يتابع الأميركيون وشعوب العالم اليوم مشهدا كان يعتبره اغلبهم قبل 8 تشرين الثاني 2016 ضربا من ضروب المستحيل. نعم انه مشهد دونالد ترامب الملياردير الاميركي صاحب اللسان السليط يؤدي خطاب القسم رئيسا للولايات المتحدة.
لقد نجح هذا الرجل في محو كلمة «مستحيل» من قاموس السياسة، وهزم التوقعات، مهشما سمعة مراكز استطلاعات الرأي تهشيما غير مسبوق. كما همش أدب السياسة وكلامها المنمق، كاسبا قلوب الناخبين بعبارات غليظة وطبع فظ واسلوب استفزازي.
اليوم يصبح دونالد ترامب الرئيس رقم 45 في تاريخ الولايات المتحدة، ويضم اسمه الى لائحة تحوي اسماء كبيرة طبعت الحياة الاميركية بطابعها الخاص وتركت آثارا لا تمحى على وجه
الإنسانية، وابرز هؤلاء: جورج واشنطن، توماس جفرسون، ابراهام لينكولن، فرانكلين دي روزفلت، دوايت ايزنهاور، جون كينيدي، رونالد ريغان وجورج بوش الأب.
وقد بدأت في واشنطن مراسم تنصيب ترامب رئيسا للبلاد منذ الأمس، اذ انطلقت «احتفالات الترحيب» كما درجت العادة من عند نصب لينكولن التذكاري وعزفت وغنت فرق موسيقية ومطربون كانوا ابدوا رغبتهم بالمشاركة في حفل التنصيب. تلا ذلك بين الساعتين الرابعة والسادسة مساء «احتفالات - اجعل اميركا عظيمة مجددا» وهي عبارة عن عروض على شاشة عملاقة تتضمن مقتطفات بارزة من محطات حملة ترامب الرئاسية واهم مواقفه. وقبل ذلك العرض زار الرئيس المنتخب في خطوة بروتوكولية مقبرة ارلينغتون الوطنية. ولا بد من الاشارة الى ان احتفالات امس الموسيقية لم تتضمن فقط فرقا غنت ترحيبا بترامب، بل ايضا بعض الفرق التي شاركت لتشكر الرئيس المنتهية ولايته باراك اوباما.
ويستهل ترامب برنامجه اليوم بصباحية قهوة مع سلفه اوباما قبل ان ينتقل لحضور احتفال ديني في كنيسة القديس جون المجاروة للبيت الابيض. يلي ذلك مراسم التنصيب الرسمية التي ستجرى عند الجهة الغربية لمجمع الكابيتول (مقر الكونغرس) حيث يلقي ترامب خطاب القسم الرئاسي قرابة الساعة 12 ظهرا بتوقيت العاصمة (وهو ايضا التوقيت الذي تنهي فيه رسميا ولاية اوباما كرئيس للبلاد)، مع الاشارة الى ان بوابات ست ستفتح منذ السادسة صباحا امام المدعوين الذين سيحضرون الخطاب.
وبعد قسم اليمين، يتجه ترامب ونائبه مايك بنس الى مأدبة غداء يليها عند الساعة الثالثة عصرا، عرض التنصيب حيث يسير الرئيس الجديد ونائبه شارع بنسيلفانيا من مبنى الكابيتول وصولا الى البيت الابيض حيث يستريحان بعض الوقت، قبل ان تبدأ احتفالات السهرة مع عدد من الفرق الموسيقية والمغنين والراقصين.
ومن ابرز المشاركين في احتفالات اليوم: تنشد جاكي ايفانكو البالغة من العمر 16 عاما النشيد الوطني في حفل التنصيب، وهي مراهقة مغمورة كانت حصلت على المركز الثاني في مسابقة «اميريكان ايدول» عام 2010.
اما السهرة فسيكون ابرز نجم فيها مغني السول الشهير سام مور، بالاضافة الى فريق «روكيتس» للرقص الاستعراضي وتيم روشلو وفريقه «سيلوويت»، وبيليكان 212، وسيرك 1903، وكاش اولسون، وايرين بوهيم، وذي بيانو غايز، ولكسي والكر. وطبعا كل هذه الاسماء قد تكون معروفة اميركيا لكنها مغمورة عالميا الى حد ما. وهذا نظرا لأن اكثر الفنانين الاميركيين اللامعين عالميا رفضوا المشاركة في الاحتفالات، واعتبر المنظمون ان من الافضل ان يكون الاحتفال تقليديا كلاسيكيا.
ولعل ابرز الوفود الدولية المشاركة في هذا اليوم الطويل، هو وفد رسمي من تايوان، مجرد توجيه ترامب الدعوة اليه يؤرق الصين التي تحضر نفسها لأيام صعبة مع الولايات المتحدة في العهد الجديد. الأمر نفسه ينطبق الى حد ما ايضا على دول الناتو الاوروبية وفي مقدمهما دول البلطيق وبولندا والمانيا وبريطانيا. وعلى النقيض من هؤلاء تبدو روسيا الدولة الاكثر ترحيبا واحتفاء برئاسة ترامب. فيما لا تزال الدول الشرق اوسطية والعربية تنظر بحذر وترقب الى ما يمكن ان يحمله الرئيس الاميركي الجديد في جعبته للمنطقة. فالفلسطينيون يتوجسون من ان ينقل ترامب السفارة الاميركية في اسرائيل الى القدس، والايرانيون يتابعون بقلق شديد كل ما يتفوه به ترامب ضد الاتفاق النووي والاسلام المتطرف، ويتساءلون هل ستشمل حربه ضد «داعش« والاسلام الراديكالي نظام طهران وميليشياته الاقليمية ايضا؟.