رغم المآسي التي حملها العام الذي شارف على نهايته، فقد ظل اللبنانيون متمسكين بأمل الخروج من تلك الحالة الاستثنائية المأزومة إلى الانفراج وعودة انتظام المؤسسات الدستورية بسبب الاشتباك السياسي وشد الحبّال، وها هو الأمل الذي مكّن اللبنانيين من الصمود وعدم اليأس يتحقق قبل أن يودّعوا عام المآسي بانتخاب رئيس لهم وعودة الحياة الطبيعية إلى القصر الرئاسي، وقيام حكومة تضم كل المكونات السياسية وعودة الحرارة الى مجلس النواب الذي شهد جلسة الثقة التي مكَّنت تلك المكونات من أن تقول كلمتها وتعبّر عن هواجسها كلٌّ من موقعه ووفق رؤيته إلى الأمور والحالة العامة في البلاد كونها مقبلة على انفراجات واسعة وإعادة لملمة الوضع الداخلي بما يمكِّن هذا البلد من أن يظل بمنأى عن الحرائق المشتعلة في المنطقة.
فاللبنانيون الذين ظلوا متمسكين بالأمل والصمود في العام الذي يودعونه، يحتفلون بقدوم العام الجديد الذي يحمل معه التوافق بين المكوّنات السياسية وإقرار الجميع بأن هذا البلد يقوم على التسويات ولا يقوم على الكيدية وسياسة الغلبة من أي فريق على الفريق الآخر مهما علا شأنه وامتلك من قدرات وفائض قوّة وسواها من الوسائل والأدوات اللازمة للإمساك بالدولة وإدارتها منفرداً كما كانت عليه الحالة في عهد الوصاية السورية بحيث تحوّلت معظم القيادات السياسية في البلاد إلى دمى مسيّرة وليست مخيّرة، ما جعل هذا البلد طيلة عهد الوصاية يتراجع إلى الوراء وتشوب سمعته الدولية شوائب كثيرة حتى وصل الى درجة يفقد أي دور له في السياسة الدولية.
اللبنانيون إذاً يمكن لهم أن يحتفلوا بنهاية عام حمل معه الانفراج السياسي وعودة انتظام المؤسسات من ملء رئاسة الجمهورية إلى قيام حكومة وحدة وطنية جامعة إلى عودة الحياة إلى السلطة الاشتراعية التي تعطلت أو شلت على مدى سنتين ونصف السنة هي عمر الفراغ الرئاسي، وفي الوقت نفسه يمكنهم ان يتوسموا خيراً بأن يحمل لهم العام الجديد الآمال العريضة بمستقبل واعد يستعيد لبنان فيه حيويته ودوره في العام، وتتمكن الحكومة العتيدة من إعادة ضخ الحياة في كل المؤسسات الرسمية والتغلب على المشاكل المتراكمة والناتجة عن الفراغ في المؤسسات الدستورية مثل الحالة الاقتصادية الجامدة، والفلتان في إدارات الدولة وتفشي الرشى والفساد بين الموظفين كلهم أو معظمهم بسبب غياب الرقابة الرسمية، واتساع دائرة الفلتان على كل المستويات من الموظف الصغير الى المراكز القيادية التي يفترض أن يشكل وجودها ضابط الايقاع للمؤسسات الرسمية وانتظام عملها وفق ما تنص عليه القوانين المعمول بها.
إن العام الجديد الذي يطل على اللبنانيين بعد ساعات معدودات يحمل معه البشائر بغد أفضل وبدولة يسودها الوفاق السياسي على كل المستويات، وإقرار جميع المكونات بأن هذا البلد قدره التوافق والوفاق، ولا يستطيع أي فريق، مهما علا شأنه، أن يمسك وحده بالدولة ويلغي الفريق الآخر الشريك في الوطن وفي تحمّل أعباء مسؤولية بقائه واحداً موحداً لجميع أبنائه.