال ساعات الصباح الأولى» من فجر الخميس، من دون أن يحدد عدد الذين سيتم إجلاؤهم.
وقال ياسر اليوسف المتحدث باسم حركة نور الدين زنكي إن «اتفاقاً لوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في حلب إثر مفاوضات بين الروس والهلال الأحمر التركي». وأضاف «ستخرج الدفعة الأولى من الجرحى والمدنيين فجر الخميس»، مشيراً إلى أنه تم التوصل أيضاً إلى اتفاق حول خروج مقاتلي المعارضة، ولكن من دون أن يذكر أي تفاصيل إضافية بهذا الشأن.
لكن ذكرت «رويترز» في توافق مع مصادر لقوات الأسد في نفيها التوصل إلى اتفاق، أن وحدة إعلام عسكرية تديرها جماعة «حزب الله« قالت إن الأنباء التي تتحدث عن تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في حلب وإخراج المسلحين من المدينة ليست صحيحة.
وجاء في بيان صادر عن الوحدة «المفاوضات تشهد تعقيدات كبيرة» في ضوء التوتر والعمليات على الخطوط الأمامية.
وأفادت مصادر لـ»أورينت نت» أن إيران تعمدت «التشويش» على اتفاق وقف إطلاق النار في أحياء حلب، ودفعت بميليشياتها الشيعية لتمنع خروج المقاتلين والمدنيين الذين كان من المقرر خروجهم ضمن الدفعة الأولى من أحياء حلب الشرقية المحاصرة إلى غرب حلب.
وأشارت المصادر إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار بات في «حكم المنهار»، خصوصاً أن ميليشيات إيران الشيعية قصفت بالمدفعية الثقيلة وقذائف الهاون أحياء «الأنصاري والمشهد والسكري والزبدية والإذاعة»، الأمر الذي أدى إلى وقوع شهداء وإصابات في صفوف المدنيين.
وأكدت المصادر أن ميليشيات إيران اشترطت إدخال بنود جديدة على الاتفاق، أبرزها «خروج مصابين من بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين بريف إدلب»، إلى جانب تسليمهم جثث عناصر الميليشيات الذين قتلوا في حلب.
ونفى مسؤول بالجبهة الشامية المعارضة تصريحاً لمصدر مؤيد للأسد بأن 15 ألفاً سيغادرون قريتين تحاصرهما المعارضة وقال الجرحى فقط سيغادرون.
وكان مسؤول في تحالف عسكري موالٍ للأسد أكد الاتفاق على هدنة حلب وقال إن 15 ألف شخص سيغادرون قريتين تحاصرهما قوات المعارضة.
وفي ساعة متقدمة ليل أمس، قال مسؤولون في المعارضة السورية إن اتفاقاً لوقف إطلاق النار في حلب عاد إلى مساره وإن تنفيذه بما في ذلك الإجلاء من آخر المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في شرق حلب سيبدأ خلال ساعات.
وقال عبدالسلام عبد الرزاق المتحدث العسكري لجماعة نور الدين الزنكي إنه جرى التوصل إلى اتفاق وسيبدأ تنفيذه خلال الساعات المقبلة. وأضاف أن الاتفاق شمل إجلاء أشخاص من قريتين تحاصرهما قوات المعارضة في محافظة إدلب وهو شرط وضعته حكومة الأسد لإبرام اتفاق الهدنة الذي تعثر وسط قتال شديد في حلب ليُستأنف العمل به من جديد.
وأكد مسؤول في تحالف عسكري موالٍ لدمشق أن اتفاق الهدنة سار وأن نحو 15 ألف شخص سيغادرون قريتي الفوعة وكفريا مقابل خروج المسلحين وأسرهم وأي شخص يريد المغادرة من المدنيين من حلب. وأضاف أنهم سيتوجهون إلى محافظة إدلب.
