ا< لقضاء الإسرائيلي أداة أخيرة لطرد الفلسطينيين في القدس من بيوتهم وإحلال المستوطنين محلهم.
جلست نورا غيث (60 سنة) وزوجها مصطفى صب لبن (66 سنة) وابنهما أحمد (36 سنة) وزوجته ربا (32 سنة) وابنهما الصغير الجميل كنان ( 4 سنوات) في غرفة الجلوس الصغيرة في بيت العائلة المطل على المسجد الأقصى في البلدة العتيقة في القدس، وهم في حالة ذهول بعد أن أصدرت محكمة إسرائيلية الثلثاء قراراً يقضي بالسماح لنورا وزوجها فقط بالإقامة في هذا البيت ولمدة عشر سنوات فقط، وإخراج ابنهما أحمد وعائلته منه.
ونص القرار على تسليم نورا ومصطفى البيت إلى المستوطنين بعد عشر سنوات، كما نص على تسليم العائلة مخزناً في أسفل البيت فوراً إلى المستوطنين.
«القرار يعني تفريق العائلة فوراً ومصادرة المنزل خلال عشر سنوات» قال أحمد. وأضاف أن «القرار يمنعنا حتى من زيارة والدي ووالدتي في البيت».
وترى العائلة أن القيود التي فرضتها المحكمة الإسرائيلية على تجمع أبناء العائلة في هذا المنزل تهدف إلى دفعهم لمغادرته حتى قبل انتهاء السنوات العشر التي سمح لهم فيها بالإقامة في بيتهم الذي عاشوا فيه طوال حياتهم.
ويمثل قرار المحكمة الإسرائيلية نموذجاً للحرب التي تشنها إسرائيل على الوجود الفلسطيني في القدس المحتلة، خصوصاً البلدة القديمة منها، حيث تعمل السلطات الإسرائيلية بدأب على إفراغها من أصحابها الفلسطينيين وإحالتها إلى المستوطنين لتحولها من مدينة فلسطينية إلى يهودية.
وتسعى السلطات الإسرائيلية لجعل هذا القرار الفصل الأخير في الصراع الذي بدأ على هذا البيت الصغير الواقع في قلب الحي الإسلامي في المدينة منذ احتلال المدينة عام 1967.
وجاء القرار رداً على استئناف قدمته العائلة على قرار للمحكمة صدر في تشرين الأول (أكتوبر) العام الماضي ونص على أن البيت خال من السكان، وتجب إعادته إلى أصحابه اليهود الذين امتلكوه قبل 1984.
ويعيش في المنزل المؤلف من ثلاث غرف صغيرة، ثمانية أفراد، يتعمدون التواجد فيه بصورة دائمة خشية قيام المستوطنين اليهود بالسيطرة عليه.
وأستأجر والد نورا هذا البيت من «حارس أملاك العدو» الأردني في العام 1953، وفيه ولدت نورا وأشقاؤها وشقيقاتها، وورثته عن والدها، وتزوجت فيه وأنجبت أبناءها الثلاثة في ثناياه.
وقالت نورا: «إنهم يحاولون بأي طريقة أن يخرجونا من بيتنا، كي يحولوه إلى بؤرة استيطانية في قلب القدس».
وتظهر الوثائق أن البيت المؤلف من ثلاث طبقات صغيرة، والذي بني قبل حوالى 200 عام، اشترته عائلة يهودية فلسطينية، لكنها خرجت منه في العام 1948 عندما أقيمت دولة إسرائيل على 78 في المئة من أرض فلسطين التاريخية. وبعد انتقال السيادة على الضفة الغربية إلى الأردن بعد العام 48، نقل البيت وبضعة ممتلكات أخرى كانت تعود إلى اليهود الذين فروا من القدس، إلى الدولة العبرية الوليدة، إلى دائرة سميت «حارس أملاك العدو». وعملت هذه الدائرة على تأجير هذه الممتلكات إلى المواطنين.
وبعد احتلال ما تبقى من أرض فلسطين عام 67، طالبت العائلات اليهودية بممتلكاتها القديمة، وحصلت عليها فوراً، لكنها لم تستطع إخراج المستأجرين الفلسطينيين منها لأنهم محميون بموجب القانون الإسرائيلي ذاته، فأخذت تبحث عن وسائل ضغط لإجبارهم على مغادرة هذه البيوت، وإسكان المستوطنين اليهود فيه.
