صورة اغتيال السفير الروسي في أنقرة برصاص شرطي تركي شاب هتف مكبراً ومتحدثاً عن الانتقام لحلب، تندرج بلا شك في صميم المشهد السوري، الذي تميز أمس بسلسلة محطات لافتة على خلفية «خراب حلب»، فبات سهلاً أن يتم التوافق في مجلس الأمن على قرار نشر مراقبين دوليين للإشراف على إجلاء المدنيين، بعدما كان الإجلاء اكتمل تقريباً، فبدا أن هذا القرار غايته التأسيس لما بعد حلب، إذ كان كلام فرنسي عن أنه «يفتح الطريق أيضاً أمام وقف لإطلاق النار ومفاوضات حول حل سياسي».. وكان تأكيد روسي واضح وصريح لطهران على
وجوب «إطلاق عملية سياسية حقيقية لسوريا بأسرع ما يمكن».. فيما كانت أنقرة تنفي وجود صفقة سرية مع موسكو كثر الحديث عنها عشية اجتماع وزاري روسي ــ إيراني ــ تركي اليوم.
وهكذا في خضم الأحداث المأسوية التي تتلاحق يومياً في سوريا ولا سيما في حلب بانتظار انتهاء إجلاء المدنيين من الأحياء الشرقية المحاصرة من المدينة، يأتي مشهد اغتيال السفير الروسي في أنقرة اندريه كارلوف «استفزازياً«، حسب تعبير الرئيسين التركي رجب طيب اردوغان والروسي فلاديمير بوتين، الذي توعّد «قطاع الطرق» بأن يشعروا بالفرق بعد هذه الحادثة، معتبراً أن قتل السفير الروسي في أنقرة هدفه إعاقة عملية السلام في سوريا.
وأعلن بوتين أن اغتيال السفير كارلوف استفزاز يستهدف العلاقات الطيبة بين روسيا وتركيا والتسوية في سوريا. وشدد على ضرورة معرفة «من وجَّه يد القاتل»، مؤكداً أن الرد الوحيد على اغتيال السفير هو تعزيز محاربة الإرهاب.
وقال إن «مكتب التحقيقات الفدرالي فتح تحقيقاً في قضية اغتيال السفير«.
واعتبر بوتين أن قتل كارلوف عمل استفزازي يهدف إلى إعاقة محاولات موسكو مساعدة إيران وتركيا في حل الأزمة السورية.
وفي تعليقات بثها التلفزيون قال بوتين خلال اجتماع خاص في الكرملين إنه أمر بتعزيز الأمن في السفارات الروسية بمختلف أنحاء العالم وقال إنه يرغب في معرفة الجهة التي تقف وراء المسلح.
وأثنى بشدة على السفير الروسي القتيل الذي قتل بينما كان يلقي كلمة في معرض فني بأنقرة، وأوضح أن رد فعل موسكو على اغتياله سيكون قوياً.
وقال بوتين «إن جريمة ارتكبت وهي بلا شك استفزاز يستهدف إفساد تطبيع العلاقات الروسية - التركية وإفساد عملية السلام السورية التي تدعمها بنشاط روسيا وتركيا وإيران وآخرون. لا يمكن أن يكون هناك سوى رد واحد- تصعيد الحرب على الإرهاب. قطاع الطرق سيشعرون بذلك«.
وأضاف بوتين الذي قال إنه يعرف شخصياً السفير القتيل أنه اتفق في اتصال هاتفي مع نظيره التركي على أن يتوجه محققون روس إلى أنقرة قريباً لمساعدة الأتراك في التحقيق.
وقتل السفير الروسي بعد إصابته برصاصات عدة أطلقها عليه شرطي تركي بينما كان يلقي كلمة خلال افتتاح معرض فني في العاصمة التركية. وقال الشرطي إنه قام بفعلته ثأراً لما يحصل في حلب.
وفي تسجيل فيديو للهجوم نُشر على شبكات التواصل الاجتماعي، يظهر القاتل وهو يصرخ باللغة العربية أولاً ثم باللغة التركية والسفير ممدد أرضاً بالقرب منه.