وقال مسؤول في الجبهة الشامية إن التنفيذ سيبدأ في الساعة السادسة صباحاً بالتوقيت المحلي. وذكر مسؤول ثانٍ في الجبهة الشامية أن التنفيذ سيشمل إجلاء مقاتلي المعارضة والمدنيين من الأحياء المتبقية تحت سيطرة المعارضة في حلب مقابل إجلاء الأشخاص من الفوعة وكفريا.
هذا، وكان من المقرر خروج دفعة من المدنيين والثوار من أحياء حلب المحاصرة مروراً إلى الأحياء الغربية من المدينة التي تسيطر عليها ميليشيات إيران، وصولاً إلى ريف حلب الغربي.
وأعلنت روسيا أن 6 آلاف مدني و366 مقاتلاً خرجوا من حلب خلال الساعات الـ24 الماضية. وكان المرصد السوري قد أفاد أنه تم تأجيل البدء بعملية الإجلاء من مدينة حلب لأسباب غير واضحة. وقال المرصد أيضاً إنه لم يخرج حتى الآن أي مدني أو مقاتل من شرقي مدينة حلب. وأعلن أن كل المقاتلين سيخرجون من المدينة، بمن فيهم عناصر «جفش»، وهي جبهة النصرة سابقاً.
كما أفاد ناشطون أن ميليشيات إيرانية في المنطقة تمنع خروج حافلات تقل مدنيين من أحياء حلب.
وتواجه خطط إخلاء الأحياء المحاصرة في حلب تهديدات في ظل تجدد الضربات الجوية والقصف في هجمات وصفتها الأمم المتحدة بأنها «تمثل على الأرجح جرائم حرب».
وعلى العكس شهدت حلب ضربات جوية وقصفاً وإطلاق نار واتهمت تركيا قوات حكومة الأسد بخرق الهدنة المتفق عليها قبل أقل من 24 ساعة. وكان إخلاء المناطق الخاضعة للمعارضة متوقعاً في الساعات الأولى من صباح الأربعاء لكنه لم يحدث، على أمل احتمال حدوثه فجر الخميس حسب تصريحات مسؤولين محليين.
وقالت مصادر بالرئاسة التركية إن الرئيس طيب اردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين اتفقا في اتصال هاتفي على بذل جهود مشتركة لبدء إجلاء المدنيين وقوات المعارضة من شرق حلب في أقرب وقت ممكن.
وقال المرصد السوري إن المعارضة أطلقت قذائف على قريتي الفوعة وكفريا ما أسفر عن سقوط إصابات. وتوقع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن تنتهي مقاومة مقاتلي المعارضة على الأرجح خلال اليومين أو الثلاثة أيام المقبلة.
وقالت وزارة الدفاع الروسية إن المعارضة تسيطر حالياً على جيب مساحته 2.5 كيلومتر مربع.
وقال شاهد من رويترز كان ينتظر عند النقطة المتفق على الخروج منها إن أحداً لم يغادر بحلول الفجر. وكانت 20 حافلة تنتظر هناك ومحركاتها دائرة لكن لم تظهر مؤشرات على أنها ستتحرك إلى المناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة المعارضة.
وحزم الناس في شرق حلب أمتعتهم وأحرقوا مقتنيات شخصية مع استعدادهم للمغادرة خوفاً من عمليات نهب من جانب الفصائل المدعومة من إيران المتحالفة معه عندما تستعيد السيطرة.
وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان زيد بن رعد الحسين إن مؤشرات عن انهيار الاتفاق قد روعته. وصرح بأنه «رغم أن أسباب انهيار وقف إطلاق النار موضع خلاف إلا أن القصف المكثف للغاية الذي استأنفته القوات السورية الحكومية وحلفاؤها في المناطق المكتظة بالمدنيين هو في حكم المؤكد انتهاك للقانون الدولي وعلى الأرجح جريمة حرب.»
