يبدو أن دماء آلاف المدنيين من أهل حلب ومآسي عشرات الآلاف من أبنائها المشردين، وربما تداعيات اغتيال السفير الروسي في أنقرة، سرّعت في فتح الطريق أمام حل محتمل في سوريا، لكن من بوابة موسكو هذه المرة، حيث اجتمع وزراء خارجية روسيا سيرغي لافروف، وتركيا مولود تشاوش اوغلو، وإيران محمد جواد ظريف، ليخرج الاجتماع بصيغة توافقية تحت عنوان «إعلان موسكو»، على الرغم مما شاب توافق الأطراف الثلاثة من تباين تركي - إيراني حول الموقف من «حزب الله» الذي طالبت أنقرة بضمه إلى منظومة المجموعات المسلحة التي يجب قطع الدعم عنها مثل «جبهة فتح الشام» و»داعش»، في مقابل اعتراض طهران على هذا التصنيف مع تأكيد «احترامها للموقف التركي».
فمن موسكو أكدت روسيا وتركيا وإيران، استعدادها لضمان «اتفاقية مستقبلية» يتم التفاوض عليها بين النظام السوري والمعارضة.
وجاء ذلك في إعلان ثلاثي صدر عن وزراء الخارجية الروسي والتركي والإيراني عقب اجتماعهم حول الأوضاع بسوريا، تبعه مؤتمر صحافي مشترك.
وأكدت الدول الثلاث بحسب ما جاء في الإعلان، «احترامها سيادة واستقلال سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، من دون النظر إلى الانتماءات العرقية والدينية والمذهبية«.
وأشار الإعلان المشترك إلى أن الدول الثلاث متفقة على «عدم إمكانية حل المشكلة السورية بالطرق العسكرية«.
وأكد الإعلان على أهمية جهود الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، في إطار القرار الدولي رقم 2254، في حل الأزمة السورية، وناشد المجتمع الدولي إظهار «حسن نية» من أجل إزالة العقبات أمام التوصل إلى حل.
وأضاف البيان أن «إيران وروسيا وتركيا تنظر بارتياح إلى الجهود المشتركة التي تم بذلها من أجل إجلاء المدنيين والمعارضة المسلحة من شرقي حلب، وأن الوزراء (الثلاثة) مرتاحون تجاه إجلاء المدنيين من بلدتي كفرية والفوعة (في إدلب)، ومن الزبداني ومضايا (غربي العاصمة دمشق)، وتعهدوا باستكمال المرحلة بشكل آمن وسليم ودون انقطاع«.
وجاء في الإعلان أيضا أن «الوزراء اتفقوا على أهمية تمديد وقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية وحرية الحركة للمدنيين في عموم البلاد«.
وأضاف «توضح تركيا وروسيا وإيران استعدادهم لأن يكونوا المسهلين والضامنين لاتفاقية مستقبلية يتم التفاوض حولها، وتدعو الدول الفاعلة في التطورات على الأرض، إلى أن تحذو نفس الحذو«.
ونوه الإعلان بالدعوة التي تقدم بها الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف، من أجل عقد اجتماعات حول الملف السوري في العاصمة آستانة. وأوضح انه «تجدد كل من إيران وروسيا وتركيا عزمها على مكافحة تنظيمي داعش والنصرة، وفصل قوات المعارضة المسلحة عن هذه التنظيمات الإرهابية«.
ودعا وزير الخارجية التركي إلى قطع الدعم عن «حزب الله«، معتبرا ذلك ضروريا لضمان وقف إطلاق نار مستقر بسوريا، بينما لم يشاطره هذا الموقف نظيراه الروسي والإيراني.
ودعا جاويش أوغلو خلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزيري الخارجية الروسي والإيراني، إثر محادثاتهما الثلاثية بموسكو، لبذل جهود من أجل توسيع وقف إطلاق النار في مدينة حلب، ليشمل الأراضي السورية بالكامل.
وذكّر بأن الدول الثلاث أصدرت بيانا في أعقاب المحادثات، أكدت فيه التزامها بالتعاون في محاربة تنظيمي «داعش» و»جبهة النصرة» الإرهابيين والجماعات المنضوية تحت لوائهما.
لكن جاويش أوغلو شدد على أن «هناك جماعات أخرى، بما في ذلك مرتبطة بالنظام السوري.. ومنها حزب الله. ويجب قطع الدعم عنها«.
وطلب أحد الصحفيين الحاضرين من وزيري الخارجية الإيراني والروسي توضيحا حول مواقف طهران وموسكو من دور حزب الله في سوريا وإمكانية قطع قنوات الدعم عنه.
وفي معرض إجابته عن هذا السؤال، قال ظريف، وعلى وجهه ابتسامة عريضة موجهة لنظيره التركي، إن طهران تحترم مواقف أنقرة، بما في ذلك موقفها من «حزب الله«، لكنه شدد على أن هذا الموقف ليس مشتركا.
