أجّج الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلافاً مع المكسيك، إذ اتهمها باستغلال بلاده لـ «فترة طويلة بما يكفي»، وطالب بـ «تغيير فوري في العجز التجاري الضخم والمساعدة الضئيلة جداً في ما يتعلّق بالحدود الشديدة الضعف!».
وكان الرئيس المكسيكي إنريكه بينيا نييتو ألغى الخميس زيارته واشنطن، بعدما دعاه ترامب إلى إلغاء لقاء مقرّر بينهما في البيت الأبيض الثلثاء المقبل، إذا رفض دفع كلفة جدار وقّع ترامب مرسوماً لتشييده على الحدود بين البلدين.
وعلّق الرئيس الأميركي على قرار بينيا نييتو، مشيراً الى انه كان مشتركاً، مضيفاً: «ما دامت المكسيك لا تعامل الولايات المتحدة في شكل متساوٍ وباحترام، فإن اجتماعاً كهذا سيكون من دون نتيجة، وأريد أن أسلك طريقاً آخر». وكرّر أن الشعب الأميركي لن يدفع كلفة تشييد الجدار، لافتاً الى أنه «أبلغ الحكومة المكسيكية ذلك بوضوح». وندّد بـ «اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية» (نافتا) الذي يضمّ الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، معتبراً انه كان «كارثة» بالنسبة الى بلاده.
في المقابل، أكد وزير الخارجية المكسيكي لويس فيديغاراي أن دفع ثمن الجدار «ليس قابلاً للتفاوض»، واستدرك: «نـــدرك أن هذه بداية لعلاقة جديدة مع الرئيس ترامب وحكومته. وندرك أننا مستعدون للتفاوض. لدينا أولويات وأهداف واضحة».
لكن الناطق باسم البيت الأبيض شون سبايسر سبّب تراجعاً في سعر صرف البيزو المكسيكي، بعد إعلانه أن ترامب يرغب في فرض ضريبة نسبتها 20 في المئة على الواردات المكسيكية، لدفع كلفة تشييد الجدار. وأضاف أن «ذلك يتيح ضمان التمويل، بحيث يتم احترام دافع الضرائب الأميركي»، مؤكداً أن هذا المشروع نوقش في مجلسَي النواب والشيوخ.
واستدرك سبايسر بعد ساعات، قائلاً: «لم يكن المقصود إصدار إعلان، بل القول أن فكرة تنفيذها ليست صعبة، وأن تمويل الجدار ليس بالصعوبة التي يتصوّرها بعضهم، بل إن إجراءً واحداً يمكن أن يكفي لتحقيق ذلك».
في السياق ذاته، سُئل راينس بريباس، أبرز موظفي البيت البيض، هل يؤيّد ترامب ضريبة تعديل حدود، فأجاب أن هذه الضريبة ستكون «أحد سبل» دفع كلفة الجدار، وتابع: «إنها مجموعة خيارات».
وكان الاقتراح أثار انتقادات، اذ قال عضو الكونغرس الجمهوري مارك ميدوز: «عندما تنظر الى الانعكاسات التي يمكن أن تنجم عن دولٍ تستخدم تعرفاتك الجمركية ضدها، فإن إمكان لجوئها الى معاملة بالمثل لن يدعم نمواً اقتصادياً جيداً لبلدك».
ماي
الى ذلك، استبقت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي لقاءها ترامب في البيت الأبيض أمس، بدعوته الى التعامل بحذر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقالت أمام مشرعين جمهوريين في فيلادلفيا: «عندما نتحدث عن روسيا، من الحكمة أن نتّخذ مثالاً الرئيس (الأميركي الراحل رونالد) ريغان الذي، خلال مفاوضاته مع نظيره الروسي ميخائيل غورباتشوف، اعتاد اتباع قاعدة ثق ولكن تحقّق. مع الرئيس بوتين، نصيحتي هي تعاون ولكن بحذر».
وأكدت أن «الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح»، مستدركة انها «ما زالت حيوية»، خصوصاً في مكافحة الإرهاب والاحتباس الحراري. كما دافعت عن دور البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ورأت في الحلف الأطلسي «ركيزة الدفاع الغربية».
وكانت ماي أقرّت بتوتر متزايد بين الولايات المتحدة والصين، مستدركة أن المخاوف من «كسوف للغرب» ستتلاشى، إذا اتحدت واشنطن ولندن في جبهة واحدة. وقالت في طائرة أقلتها إلى الولايات المتحدة: «لدى بلدينا مسؤولية مشتركة، إذ إننا نتراجع حين يتقدّم الآخرون، وهذا ليس جيداً بالنسبة الى أميركا والمملكة المتحدة والعالم».
وتطرّقت الى حربَي العراق وأفغانستان، معتبرة أن «أيام تدخل المملكة المتحدة وأميركا في دول ذات سيادة، في محاولة لإعادة تشكيل العالم على صورتنا، انتهت». واستدركت: «لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي عندما يكون التهديد حقيقياً، وعندما يكون في مصلحتنا التدخل».
ودافعت عن الاتفاق النووي المُبرم مع إيران والدول الست، وتحدثت عن «تجاذب الأضداد أحياناً»، في إشارة الى أن القواسم المشتركة بينها وبين ترامب قليلة.
بولندا وليتوانيا
على صعيد آخر، أعلنت بولندا وليتوانيا انهما لن تسمحا للولايات المتحدة مجدداً بإقامة «سجون سرية» على أراضيهما، اذا أحيا ترامب برنامجاً قديماً لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي آي إي) لاحتجاز إرهابيين مشبوهين في الخارج.
