تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

صحافة أجنبية

رمضان شهر القرارات والتحوّلات

Lebanon 24
19-06-2015 | 00:24
A-
A+
رمضان شهر القرارات والتحوّلات
رمضان شهر القرارات والتحوّلات photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
بقلم سماحة الشيخ عبد اللطيف دريان* الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. أيام معدودات حلت بركاتها علينا، بحلول أيام شهر رمضان المبارك الذي فرض الله عز وجل فيه الصيام على عباده، بقوله تعالى في القرآن الكريم:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} سورة البقرة: الآيتان (183*184) ، هذه الأيام المعدودة هي شهر كامل بالتمام والكمال، ومع ذلك وصفها الله تعالى بأنها أيام، لأنها الأيام الوحيدة التي يَعُدُّها الناس يوماً بعد يوم بخلاف بقية الشهور، أو لأنها كناية عن أيام سعيدة مباركة تمر سريعة، فتبدو أياماً في حين هي شهر كامل، ليخفف الله تعالى بهذه العبارة القرآنية مشقة الصيام عن الصائمين وليُعْظِم لهم بها أجراً. ومهما يكن المعنى، فإن الصيام يبقى تلك العبادة الخفية بين العبد وربه، والتي لا يطلع على حقيقتها وصفائها ونقائها سوى الله عز وجل وحده، حيث يختلي العبد الصائم بالطعام والشراب، لكنه يلتزم بعهد الطاعة مع الله بانتظار ساعة الإفطار من دون أن يأكل أو يشرب، لذلك اختص الله تعالى نفسه بمثوبة الصائمين القائمين بهذه العبادة المميزة بالأجر العظيم غير المحدود، فقال تعالى في الحديث القدسي المرفوع الذي رواه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه بإسناد صحيح عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، عن رب العزة جل جلاله أنه قال:(كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، إنما يدع شهوته وطعامه من أجلي)، وفي هذا المعنى دلاله على تشريف مرتبة الصيام عند الله عز وجل بإضافة الله تعالى جزاء الصائم على صيامه إلى ذاته العلية تنبيهاً للعباد على عظيم الأجر، ولربما في الحديث الصحيح الذي رواه الصحابي الجليل سهل بن سعد رضي الله عنه، إشارة جلية من إشارات أجر الصائمين عند الله، وهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إنَّ في الجنة باباً يقال له الرَّيان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخلُ منه أحد غيرُهم، يقال: أين الصائمون ؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغْلِق فلم يَدْخُل منه أحد). فالصوم قربة من أعظم القربات لله عز وجل، والصائم يترك طعامه وشرابه وشهوته في سبيل مرضاة الله تعالى وطاعة له عز وجل، وعندما يشعر المرء بمرارة الجوع وشدة العطش، تستكين نفسه وتتهذب روحه وتهدأ شهوته ، وبالصوم يعود للنفس صفاؤها، فتمتنع الجوارح عن الأذى والبطش، فلا عين تنظر إلى ما حرم الله، لا لسان يغتاب أو يشتم، ولا يد تبطش بالإثم والعدوان، ولا رجل تمشي إلى الحرام، ولا قلب يضمر الحقد والحسد، وبالصوم تسمو الروح فوق الصغائر، فتتعالى عن كبيرة قطع الأرحام، وترتقي الأنفس عن الشح والبخل، وبذلك يكون شهر رمضان شهر الإيثار والبر والإحسان إلى الناس بما بمنّ الله على المقتدرين من فضله، وهو أيضاً شهر الصبر على كبح شهوات النفس من نفسها ومن الناس وعن الناس، يقينا منها أن مشقة الطاعة تنقضي، ويبقى أجرها، وأن لذة المعصية تنقضي ويبقى إثمها في النفس، ويبقى جرحها في قلوب المظلومين. أيها الصائمون الكرام، أيها الإخوة اللبنانيون يهل علينا شهر رمضان هذا العام، وأمتنا ومنطقتنا ووطننا يمرون في ظروف أمنية وسياسية واجتماعية واقتصادية عصيبة، تتآكلنا الأزمات من كل حدب وصوب، وتطوقنا فتن كبيرة في الداخل تجعل الحليم فينا حيراناً، والأخطار تتهدننا من دول الجوار بنار تحرق الأخضر واليابس، والعدو الإسرائيلي جاثم على أرض فلسطين الحبيبة، ينكل بأهلها ويدنس مقدساتها كل يوم، ويهدد أمننا من الجنوب إلى كل لبنان، فليكن شهر رمضان هذا العام محطة صادقة ننطلق منها إلى رحاب وحدة الكلمة وجمع الصف، فيكون صومنا صوماً عما نهى الله تعالى عنه في القرآن الكريم بقوله {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبيناً} سورة الإسراء: الآية (53 )، وما نهى عنه رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( من لم يدع قول الزور والعملَ به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). ما أحوجنا في هذه الأيام إلى صوم اللسان عن الكلام السياسي والتحريضي والمذهبي والطائفي البغيض.. وما أحوجنا في هذه الظروف