وقالت وزارة الخارجية الروسية إن وزير الخارجية أبلغ نظيره الأميركي جون كيري في اتصال هاتفي بنتائج المحادثات في موسكو بشأن الأزمة السورية، كما قالت الخارجية الروسية في بيانها إن المفاوضات التي تتوسط فيها الأمم المتحدة في جنيف وصلت إلى طريق مسدود بسبب شروط المعارضة السورية في المنفى.
وأكد المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات رياض حجاب ضرورة تبني أجندة واضحة وملزمة للانتقال السياسي وفق بيان جنيف والقرارات الدولية ذات الصلة، فيما يحقق تطلعات الشعب السوري بنيل الحرية والكرامة.
وبحث حجاب خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الفرنسي جان مارك أيرولت، سبل تخفيف معاناة السوريين الذين ما زالوا عالقين في مدينة حلب الشرقية، وما يتعرضون له من عملية تهجير قسري. وشدد حجاب على ضرورة محاسبة المسؤولين عن ارتكاب الانتهاكات في حق السوريين.
وصل فريق من المحققين الروس الى انقرة للمشاركة في كشف ملابسات اغتيال السفير الروسي في انقرة الاثنين، فيما اوقفت السلطات التركية ستة اشخاص على ذمة التحقيق.
وفي شأن حلب، قال مراسل الجزيرة في سوريا إن عمليات إجلاء المدنيين من شرق المدينة أوشكت على الانتهاء، كما يجري الاستعداد لبدء نقل مقاتلي المعارضة المسلحة إلى مناطق سيطرتها في الريف الغربي، بينما يستعد خمسمئة من أهالي منطقتي كفريا والفوعة بريف إدلب لدخول مدينة حلب من الجهة الغربية.
وقال مراسل الجزيرة عمرو حلبي إن نحو مئة حافلة تستعد لنقل الدفعة الأخيرة من المدنيين لإخلاء شرق حلب من المدنيين، وذلك بحضور مندوبي الهلال الأحمر وفرق التفاوض، وأضاف أن المدنيين فضلوا ألم التهجير على الموت تحت الأنقاض بفعل القصف.
ومن ريف إدلب، قال مراسل الجزيرة أدهم أبو الحسام إن آخر دفعة من المدنيين العالقين عند عقدة الراموسة بمدينة حلب لم يتمكنوا من الخروج بعد، حيث تنتظر الحافلات ومئات السيارات موافقة المليشيات الإيرانية التي تسيطر على الحاجز هناك.
وفي منطقة الراشدين بريف حلب الغربي، قال مراسل الجزيرة ميلاد فضل إن ثماني حافلات تقف عند أطراف مدينة حلب وتستعد لدخول منطقة جبرين الخاضعة للنظام، وهي تحمل خمسمئة شخص قدموا من منطقتي كفريا والفوعة بريف إدلب.
وأضاف المراسل أن المليشيات الإيرانية تشترط دخول كل القافلة إلى غرب مدينة حلب، ومعها جثث العديد من عناصر المليشيات الإيرانية والعراقية الذين قتلوا في المعارك، حتى تسمح في المقابل بخروج مئة حافلة ونحو أربعمئة سيارة وهي تحمل المدنيين من الأحياء الشرقية.
وبعد الانتهاء من إجلاء المدنيين من شرقي حلب، سيتم إجلاء المدنيين المحاصرين في بلدتي مضايا والزبداني بريف دمشق إلى ريف إدلب، وفقا للاتفاق.
ومنعت اليوم ميليشيات حزب الله لجنة المفاوضات الممثلة عن نظام بشار الأسد والمشكّلة من أبناء بلدة مضايا من الدخول إلى البلدة، للقاء مدنييها و عسكرييها لدراسة ما ستؤول أليه الأوضاع بعد خروج أكثر من 1500 شخص من أبنائها باتجاه إدلب شمالاً.
وأثار تصرف عناصر الحزب هذا مخاوف كبيرة لدى الناشطين داخل البلدة والذين حذروا بدورهم من بقاء البلدة ضمن اتفاق المدن الأربعة بعد خروج أغلب كوادرها منها بموجب الاتفاق المبرم أخيراً والقاضي بخروج 1500 شخص من مضايا و مقابلهم من بلدة الفوعة في ريف إدلب.
وتحدث حسام محمود ناشط إعلامي في سياق الموضوع قائلاً: «عدد كبير من الشبان الذين من المفترض أن يخرجوا خلال اليومين القادمين باتجاه الشمال سيرفضون الخروج ما لم يتم تقديم ضمانات جدية تضمن بقاء عوائلهم و أقاربهم داخل البلدة بمأمن من اعتداءات و بطش ميليشيات حزب الله الإرهابي«.
(ا ف ب، رويترز، الأناضول، شام، الجزيرة، روسيا اليوم)