أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس أنه يرغب في «بناء علاقات جيدة مع جميع الدول»، واعتبر عشية أول مكالمة هاتفية بينه وبين نظيره الروسي فلاديمير بوتين، أنه لا يزال من المبكر الكلام عن العقوبات بحق روسيا. وفي رسالة شديدة اللهجة حذرت السفيرة الأميركية الجديدة لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي الدول المناهضة لسياسة واشنطن بأن أميركا تسجل أسماءها.
وككل يوم من الأيام الأولى لعهد ترامب، كان يوم الأمس يوماً طويلاً حافلاً، ترقب فيه الصحافيون والسياسيون حول العالم أي كلمة أو عبارة من الممكن أن تبوح بما يحمله ترامب في جعبته الى الساحة الدولية. ولكن المؤشرات الجديدة لم تبدر عن ترامب نفسه بل عن المحيطين به. فقد أكدت السفيرة الأميركية الجديدة لدى الأمم المتحدة أمس أن «الولايات المتحدة ستظهر قوتها في الشؤون الدولية»، موجهة تحذيراً لمعارضي سياسات ترامب. وهي قالت للصحافيين لدى وصولها الى مقر الأمم المتحدة قبيل عقدها أول لقاء مع أمين عام المنظمة انطونيو غوتيريس «لأولئك الذين لا يدعموننا نقول: نحن نسجل الأسماء». وأضافت «نحن ندون نقاطاً للرد على ذلك بما يناسبنا».
وأكدت هايلي أن «هدف الإدارة الأميركية هو إظهار أهميتنا في الأمم المتحدة، وكيفية تحقيق ذلك هي إثبات قوتنا وإسماع صوتنا ودعم حلفائنا والتأكد من دعم حلفائنا لنا أيضاً«. وأدلت حاكمة ولاية كارولاينا الجنوبية السابقة بهذه التصريحات النارية قبل تقديم أوراق اعتمادها لغوتيريس.
ووردت تقارير بوجود مشروع أمر تنفيذي يتم إعداده في البيت الأبيض قد يحرم الأمم المتحدة من دعم مالي أميركي بمليارات الدولارات. وتُعد الولايات المتحدة أكبر مساهم في المنظمة الدولية لكونها تسهم بـ22 في المئة من موازنتها وتمويل 28 في المئة من مهمات حفظ السلام، التي تبلغ كلفتها السنوية حالياً 7,8 مليارات دولار.
وقالت هايلي (45 عاماً) إنها «مستعدة لحض الأمم المتحدة على تطبيق إصلاحات«، مشددة على أنه سيكون هناك اقتطاعات». وأضافت «إنه وقت إظهار القوة ووقت التحرك ووقت الإنجازات».
وأوضحت هايلي أن «الأمور التي تسير بشكل جيد سنجعلها أفضل. الأمور التي لا تسير بشكل جيد سنحاول تصحيحها. الأمور التي عفا عليها الزمن وغير الضرورية سنتخلص منها». وكان ترامب وصف الأمم المتحدة بأنها «نادٍ للاجتماع وتمضية أوقات ممتعة». ويرى مراقبون أن كلام هايلي ما هو إلا تنفيذ لتعهدات ترامب بتغيير مسار الأمور في الأمم المتحدة بعدما ساءه تبني مجلس الأمن قراراً يُطالب إسرائيل بوقف بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد أن امتنعت الولايات المتحدة في أيام الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الأخيرة عن استخدام الفيتو.
وعبرت هايلي عن الرأي نفسه وقالت «سترون تغييراً في الطريقة التي ندير بها الأمور. لم يعد الأمر يتعلق بالعمل بشكل أكثر جدية بل بالعمل بشكل أذكى». وبعد ذلك عقدت هايلي اجتماعاً استمر 20 دقيقة مع غوتيريس الذي قال إنه «سر بلقائها»، وأضاف «لقد كان اجتماعاً تمهيدياً وبداية الحوار مع الإدارة الأميركية الجديدة». وكان العديد من الديبلوماسيين رحبوا بتعيين هايلي نظراً لموقفها القوي ضد العنصرية عندما كانت في منصب حاكم كارولاينا الجنوبية.