المريرة إلى الكلمة الطيبة التي تجمع ولا تفرق وتوحد ولا تقسم وتقرب ولا تباعد... ما أحوجنا إلى عودة صادقة نصوحة إلى رحاب الإيمان وسماحة الإسلام تنجينا من عذاب أليم في الدينا والآخرة... ما أحوجنا اليوم إلى ترتيب بيتنا الداخلي وفي مؤسساتنا الإسلامية، فكم نحن محتاجون إلى وَرْشَةِ إصلاحٍ كُبرى، بدأْناها بإعادةِ بناءِ مؤسساتِ الأوقاف والشؤون الدينية والمجالاتِ الاجتماعية، كي تَستطيعُ التَّصدّي للتطرُّف والشَّرذَمَة، وأنجزناها بانتخابِ المجلسِ الشرعي الإسلامي الأعلى والمجالسِ الإدارية للأوقاف في المناطق بطريقة حضارية راقية، وسنتابع المسيرةِ لإصلاحِ التعليمِ الدينيِّ الأساسيِّ والعالي، ولجمعِ كلمةِ المسلمينَ بالتضامنِ والوَحْدة، ولذلك ونحن في غرة شهر رمضان المبارك، نعلنها مجدداً أننا بحاجةٍ إلى كفاءةِ كلِّ فَردٍ من أبناء مجتمعنا، وليس لأحد منكم أن يعفي نفسه من هذه المسؤولية التي تجمع بين التكليف والتشريف، وأنا واحد منكم أقوى بكم وأركن إليكم في حمل هذه المسؤولية التي ولاني الله تعالى إياها. ومن هذا المنطلق أكرر توجيه النداء إلى المقتدرين من المسلمين، وَرُغْمَ كُلِّ الصعوبات التي نعاني منها ونعرفها جميعا، بأن مؤسساتُنا الخيريةُ والتعليميةُ والوقفيةُ والاجتماعيةُ التابعةُ لدارِ الفتوى وغيرُ التابعةِ لها، بحاجةٍ ماسَّةٍ لأي نوع من أنواع الدَّعم والعَوْن والمساندة، سواء في صناديقِ الزكاةِ في بيروت والمناطق، أو في دور الأيتامِ والرعاية، إلى أزهرِ لبنان، فالملفَّ الاجتماعيَّ شديدُ الأهميةِ والخطورةِ على كُلِّ اللبنانيين، والحاجة فيه شديدة الوطأة، لأنَّ مناطِقَنا هي أكثرُ المناطق عَوَزاً وفَقْراً، وقلت وأجدد القول : إنَّ الفقرَ هو الشقيقُ الحميمُ للتطرُّف، والفقر هو البيئة الحاضنة الأمثل لإنتاج التطرف والمتطرفين، الذين قد يدفعهم الفقر والبطالة والتخلف إلى انتهاج العنف، أو إلى أن يستغلهم آخرون ليخترقوا بهم مجتمعاتنا، فيستخدمونهم ضد أهلهم ووطنهم حطباً في مشاريعهم الهدامة، ولا أفشي سراً أيّها المسلمون وأيّها اللبنانيون بالقول إنَّ جهاتٍ عديدةً في لبنان والخارج، جَنَّدَتْ وتُجَنِّدُ المئاتِ من شبَّانِنا بسبب العَوَزِ والحاجةِ، للقتالِ في صفوفِهم وحروبِهم المتكاثرةِ في كل مكان داخلِ لبنان وخارجِه، فأين العلاج؟ وكيف لنا أن نحمي أنفسنا منها؟. من هنا أشدد على المبادرات المدنية والأفكار والمؤسسات التي لا توفِّرُها إلا الإرادةِ القويةِ والصادقة، والإيمانُ الناشرُ للثقةِ والخير، فمجتمعنا مليء بالمآسي... شباب وفِتيانُ مَأزومون ومُشَرَّدون وعرضة للضياع، وأهل المعتقلين والمسجونين بِحَقٍّ وبِدونِ حَقّ يستَصرِخُون القُلوبَ الرحيمة والنفوس الخيرة لرفع هذا الخطر الداهم عن أنفسنا وأهلنا ومناطقنا ووطننا. وسط هذا الظلام الحالك والخطر الهالك، أقول بكل صدق إنني متفائل بأن الخير موجود في مجتمعنا وفي رجالات الشرفاء، وإني استبشر بكم خيراً رغم قساوة الظروف، وأملنا بالله عز وجل كبير، وثقتنا بأنفسنا وبديننا وبمجتمعنا الخيّر المعطاء كبيرة وكبيرة جداً، فليكن هذا الشهر شهر القرارات الشخصية والدينية والوطنية الكبيرة لنزرع الخير فيما بيننا، ولننزع الشر منها، وليكن هذا الشهر شهر التحولات المفصلية في حياتنا كمسلمين ولبنانيين، نبني من خلاله النفوس على أسس الإيمان الراسخ بالله، ونعمرها بالإحسان والمحبة والتسامح، ونعتمد فيه الكلمة الطيبة، وننتهج الاعتدال والحوار وقبول الآخر، ونعمم ثقافة التراحم والتواصل التي أمر بها ديننا الحنيف، وننبذ كل تطرف وغلو، لنكون بحق على مستوى التحديات التي تواجهنا، ولكي ننأى بأنفسنا عن الوقوع فيما حرم الله، وبوطننا وأهلنا عن الفتن المحدقة بنا، ولنغتنم أيام هذا الشهر المبارك بالإقبال على الله بالعمل الصالح بقلوب خاشعة، ونفوس زكية طاهرة نقية محبة للخلق وللخالق. وإنني في هذه المناسبة الجليلة أسأل الله العلي القدير لنا جميعاً أن يعيننا في شهر رمضان على الصيام وعلى القيام وعلى غض البصر وعلى حفظ اللسان، وأن يجعلنا من عتقائه، وألا يغادرنا الشهر الكريم إلا وقد غفرت ذنوبنا، وفرجت كروبنا وزاحت الغمة عن وطننا لبنان وعن سائر دولنا العربية والإسلامية، وأن يجعلنا من الذين يستمعون الكلم فيتبعون أحسنه، وأن يلهمنا سبل الرشاد، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وكل عام وأنتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. * مفتي الجمهورية اللبنانية
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك