بعد التظاهرات الحاشدة المنددة بقراراته، وإثر حملة الاحتجاج التي شملت الولايات المتحدة والعديد من العواصم العالمية، وصلت المعارضة لقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مجال الهجرة إلى قلب أجهزة الدولة، فقرر الأخير مواجهتها بمزيد من التشدد والتصعيد. ووجّه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس انتقادات شديدة لتلك القرارات، معتبراً أن «الإجراءات العمياء قد لا تكون فاعلة».
فاليوم 11 لترامب في البيت الأبيض كان يوماً آخر حافلاً بردود الفعل الغاضبة. ففي آخر قرار جامح له، أقال الرئيس الأميركي الجديد وزيرة العدل بالوكالة سالي ييتس بعد رفضها تطبيق مرسومه حول الحد من الهجرة والذي يثير جدلاً محتدماً في الولايات المتحدة والعالم، ويفاقم كذلك الأزمة السياسية التي يواجهها البيت الأبيض داخلياً وخارجياً.
فترامب الذي وقع أمراً تنفيذياً يمنع مواطني 7 دول أغلب سكانها من المسلمين من دخول الأراضي الأميركية لـ90 يوماً، أثار موجة تنديد عارمة في العالم واحتجاجات متواصلة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ونظراً لردود الفعل هذه، أمرت ييتس المدعين بعدم دعم مرسوم ترامب وأعلنت تشكيكها في «قانونية» قرار الرئيس الجديد، فما كان من الأخير إلا أن طردها من منصبها، وقال البيت الأبيض في بيان إن «ييتس خانت وزارة العدل برفضها تطبيق قرار قانوني يرمي لحماية مواطني الولايات المتحدة».
ووصف البيت الأبيض في بيانه ييتس بأنها «ضعيفة في ما يتعلق بالحدود وضعيفة جداً في ما يتعلق بالهجرة غير الشرعية». وأضاف البيان الرئاسي أن «الرئيس ترامب أعفى ييتس من مهامها وعيّن المدعي العام لمقاطعة شرق فرجينيا دانا بينتي في منصب وزير العدل بالوكالة الى أن يثبّت مجلس الشيوخ السناتور جيف سيشنز» في منصب وزير العدل.
وبعد تعيينه، أعلن بينتي في بيان «أصدرت توجيهات الى الرجال والنساء في وزارة العدل بأن يقوموا بواجبهم كما أقسمنا وأن يدافعوا عن أوامر رئيسنا القانونية». وأقال ترامب أيضاً المسؤول بالوكالة عن إدارة الهجرة والجمارك دانيال راغسديل الذي كان عيّن أيضاً في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وعين مكانه توماس هومان.
وما كاد خبر إقالة ييتس يصل مسامع الساسة الديموقراطيين في البلاد، حتى قاطع شيوخهم جلسات التصويت الخاصة بتثبيت تعيين شخصيات عدة في إدارة ترامب في مقدمها وزير العدل المحتمل جيف سيشنز، ما أدى الى تأجيلها.
وهذا الموقف من الديموقراطيين بالمقاطعة، أثار غضب ترامب، فشن حملة شرسة على معارضيه الديموقراطيين في الكونغرس واتهمهم بالعمل على شل عمل الحكومة عبر تأخير تثبيت المسؤولين الذين اختارهم. وقال في تغريدة «عليهم أن يشعروا بالعار! من غير المفاجئ أن لا تتمكن واشنطن من العمل»، في إشارة الى إدارته التي لم يكتمل عقدها بعد بسبب انتظار طال أمده لموافقة الكونغرس على بعض المسؤولين الذين عيّنهم الرئيس الجمهوري.
ومع تصاعد الإدانات لقرارات ترامب، أطل أوباما مجدداً فقال إن «مستوى التعبئة في الولايات المتحدة مشجع». وأضاف «وعدت بالبقاء بعيداً عن الجدل السياسي ما لم تواجه القيم الأساسية لأميركا تهديداً».
وبدأ تحالف واسع من شركات التكنولوجيا الاميركية التخطيط لاستراتيجية قانونية مشتركة للطعن بقرار ترامب بمنع اللاجئين وعدد كبير من المسلمين من دخول الأراضي الأميركية، بحسب مصادر. وترى مؤسسات أميركية كبرى خاصة شركات سيليكون فالي (أبل ومايكروسوفت وغوغل وار بي ان بي ونيتفليكس) حيث يعمل آلاف المهندسين الالكترونيين الأجانب، أن القيود المفروضة على الهجرة «مخالفة للقيم الأميركية».
ويتوقع أن تشارك أكثر من 20 شركة من قطاع التكنولوجيا في اجتماع لمناقشة الخيارات القانونية بشأن الحظر الذي يتوقع أن يكون له تأثير بالغ على وادي سيليكون وغيرها من شركات التكنولوجيا.
وتجمع مئات المتظاهرين مساء الاثنين أمام المحكمة العليا مرددين هتافات «لا كراهية، لا خوف، نرحب باللاجئين».
ورأى مسؤولون كبار في الأمن القومي من إدارتي الرئيسين الأميركيين السابقين أوباما وجورج بوش الابن في رسالة وجهت الى الأعضاء الرئيسيين في إدارة ترامب أن مرسومه «وجه رسالة سيئة الى المسلمين في البلاد والعالم مفادها أن الحكومة الأميركية في حالة حرب ضدهم على أساس ديانتهم».
وأفاد مسؤول أميركي أن وزارة الخارجية الأميركية تلقت رسمياً مذكرة وجهها عدد من ديبلوماسييها الذين ينددون بقرار ترامب في شأن المهاجرين.
وقال المسؤول لعدد من الصحافيين «تلقينا المذكرة المعترضة» والتي وقعها مئات الديبلوماسيين والموظفين في الوزارة تنديداً بقرار ترامب الذي يعلق دخول اللاجئين ومواطني سبع دول مسلمة.
وقال مصدر مطلع إن نحو 900 من مسؤولي وزارة الخارجية وقعوا على المذكرة.
وتعتزم ولاية ماساتشوستس الأميركية الانضمام لمعركة قضائية ضد أوامر ترامب الخاصة بالهجرة التي انتقدتها المدعية العامة للولاية مورا هيلي ووصفتها بأنها «غير دستورية».
وتحدى قضاة اتحاديون من خمس ولايات السلطات الأميركية في تنفيذ أمر ترامب. واتخذت قاضية المحكمة الجزئية أليسون بوروز من ماساشوستس الإجراء الأقوى بمنعها لسبعة أيام اعتقال أو ترحيل لاجئين جرت الموافقة على لجوئهم وحاملي جوازات السفر والحاصلين على إقامة دائمة في الولايات المتحدة من الدول السبع. ومنع أمرها أيضاً مسؤولين اتحاديين من ترحيل رجلين إيرانيين يقومان بالتدريس في جامعة ماساتشوستس في دارتموث.
ووجه الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريس انتقاداً شديداً الى قرار ترامب بمنع مواطني سبع دول مسلمة من السفر الى الولايات المتحدة، معتبراً أن «الإجراءات العمياء قد لا تكون فاعلة».
وقال إن البلدان الساعية الى تعزيز مراقبة حدودها لا يمكنها اتخاذ تدابير «تقوم على أي شكل من أشكال التمييز على أساس الديانة أو الاتنية أو الجنسية». وأضاف في بيان أن «الإجراءات العمياء التي لا تستند الى معلومات استخباراتية أكيدة، تكون في العادة غير فعالة لأن الحركات الإرهابية العالمية المتطورة اليوم يمكن أن تلتف عليها».
وأعرب عن قلقه بشأن قرارات تُتخذ في أنحاء العالم تقوض الحماية الدولية للاجئين. وقال إن «هذا يتعارض مع المبادئ والقيم الأساسية التي تقوم عليها مجتمعاتنا».
واستبعد البيت الأبيض أن يتم استهداف مواطنين أميركيين بغارات جوية خارج البلاد في إطار مكافحة الإرهاب، في مقاربة تمثل تناقضاً مع سياسة الإدارة السابقة. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر إن «أي مواطن أميركي لن يكون مستهدفاً أبداً»، وذلك رداً على سؤال حيال غارة أميركية شُنت أخيراً في اليمن.
وتواصلت ردود الفعل الدولية الغاضبة على قرار ترامب حظر دخول مواطني 7 بلدان شرق أوسطية، وفي هذا السياق خرج عشرات الآلاف من البريطانيين في تظاهرة حاشدة الى شوارع لندن مطالبين بمنع دخول ترامب الأراضي البريطانية.
وقرر أعضاء في البرلمان البريطاني مناقشة عريضة احتجاجية وقع عليها أكثر من 1.7 مليون بريطاني تطالب بإلغاء «زيارة رسمية» من المقرر أن يقوم بها ترامب إلى بريطانيا. وأدرج مجلس العموم العريضة للنقاش في 20 شباط الجاري.
وفي برلين ردت الحكومة الألمانية بحزم على تصريحات مستشار لترامب هو بيتر نافارو الذي اتهم ألمانيا باستغلال تراجع قيمة اليورو من أجل الاستفادة على حساب شركائها التجاريين الأساسيين وبينهم الولايات المتحدة. كلام نافارو، الذي عيّن رئيساً لمجلس التجارة الجديد في البيت الأبيض، جاء في مقابلة مع صحيفة «فايننشل تايمز» قال فيها إن «اعتبار اتفاق التبادل الحر بين ضفتي الأطلسي (المتعثر حالياً) اتفاقاً ثنائياً هو أمر معقد، والسبب ألمانيا التي تواصل استغلال دول أخرى في الاتحاد الأوروبي إضافة الى الولايات المتحدة مستخدمة -ماركاً ألمانياً- وهمياً أدنى من قيمته بكثير» في إشارة الى العملة الألمانية السابقة.
وجاء الرد الألماني الرسمي من المستشارة الألمانية انغيلا ميركل خلال مؤتمر صحافي في العاصمة السويدية ستوكهولم، فنفت أي تدخل لبرلين في السياسة النقدية التي يحددها المصرف المركزي الأوروبي. وأوضحت ميركل «بالنسبة الى مسألة اليورو وقيمته، ألمانيا تدعو دائماً الى أن ينتهج المصرف المركزي الأوروبي سياسة مستقلة، على غرار السياسة التي اتبعها البنك المركزي الألماني قبل زمن اليورو».
وفي مدريد، قال رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي أمس تعليقاً على قرار ترامب منع دخول مواطني 7 دول الى أميركا «نحن لا نوافق على إجراءات المنع هذه وأعتقد جازماً أن العالم لن يسير في هذا الاتجاه».
وفي أنقرة برز أمس أول انتقاد تركي رسمي لسياسات ترامب، إذ اعتبر مسؤول تركي كبير أن القيود التي فرضها الرئيس الأميركي على المهاجرين والمسافرين إلى الولايات المتحدة «غير مقبولة» ويجب إعادة النظر فيها. وهذا المسؤول هو بحسب صحيفة «خبر ترك» التركية نائب رئيس الوزراء التركي نعمان كورتلموش الذي قال «إن على ترامب إعادة النظر في القرار»، معتبراً «أن دوافعه تنطوي على معاداة للإسلام».