وعقد ترامب أول قمة أميركية - بريطانية أمس مع رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي، وقال ترامب في مؤتمر صحافي مع ماي في البيت الأبيض «بالنسبة الى العقوبات سنرى لاحقاً ما يمكن أن يحصل. لا يزال من المبكر الكلام عن هذا الأمر».
وتيريزا ماي هي المسؤولة الأجنبية الكبيرة الأولى التي تلتقي ترامب منذ تسلمه سلطاته في البيت الأبيض في العشرين من كانون الثاني الحالي.
وقالت ماي «بالنسبة الى المملكة المتحدة وفي ما يتعلق بالعقوبات على روسيا المرتبطة بسلوكها في أوكرانيا، لقد كنا واضحين جداً: نريد تطبيق اتفاق مينسك بشكل كامل».
وأشاد ترامب بالبريكست وأكد أن العالم يحتاج الى مملكة متحدة حرة من أي قيود وستظهر الأيام أن خيار البريطانيين كان صائباً في الخروج من الاتحاد الأوروبي. وأبدى استعداد الولايات المتحدة لإبرام اتفاقيات تجارية واقتصادية ومالية جديدة مع لندن.
وأكدت رئيسة الوزراء البريطانية أن اللقاء كان ممتازاً وأن «واشنطن ولندن بإمكانهما تجديد العلاقة المميزة بينهما»، وقالت «ناقشنا ملفات خارجية عدة بينها سوريا وروسيا وحلف شمال الأطلسي، وقد أكد لي الرئيس ترامب أنه ملتزم بالحلف بنسبة 100 في المئة، وقد تعهدت له بدوري بحث الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف على رفع إسهاماتهم المادية والعسكرية في الحلف الى النسب المطلوبة.
وأعرب الرئيس الأميركي خلال استقباله ماي عن تأييده لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي معتبراً ذلك «أمراً رائعاً«، ومشيداً في الوقت نفسه بـ»العلاقة الخاصة» بين لندن وواشنطن. وقال ترامب إثر استقباله أول مسؤول أجنبي في واشنطن بعد تنصيبه «أعتقد أننا سنتفاهم جيداً«.
وسئل ترامب عن مدى التقارب الذي يود أن يقوم به مع موسكو، فأجاب «إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مدحني في السابق وأنا شخصياً لا أعرفه. هذه كانت مبادرة جيدة منه. وغداً (اليوم) سنتحادث هاتفياً، وأنا لا أدري إذا كانت الأمور ستسير جيداً مع روسيا أم لا. أنا أرغب في علاقات جيدة مع جميع الدول بما في ذلك روسيا والصين. ولكن هل هم عندهم الاستعداد نفسه لعلاقات جيدة، وهل الأمور ستسير بشكل جيد بيننا أم لا. لا يمكنني الآن أن أضمن ذلك ولا أن أتكهن بما ستؤول اليه الأمور». وعما إذا كان سيعمل على رفع العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا بسبب أوكرانيا، قال ترامب «لا يزال من المبكر جداً الحديث عن رفع عقوبات الآن. ولكن بداية بإمكاننا التعاون مع روسيا في الحرب على داعش مثلاً«.
وقالت ماي إن «موقف بريطانيا من موضوع العقوبات على روسيا ثابت»، وإن «لندن لا يمكن أن تدعم أي رفع للعقوبات ما لم تنفذ روسيا ما ورد في اتفاقية مينسك وقامت بإجراءات تزيل التوتر بينها وبين جارتها أوكرانيا». وأكد ترامب وماي عزمهما على العمل من أجل «إلحاق الهزيمة بداعش والإرهاب الإسلامي المتطرف أينما وجد».
وسئل ترامب عن تأييده استخدام وسائل التعذيب في استجواب المتهمين، فقال «نعم أنا اؤيد استخدام صنوف التعذيب الشديد في عمليات الاستجواب لأني اؤمن بأنها تأتي بنتيجة. لكن الأمر لا يعود لي في هذا الصدد فأنا لدي ثقة كاملة وأضع كل السلطات المتعلقة بهذا الأمر بيد وزير الدفاع الجنرال جايمس ماتيس الذي أعلن أنه لا يحبذ استخدام أنواع التعذيب هذه في عمليات الاستجواب، وأنا أفوضه الاهتمام بهذه الأمور، رغم رأيي المعاكس لرأيه«.