وهتف الرجل الذي يرتدي بزة سوداء ويحمل مسدساً «الله أكبر» ويتحدث بالعربية عن «الذين بايعوا محمداً على الجهاد». ويكرر بعد ذلك مرتين باللغة التركية «لا تنسوا سوريا، لا تنسوا حلب». ويضيف أن «كل الذين يشاركون في هذا الطغيان سيحاسبون واحداً واحداً«.
وقال الرئيس التركي إنه أجرى اتصالاً هاتفياً مع نظيره الروسي عقب الهجوم الذي استهدف سفير موسكو لدى أنقرة وأدى الى مقتله، وإن آراء الجانبين تتفق على أن الهجوم عمل استفزازي يستهدف العلاقات الثنائية.
وأضاف الرئيس التركي في تصريح لوكالة الأناضول، أن هناك توافقاً مع الرئيس الروسي حول أن هذا الهجوم هو عمل استفزازي، وليس هناك أي خلاف بين الجانبين في هذا الخصوص.
وتابع اردوغان، حول مقتل السفير الروسي لدى أنقرة بهجوم مسلح: «نحن نعلم أن هذا العمل يستهدف ضرب مرحلة تطبيع العلاقات بين تركيا وروسيا، ولكن الإدارتين الروسية والتركية تملكان الإرادة الكافية للتصدي لهذا الاستفزاز«.
وأضاف: «اتفقنا في حديثنا مساء (مع بوتين) على أن يكون تضامننا أقوى وأكثر تميزّاً على الأخص في مجال مكافحة الإرهاب العالمي خلال المرحلة القادمة«.
ونوه الرئيس التركي بأن هذا الهجوم يستهدف البلاد والدولة التركية عبر سفير روسيا في أنقرة، مشدداً أن الهجوم عمل استفزازي واضح يستهدف العلاقات التركية- الروسية، وأن «الأصدقاء الروس يعون هذه الحقيقة«.
وختم اردوغان بالقول: «اتفقنا مع بوتين على تشكيل لجنة تحقيق مشتركة حول حادثة مقتل السفير الروسي، وقمنا بزيادة التدابير الأمنية بمحيط السفارة والقنصلية الروسية في بلادنا«.
وذكر مسؤول أمني تركي كبير أن ثمة «دلائل قوية للغاية» على أن المسلح الذي قتل السفير الروسي ينتمي لشبكة رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة فتح الله كولن، الذي تقول أنقرة إنه دبر انقلاباً فاشلاً في تموز الماضي. وقال المسؤول الذي رفض الكشف عن هويته إن التحقيق الحالي يركز على صلات المسلح بشبكة كولن.
ولكن كولن قال إن مقتل السفير الروسي «عمل إرهابي شائن» وأشار إلى تدهور الأمن في تركيا بعد إقالة وسجن أفراد من الأمن عقب الانقلاب.
ودان مجلس الأمن الدولي «الهجوم الإرهابي» الذي أسفر عن اغتيال السفير الروسي في تركيا.
وقال المجلس المؤلف من 15 دولة في بيان «يشدد أعضاء مجلس الأمن على ضرورة تقديم الجناة والمنظمين والممولين ورعاة الهجمات الإرهابية إلى العدالة«.
روسياً أيضاً، ناقش الرئيس الروسي مع نظيره الإيراني حسن روحاني، خلال مكالمة هاتفية الوضع في سوريا، مع التركيز على الوضع في حلب.
وجاء في بيان صدر عن الكرملين: «تمت مناقشة الشأن السوري بشكل مفصل، وفي المقام الأول الوضع حول حلب. وتم التأكيد على أهمية بذل الجهود المشتركة من أجل إطلاق عملية سياسية حقيقية تهدف للتسوية في سوريا»، وأضاف البيان: «إن تنظيم مفاوضات بين ممثلي الحكومة السورية وما يسمى بالمعارضة المعتدلة في أستانا سيكون خطوة جادة جداً في هذا المجال«.
ومن حلب تم إجلاء عشرات الآلاف من الناس في آخر جيب تسيطر عليه المعارضة في المدينة مقابل أن يسمح مقاتلو المعارضة لسكان قريتين محاصرتين مواليتين للحكومة في محافظة إدلب المجاورة بالمغادرة.
ووسط طقس شديد البرودة وصلت قوافل الحافلات التي انطلقت من شرق حلب إلى مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة إلى الغرب من المدينة. وغادر المزيد من الحافلات قريتي الفوعة وكفريا اللتين يغلب على سكانهما الشيعة وفقاً لما ذكره مسؤول بالأمم المتحدة والمرصد السوري.
ويلتقي وزراء خارجية ودفاع روسيا وإيران وتركيا في موسكو الثلاثاء في محادثات تهدف إلى إعطاء دفعة جديدة للحل في حلب على الرغم من مقتل السفير الروسي في هجوم بالرصاص في أنقرة.
وقال وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو إن 12 ألف مدني في الإجمال خرجوا من حلب من بينهم 4500 منذ منتصف ليل الأحد.
وذكر المسؤول الكبير في تجمع «فاستقم» المعارض ويتخذ من حلب قاعدة له زكريا ملاحفجي إن نحو سبعة آلاف شخص أجلوا الاثنين. وقال من تركيا إن من المتوقع أن تستمر العملية ستستمر خلال الليل.
وصوت مجلس الأمن الدولي بالإجماع على نشر سريع لمراقبين تابعين للأمم المتحدة في حلب للإشراف على عمليات الإجلاء من المناطق التي لا تزال خاضعة لسيطرة فصائل المعارضة والاطمئنان الى مصير المدنيين الذين لا يزالون عالقين هناك.
وتبنى مجلس الأمن مشروع قرار فرنسياً نال دعم روسيا أيضاً، ما يشكل أول موقف موحد بين القوى الكبرى حول الملف السوري منذ أشهر.
ويطلب القرار من الأمم المتحدة القيام بـ»مراقبة مناسبة وحيادية ومباشرة لعمليات الإجلاء من شرق حلب وأحياء أخرى في المدينة»، كما يطلب من الأمين العام بان كي مون اتخاذ خطوات عاجلة للسماح للمراقبين بالإشراف على «سلامة المدنيين» والتشاور مع الأطراف المعنيين بشأن عملية الانتشار.
وقال السفير الفرنسي فرنسوا ديلاتر إن التواجد الدولي سيحول دون تحول حلب الى سريبرينيتسا أخرى، حيث قتل آلاف الرجال والفتيان البوسنيين في 1995 عندما سقطت البلدة بيد قوات صرب البوسنة.
وقال ديلاتر للصحافيين «إنها نقطة انطلاق» وأضاف «سنكون متنبهين وحذرين للغاية».
ورحّب الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بتبنّي مجلس الأمن الدولي مشروع القرار الفرنسي حول إرسال مراقبين إلى حلب، معتبراً انه «يجب أن يفتح الطريق أيضاً أمام وقف لاطلاق النار وإجراء مفاوضات حول حل سياسي».
وقالت السفيرة الأميركية سامانثا باور إن هناك 118 من موظفي الامم المتحدة في غرب حلب يمكن إرسالهم بسرعة الى شرق المدينة لبدء عملية المراقبة. وأضافت رداً على سؤال حول سرعة انتشار المراقبين أن «هدفنا أن يتم ذلك على الفور».
وأعلن مبعوث الأمم المتحدة الخاص الى سوريا أن المنظمة الدولية ستدعو الأطراف السوريين الى مفاوضات في الثامن من شباط المقبل في جنيف. وفي بيان أشاد ستافان دي ميستورا باعتماد قرار في مجلس الأمن يطلب نشر مراقبين في حلب.
وقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إنه إذا فشل المجتمع الدولي في إيجاد وسيلة ضغط على النظام السوري، فلن نتوصل إلى حل سياسي للأزمة.
وأضاف الجبير في اجتماع لوزراء الخارجية العرب في القاهرة «السؤال ليس كيف نصل لحل سياسي الكل يريد ذلك، ولكن السؤال كيف نفرض الضغوط اللازمة على النظام (السوري) للاستجابة لإرادة المجتمع الدولي؟»، وقال «إذا لم نستطع إيجاد وسيلة ضغط فعالة على النظام السوري فلن نستطع الوصول إلى حل سياسي وسيستمر القتل والتشريد والظلم في سوريا وسنتحمل مسؤولية ذلك أمام الله وأمام الشعب السوري». (ا ف ب، رويترز، الأناضول، العربية.نت)