وسُئلت رئيسة الوزراء البولندية بياتا شيدلو هل ستوافق حكومتها على استضافة هذه السجون، فأجابت: «لا يوجد اقتراح بذلك، ولا مجال (لمناقشة الأمر). جوابي هو لا». وأعلن وزير الخارجية الليتواني ليناس لينكيفيسيوس أن بلاده مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة في كل المجالات الاستراتيجية، مستدركة بوجوب حماية حقوق الإنسان، وتابعت: «تعذيب الناس ليس جائزاً وفقاً للقانون الدولي، ليس من الناحية القانونية فحسب، بل أخلاقياً أيضاً».
في السياق ذاته، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية أن الوزير جيمس ماتيس يؤيد التزام القواعد المتبعة الآن في شأن التحقيق مع السجناء، والتي لا تتضمّن الإيهام بالغرق وأساليب أخرى تُعتبر تعذيباً.
الى ذلك، وصف ستيفن بانون، أبرز المستشارين الاستراتيجيين في البيت الأبيض، وسائل الإعلام بـ «حزب المعارضة»، معتبراً انها «تفتقر إلى النزاهة والذكاء والعمل الدؤوب، وعليها إبقاء فمها مغلقاً».
الجار الجنوبي يواجه اختبار إثبات «فائدته» للولايات المتحدة
يجازف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال إثارته غضب المكسيك، بمعاداة شريك استراتيجي للولايات المتحدة، قد يردّ من خلال إشعال حرب تجارية، أو الحد من التعاون لمكافحة الهجرة غير الشرعية.
وألغى الرئيس المكسيكي إنريكه بينيا نييتو زيارة مقررة إلى واشنطن، للقاء ترامب الثلثاء المقبل، إذ يصرّ الأخير على تحميل المكسيك كلفة تشييد جدار على الحدود بين البلدين، تبلغ بلايين الدولارات. كما يسعى إلى إعادة التفاوض في شأن «اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية» (نافتا) الذي يضمّ الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، معتبراً أنه «يعمل في اتجاه واحد ويكبّد البلاد خسائر هائلة على مستوى الوظائف والشركات».
ويرى خيسوس فيلاسكو، وهو خبير في العلاقات الأميركية -المكسيكية في جامعة تارلتون في تكساس، أن آخر أزمة كبرى بين البلدين كانت عام 1985، عندما أقدمت عصابة مخدرات على تعذيب عنصر في إدارة مكافحة المخدرات الأميركية، وقتله، فأغلقت الولايات المتحدة الحدود لفترة وجيزة. واعتبر أن الأزمة الآن «أكثر سوءاً»، إذ «يحاصر ترامب إدارة بينيا نييتو، من دون ترك أي مجال للتفاوض». وأضاف أن المكسيك يمكن أن تردّ عبر السماح للمهاجرين الآتين من أميركا الوسطى بعبور الحدود، مستدركاً أن لدى المكسيك والولايات المتحدة «أنجح تعاون (على الحدود) في العالم».
وشنّت المكسيك حملة أمنية على الهجرة غير الشرعية على حدودها مع غواتيمالا، بعد ضغوط مارستها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، إثر ارتفاع ضخم في عدد المهاجرين الأطفال غير المصحوبين ببالغين، عام 2014. وأفادت أرقام أعلنتها وزارة الداخلية بأن مكسيكو رحّلت 147370 مهاجراً العام الماضي، مقارنة بـ80900 عام 2013. كما بات عدد المكسيكيين العائدين إلى بلادهم، أعلى من عدد المهاجرين إلى الولايات المتحدة.
وعلّق الخبير الاقتصادي لويس دي لاكايّي، الذي كان ضمن مفاوضي اتفاق «نافتا» في تسعينات القرن العشرين، على اقتراح إدارة ترامب إمكان فرض ضريبة قيمتها 20 في المئة على الصادرات المكسيكية، لتمويل تشييد الجدار، قائلاً: «في حال فرضت الولايات المتحدة ضريبة، ستفرض المكسيك ضريبة مماثلة». وشكّك في إمكان موافقة الكونغرس على الأمر، إذ إن كثيرين من أعضائه يدعمون التبادل الحر. وأضاف أن «الولايات المتحدة مرّت بفترات معقدة في السابق، لكن ترامب شخص مختلف»، وعليه ضمان بقاء العلاقات «إيجابية». والمكسيك شريكة للولايات المتحدة في مكافحة المخدرات، إذ خصّص الكونغرس 205 بليون دولار لمبادرة «ميريدا»، وهذا برنامج مساعدات وقّعه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش عام 2007، يزوّد أجهزة تطبيق القانون المكسيكية بمعدات ويؤمّن لها تدريبات. لكن ترامب أمر المسؤولين بالبحث خلال 30 يوماً في دوائر الإدارة الأميركية، عن أي مساعدات «مباشرة وغير مباشرة» مُقدمة إلى الحكومة المكسيكية، في إطار بحثه عن مصادر لتمويل الجدار.
ويرى دوكان وود، مدير «معهد مكسيكو» في مركز ويلسون للدراسات في واشنطن، أن «التركيز في السابق كان على سبل يمكن من خلالها للولايات المتحدة أن تساعد المكسيك في محاربة الجريمة المنظمة»، مستدركاً أن على المكسيك الآن أن تثبت لجارتها أنها «محظوظة لأن لها صديقة على حدودها الجنوبية، وأن هذا جدير بالتفكير».