وكان ترامب تطرق قبل أيام الى خيار إقامة «مناطق آمنة» في سوريا بهدف حماية النازحين السوريين داخل الأراضي السورية بدلاً من اضطرارهم للجوء الى الدول المجاورة ومنها الى أوروبا. ويتوقع أن يكون هذا الموضوع أول شيء سيتحدث فيه هاتفياً اليوم مع بوتين. مع الإشارة الى أنه سيتكلم هاتفياً اليوم أيضاً مع المستشارة الألمانية انغيلا ميركل والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند.
وكانت روسيا حذرت أمس ترامب من أن موضوع كالمناطق الآمنة يجب توخي الحذر والتشاور بصدده قبل اتخاذ أي قرار تنفيذي بشأنه.
وقال ترامب «سنعيد بناء الجيش الأميركي» متعهداً تزويد الجيش مزيداً من السفن الحربية والطائرات المقاتلة. وقد زار الرئيس الأميركي أمس مقر وزارة الدفاع، حيث ناقش مع كبار القادة العسكريين في البلاد سبل تكثيف الحرب على تنظيم داعش. والتقى ترامب المسؤولين العسكريين في قاعة الاجتماعات في البنتاغون، ثم شارك في حفل أقيم بمناسبة تأدية وزير الدفاع الجديد قسم اليمين بمناسبة تسلمه مهامه.
وقع ترامب في البنتاغون قرارا تنفيذيا يهدف لاطلاق عملية «اعادة بناء ضخمة» للقوات المسلحة الاميركية تتضمن تزويد القوة العسكرية الاولى في العالم بسفن حربية وطائرات وموارد جديدة.
وقال ترامب في ختام حفل اقيم في وزارة الدفاع «سأوقع قرارا تنفيذيا لاطلاق اعادة بناء ضخمة للقوات المسلحة للولايات المتحدة، لوضع خطة لطائرات جديدة، لسفن جديدة، لموارد جديدة ومعدات جديدة لرجالنا ونسائنا العسكريين».
وفي سياق آخر متعلق بالهجرة، اعلن ترامب انه وقع قرارا تنفيذيا يتصل بمجال الهجرة ويتضمن تشديد اجراءات المراقبة على الحدود من اجل وقف دخول «الارهابيين الاسلاميين المتشددين» الى الولايات المتحدة. وهو قال «لقد فرضت اجراءات رقابة جديدة من اجل ابقاء الارهابيين الاسلاميين المتشددين خارج الولايات المتحدة. نحن لا نريدهم هنا».
وقال ترامب إننا سوف نعطي اللاجئين المسيحيين من سوريا الأولوية.
وواصل ترامب انتقاداته للمكسيك قائلاً في مؤتمره الصحافي مع ماي إنها «استغلت الولايات المتحدة لمدة طويلة بما يكفي» وسط تفاقم أزمة بين البلدين الجارين بشأن أمن الحدود والتجارة، لكنه أكد أن لديه علاقة ودية مع الرئيس المكسيكي انريكي بينيا نييتو وسيتحاوران مجدداً وسيشدد ترامب له على أنه ينبغي أن تتوقف الخسائر التي تُصاب بها أميركا اقتصادياً واجتماعياً بسبب الحدود المفتوحة مع المكسيك.
واعلنت الرئاسة المكسيكية في بيان ان الرئيس المكسيكي ونظيره الاميركي اتفقا على الامتناع عن التصريحات العلنية بشأن الجدار الذي ينوي ترامب بناءه على الحدود بين البلدين. واورد البيان ان الرئيسين اللذين تحادثا هاتفيا لساعة اقرا بوجود «خلافات واضحة» في شان الجدار الحدودي وتوافقا على عدم التطرق الى هذا الموضوع «علنا في الوقت الراهن».