يبدو أن مفاعيل الهجوم الكلامي الذي شنه وزير الخارجية السعودي الأسبق سعود الفيصل على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في ختام القمة العربية الأخيرة في آذار الماضي، قد انتهت بعد زيارة ولي ولي العهد ووزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان لمدينة سان بطرسبرغ الروسية، أمس، واللقاء «الوديّ» الذي جمعه بـ«قيصر الكرملين» على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، خصوصاً أن الزيارة تضمنت توقيع عدة اتفاقيات اقتصادية، أبرزها اتفاقية للتعاون في مجال الطاقة الذرية السلمية، وسبقتها اتصالات عدّة بين بوتين والملك سلمان، افضت الى تبادل زيارات بين الزعيمين.
وأعلن بن سلمان خلال لقائه بوتين أن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز سيزور روسيا قريبا جداً تلبية لدعوة الرئيس الروسي. ونقل بن سلمان أيضا، دعوة من الملك السعودي إلى الرئيس الروسي لزيارة السعودية، حيث أعلن الأخير قبوله الدعوة بكل سرور، مشيراً إلى أنه يتذكر زيارته الأخيرة إلى الرياض والاستقبال الحار الذي أقيم على شرفه آنذاك.
وأكد بوتين لولي ولي العهد السعودي، خلال اللقاء، أن روسيا تثمن علاقاتها الودية مع السعودية، وذكر أن التبادل التجاري بين البلدين ما زال محدودا من حيث حجمه، لكنه يتميز بديناميكية جيدة. بدوره قال بن سلمان إن بلاده تعتبر روسيا شريكا مهما، معيداً إلى الأذهان أن الاتحاد السوفياتي كان أول دولة اعترفت بالسعودية في العام 1926.
وكان مصدر ديبلوماسي قد أكد لوكالة «تاس» الروسية أن زيارة الملك السعودي إلى روسيا قد تتم قريبا، إذ تجري حاليا الاستعدادات الضرورية لها.
وحضر اللقاء من الجانب الروسي كل من وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو ووزير الخارجية سيرغي لافروف ومساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف. أما الوفد الرسمي السعودي فضم وزير النفط علي النعيمي، ووزير الإسكان المكلف عصام بن سعيد، ووزير الخارجية عادل الجبير، ووزير الدولة خالد بن عبدالرحمن العيسى، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة السعودية خالد بن علي الحميدان.
وعقد الجانبان على هامش الزيارة اتفاقية حول التعاون في مجال استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية. ووقع الاتفاقية عن الجانب الروسي مدير شركة «روس أتوم» الحكومية الروسية سيرغي كيريينكو، وعن الجانب السعودي رئيس مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية هاشم بن عبد الله يماني.
وتوفر الاتفاقية، بحسب ما ذكرت قناة «روسيا اليوم»، أساسا قانونيا للتعاون بين الدولتين في المجال النووي على عدة أصعدة بينها إنشاء واستخدام وتفكيك المفاعلات النووية المخصصة لإنتاج الطاقة والأبحاث العلمية، وتقديم الخدمات المتعلقة بمعالجة الوقود النووي المستنفد، وإنتاج النظائر المشعة واستخدامها في الصناعة والطب والزراعة، وتأهيل الكوادر في مجال الطاقة النووية.
بدوره، أكد وزير الطاقة الروسي الكسندر نوفاك أن السعودية مهتمة بمشاريع الطاقة في روسيا، وأضاف أن موسكو والرياض ستستأنفان عمل اللجنة السعودية الروسية المشتركة للتعاون التجاري الاقتصادي والعلمي التقني، مشيرا إلى أن جلسة اللجنة المذكورة ستنعقد في تشرين الأول المقبل بعد توقف عملها لمدة 5 سنوات.
ولفت نوفاك إلى أن روسيا لا تسعى لاستبدال شركائها في مجال التعاون النفطي والغازي، وتريد أن تهيئ الظروف لشركاء جدد.
وذكرت صحيفة «فايننشال تايمز» الأميركية، أن البحث بين بوتين ومحمد بن سلمان تناول مسائل عدة، من بينها صفقات أسلحة، عكست اهتماما سعوديا بمنظومة صواريخ «اسكندر» البالستية، واتفاقيات بشأن التعاون في مجال الاستخدام المشترك لمنظومة الملاحة الفضائية الروسية «غلوناس»، بالإضافة إلى مجالات الطاقة والزراعة.
ولفت مدير برنامج الخليج في «معهد واشنطن» سايمون هندرسون، إلى أنه «نظراً الى البروز المتزايد للأمير محمد بن سلمان في المملكة وقربه الواضح من والده - الذي يبدو أنه يستعين به كمبعوث خاص بالإضافة إلى مسؤولياته الأخرى - فإن إمكانية تطوير العلاقات السعودية - الروسية بصورة كبيرة تبدو أكثر ترجيحاً».
وأشار هندرسون إلى أنه «من المرجح أن يتضمن جدول الأعمال موضوع النفط، وهو القطاع الذي أصبح فيه الأمير (محمد بن سلمان) صانع القرار الرئيسي»، وأضاف أن «الرئيس (الروسي فلاديمير) يرغب في توسيع الخلافات بين الرياض وواشنطن بصورة أكثر على أساس الحكمة المستمدة من التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران»، في إشارة إلى استفادة روسيا من التقارب الأميركي الايراني المرتقب وتخوّف الرياض منه.
إلى ذلك، كشفت الزيارة عن أن وكالة الفضاء الروسية «روس كوسموس» تخطط، بالتعاون مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، لتنفيذ مشاريع مشتركة في مجال تطوير البنية التحتية الفضائية على الأراضي السعودية والروسية، بحسب ما ذكر رئيس الوكالة الروسية إيغور كوماروف.
وجاء تصريح كوماروف، بعد توقيع «مذكرة النوايا» مع مدير المدينة الأمير تركي بن سعود بن محمد، في مجال استكشاف واستخدام المجال الفضائي للأغراض السلمية على هامش منتدى سان بطرسبورغ، أمس.
وقال كوماروف إن الصناعة تتطور في السعودية بنشاط وثمة أفكار تتعلق بإنشاء مطارات فضائية «ولدينا خطط كبيرة خاصة بتطوير البنية التحتية الفضائية، وتطبيق مشاريع علمية ومشاريع تتعلق برحلات الفضاء».
وأوضح المكتب الصحافي لـ «روس كوسموس» أنه يجري حاليا تحضير اتفاقيات بين موسكو والرياض حول التعاون في مجال استكشاف واستخدام المجال الفضائي للأغراض السلمية، وكذلك اتفاقيات حول التعاون طويل المدى في مجال الاستخدام المشترك لمنظومة الملاحة الفضائية الروسية «غلوناس». وأضاف أن الرياض مهتمة بمشاركة روسيا في إنشاء أسس القطاع الفضائي السعودي وصياغة البرنامج الفضائي الوطني.
وكان مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، قد أشار إلى أن اللقاء سيشهد مناقشة تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط مع التركيز على اليمن وسوريا، ومكافحة تنظيم «داعش»، إلى جانب بحث العلاقات الروسية السعودية الثنائية وسبل زيادة التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.