ويقول المحامي محمد دحلة، الذي يتولى الدفاع عن أصحاب هذه البيوت في المحاكم الإسرائيلية، أن أصحاب البيوت الأصليين نقلوا ملكية بيوتهم إلى جمعيات استيطانية تعمل على تغيير الوجه العربي للقدس. وأضاف أن هذه الجمعيات توظف مكاتب محاماة ومحققين خاصين لملاحقة المستأجرين الفلسطينيين وإخلائهم.
وتابع: «هنا يظهر التمييز العنصري ضد الفلسطينيين، فدولة إسرائيل تمنع الفلسطينيين من استعادة ممتلكاتهم التي كانت لديهم قبل العام 48، وتسمح بذلك لليهود فقط».
وبدأ مسلسل إخراج عائلة نورا من بيتها منذ الأيام الأولى بعد احتلال عام 67، حيث رفعت عليها سلسلة دعاوى إخلاء. وفي العام 48 أمرت البلدية بإعادة ترميم البيت، لكن عندما شرعت العائلة بذلك رفعت الجمعية الاستيطانية «عطيرت كوهنيم» دعوى قضائية عليها، مطالبة بإخلاء المنزل، مدعية أنها «أخلّت» بعقد الإيجار. وأغلق المستوطنون مدخل البيت مستغلين قيام العائلة بإخلائه من أجل الترميم. وقالت نورا أن البيت بقي مغلقاً من العام 1984 حتى العام 2001، حينما سمحت لها المحكمة بفتح مدخل آخر للبيت.
وفي العام 1988 أخلى المستوطنون عائلة فلسطينية كانت تعيش في الشقة المجاورة. وسيطر المستوطنون على مخزن أرضي وحولوه، مع مخزن آخر في بناية مجاورة، إلى شقة سكنية.
وقدم المستوطنون وثائق للمحكمة تثبت أن استهلاك الماء والكهرباء في بيت عائلة غيث قليل، الأمر الذي اعتبرته دليلاً على أن العائلة لا تعيش فيه بصورة منتظمة. وشهد المستوطنون الذين يقطنون في الشقة المجاورة أنهم لا يشاهدون العائلة في البيت. وادعى محقق يهودي من شركة خاصة أن التحقيق الذي أجراه بيّن أن العائلة لا تتواجد كثيراً في البيت.
لكن الوالدين نورا ومصطفى يقولان إنهما كانا يغادران البيت لأيام، أو لأسابيع فقط، لزيارة أبنائهم الثلاثة الذين كانوا يدرسون في الجامعات الأردنية.
واعترضت العائلة أمام المحكمة المركزية على قرار محكمة الصلح، لكن الأخيرة أيدت القرار الأول، ما دفع العائلة إلى الاعتراض أمام محكمة العدل العليا.
وقالت نورا: «أنا ولدت في هذا البيت، وفيه توفي والدي ووالدتي، وفيه تزوجت وأنجبت أولادي. بالنسبة إلي هذا البيت ليس مجرد حجارة، إنها حياة، فيه أسمع أصوات أبي وأمي وإخوتي، وأشعر بأنفاسهم حولي». وأضافت: «هم يريدون أن يسلبوا منا القدس، يريدون أن يسلبوا منا الحياة». واستولى المستوطنون بعد العام 67 على 71 بناية في الحيين الإسلامي والمسيحي في القدس العتيقة، وأسكنوا فيها ألف مستوطن. وقال الابن أحمد، الباحث في مؤسسة إسرائيلية لحقوق الإنسان تعمل في القدس تسمى «عير عميم»، أن هناك دعاوى استيطانية بحق 12 بناية أخرى.
وأصدرت المحكمة المركزية العام الماضي قراراً بإخلاء أربع عائلات من هذه البنايات. وقالت نوال حشيمة (63 عاماً)، صاحبة إحدى البيوت التي طاولتها أوامر الإخلاء: «نحن نعيش في هذا البيت منذ العام 1953 ولم نغادره». وأضافت: «يريدون تشريدنا وإلقاءنا في الشارع وإسكان مستوطنين مكاننا».