وقال أعضاء لجنة تحقيق في جرائم الحرب تابعة للأمم المتحدة إن الحكومة السورية تتحمل مسؤولية أساسية لمنع الهجمات وانتهاكات حقوق الإنسان وأعمال الانتقام في حلب وإنها تتحمل مسؤولية أي انتهاكات من قبل جنودها أو القوات المتحالفة معها.
وفي الولايات المتحدة قالت وزارة الخارجية ان استراتيجيتها الديبلوماسية في سوريا «لم تفشل»، وحملت بالمقابل النظام السوري وروسيا وإيران مسؤولية استمرار الحرب في هذا البلد.
وقال المتحدث باسم الخارجية الاميركية جون كيربي ان وزير الخارجية جون كيري لا يزال مؤمنا بـ»الحل السياسي» في سوريا عبر تحريك المفاوضات بين النظام والمعارضة، واجرى اتصالات هاتفية بنظرائه في روسيا وتركيا وقطر ومع موفد الامم المتحدة الى سوريا.
وردا على سؤال خلال مؤتمره الصحافي اليومي حول «فشل» ادارة الرئيس الأميركي باراك اوباما في سوريا، قال المتحدث كيربي «ان الفشل هو اعتقاد أن هذه الحرب يمكن ان تسوى عسكريا. الفشل يكمن في عدم ممارسة روسيا الضغوط اللازمة على نظام الأسد لوقف الفظاعات والتوقف عن استخدام الغاز وتجويع شعبه. هذا هو الفشل الحقيقي».
وتابع كيربي «ان الفشل هو فشل النظام ومن يدعمه وروسيا وإيران لانها سعت الى الحل العسكري بدلا من الحل السياسي، هذا هو الفشل الحقيقي. والشعب السوري بات بالمعنى الفعلي للكلمة واقعا بين نارين».
واوضح ان كيري اجرى اتصالات هاتفية بنظرائه الروسي سيرغي لافروف والتركي مولود تشاوش اوغلو والقطري عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، والموفد الخاص للامم المتحدة الى سوريا ستافان دي ميستورا.
واضاف كيربي ان «وزير الخارجية شدد على ضرورة مواصلة السعي لوقف اراقة الدماء والعنف عبر اتفاق فعلي لاطلاق النار».
واوضح كيري انه «بات من الضروري اليوم اكثر من اي وقت مضى البدء باقرار عملية تتيح تحريك المفاوضات السياسية بين النظام والمعارضة».
وفي مقابلة مع قناتي «روسيا 24» و»إن تي في» الروسية هي كذلك، تعهد الأسد بأن معركة حلب لن تكون الأخيرة، ما يدلّ بوضوح على أنه وحلفاءه الروس والإيرانيين لن يوقفوا الدمار والمجازر بعد اتفاق خروج من بقي من الثوار والمدنيين في الأحياء الشرقية من حلب، موضحاً أن «التوقف يحدث فقط في المنطقة التي يقول فيها الإرهابيون إنهم جاهزون مباشرة لتسليم السلاح أو الخروج منها».
ومن طهران اتصل الرئيس الإيراني حسن روحاني بالأسد لتهنئته على ما سماه «الانتصار» في مدينة حلب، بينما توشك قوات الأسد على استعادة كامل المدينة من مقاتلي المعارضة، بحسب ما أعلن موقع الرئيس الإيراني.
وقال روحاني للأسد «الانتصار في حلب، هو انتصار كبير للشعب السوري على الإرهابيين وعلى الذين يدعمونهم». وأكد الأسد أن إيران «وقفت بجانب الشعب السوري والحكومة في أصعب الأوقات، ولن ننسى ذلك».
وانهار أمس اتفاق وقف إطلاق النار في أحياء حلب الشرقية، الذي توصلت إليه الفصائل الثورية وروسيا برعاية تركية، وذلك بسبب تعنت ميليشيات إيران، قبل أن تعاود تصريحات لمسؤولين من الطرفين المتصارعين مؤكدة أن الاتفاق رجع إلى مساره.
(ا ف ب، رويترز، العربية.نت، أورينت.نت، سي ان ان)