أخذت احتجاجات انصار زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر وحلفائهم من التيار المدني في ساحة التحرير وسط بغداد المطالبة بإجراء اصلاحات سياسية شاملة وتغيير مفوضية الانتخابات العراقية، منحى خطيرا بعدما تطورت الى اشتباكات دامية اوقعت قتلى وجرحى على تخوم المنطقة الخضراء المحصنة التي تضم مقار رئاسية ومؤسسات حساسة.
وتحمل الاحتجاجات الدامية رسالة مهمة إلى مختلف الاطراف السياسية المهيمنة على المشهد العراقي بوجود صراع شيعي ـ شيعي، بدأ يطفو مجددا على السطح بعدما
نجحت وساطات وضغوط من اطراف داخلية واقليمية خلال الفترة الماضية بتهدئة الخلافات السابقة، من خلال منح الصدريين تطمينات من الحكومة العراقية بدعم اصلاح الاوضاع في العراق وهو ما دفع الصدر الى انتقاد الحكومة عقب مواجهات امس فاضطر رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري الى اعلان استجواب مفوضية الانتخابات في مجلس النواب.
ويخشى الصدريون وحلفاؤهم من التيار المدني والعلمانيون من سيطرة احزاب شيعية نافذة على مفاصل حساسة في مفوضية الانتخابات، التي تفتقد الاستقلالية خصوصا ان اغلب اعضائها لهم انتماءات سياسية تتوزع على المكونات الثلاثة الرئيسية (الشيعية والسنية والكردية) وهم يخضعون لتأثير الاحزاب، ما قد يساهم باحتمالات تزوير الانتخابات المقبلة سواء المحلية قبل نهاية العام الحالي او البرلمانية في العام 2018.
فقد سقط سبعة قتلى وجرح العشرات امس في صدامات بين متظاهرين يطالبون بإصلاح قانون الانتخابات وقوات الامن في وسط بغداد، وفق الشرطة.
ويشار إلى أن اعمال العنف هذه هي الاكثر دموية التي تندلع اثناء تظاهرة منذ بدأت في العام 2015 موجة التظاهرات التي طالب خلالها المحتجون بتحسين الخدمات واتهموا السياسيين العراقيين بالفساد والمحسوبية.
وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع والعيارات المطاطية على المتظاهرين ومعظمهم من مؤيدي الصدر، عندما حاولوا كسر حاجز اقامته الشرطة للوصول الى المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد.
وقال عقيد في الشرطة ان سبعة اشخاص قتلوا «من جراء اعمال العنف، اثنان منهم من منتسبي قوات الامن والخمسة الباقون من المتظاهرين». واضاف ان اكثر من 200 شخص اصيبوا، معظمهم من المتظاهرين الذين تنشقوا الغاز المسيل للدموع، الا ان 11 آخرين على الاقل اصيبوا بجروح اكثر خطورة تسببت بها العيارات المطاطية وعبوات الغاز المسيل للدموع.
وتجمع المحتجون في البداية بشكل سلمي في ساحة التحرير للمطالبة بتغيير القانون الانتخابي واستبدال اللجنة الانتخابية قبل اقتراع مجالس المحافظات المقرر في ايلول المقبل. وردد المتظاهرون «نعم، نعم للعراق»، و«نريد.. نريد تغيير مفوضية الانتخابات وقانون مفوضية الانتخابات»، كما حملوا لافتات تقول «تغيير المفوضية مطلب عراقي».
وقال مسؤول في الشرطة ان «المتظاهرين حاولوا عبور جسر الجمهورية، فقامت قوات الشرطة بإطلاق قنابل مسيلة للدموع لمنعهم».
وحاولت القوات الأمنية تفريق المتظاهرين الذين انتقلوا من ساحة التحرير الى المنطقة الخضراء بناء على بيان ألقي نيابة عن الصدر بين المتظاهرين حيث تم اطلاق النار والغاز المسيل للدموع على المتظاهرين.
وأكدت قيادة عمليات بغداد في بيان صحافي «تحرك بعض المتظاهرين خارج المنطقة المسموح بها وتعمد الاحتكاك بالأجهزة الامنية»، وقالت إن «العثور على أسلحة نارية وسكاكين لدى بعض المتظاهرين يدل على وجود نيات مبيتة لدى البعض خلافاً للقانون»، داعية «الى الالتزام بالقانون والحذر من المندسين والمشبوهين».
وحمّل الصدر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مسؤولية «الاعتداءات على المتظاهرين» في ساحة التحرير وقرب المنطقة الخضراء في بغداد. وقال في كلمة له إن «بعض الجهات المجهولة استعملت القوة المفرطة ضد المتظاهرين العزل، فعلى الامم المتحدة والمؤسسات الحقوقية التدخل فورا لانقاذ المتظاهرين السلميين».
وأضاف «نحمل المسؤولية لرئيس الوزراء الذي يدعي مناصرته للاصلاح»، مهددا بأن «ردنا نحن الثوار سيكون اقوى في المرة المقبلة، فدماء شهدائنا لن تذهب سدى»، مشيرا إلى انه «حفاظاً على دماء الابرياء وانقاذها من ايدي الارهاب الحكومي ارجو الانسحاب التكتيكي الى اشعار اخر».
وأمر العبادي بالتحقيق بمهاجمة المحتجين وملاحقة العناصر المسؤولة عن تلك الاصابات.
وفي ردود الافعال السياسية، تعهد رئيس البرلمان العراقي في بيان له امس بالاستجابة لمطالب المتظاهرين باستجواب أعضاء مفوضية الانتخابات واستبدالهم بآخرين وفق ما يتمتع به المجلس من صلاحيات قانونية.
وقال الجبوري ان «البرلمان سيأخذ بنظر الاعتبار جميع المطالب المشروعة التي ينادي بها المتظاهرون وفق الدستور والصلاحيات، وهو ماض في محاسبة المقصرين لحين تحسن واقع البلاد وتحقيق الاستقرار فيه»، مشيرا الى ان «مجلس النواب مع التظاهرات السلمية التي تطالب بتحقيق الاصلاح في البلاد وتحقق مطالب الشعب العراقي».
ودعا الجبوري «الاجهزة الامنية الى توفير الحماية الى المتظاهرين وعدم التعرض لهم»، مؤكدا «ضرورة حماية الصحافيين وتسهيل عملهم لكونهم عيون الشعب التي تنقل لهم الحقيقة».
ورفض رئيس مفوضية الانتخابات سربست مصطفى رشيد إجبار اعضاء المفوضية على الاستقالة من مناصبهم. وقال انه «لا يمكن لأي جهة فرض الأمر الواقع على المفوضية، وإن ما يحصل في العراق ضد المفوضية هو نتيجة صراع داخل البيت الشيعي ولا دخل للمفوضية فيه».
وكشف عن «وجود 4 مدراء عامين ينتمون للتيار الصدري فضلا عن موالاة أكثر من 30 في المئة من كادر المفوضية للتيار الصدري»، داعيا اياهم «الى تقديم استقالاتهم لاثبات حسن نياتهم ان كانوا صادقين».
وتابع انه «وبسبب احداث اليوم (امس) والتهديدات التي تواجه عملهم، فإن المفوضية لن تطلب اي تمديد لعملها».
وكانت المفوضية دعت في وقت سابق امس العبادي والمجتمع الدولي الى حماية المفوضية وموظفيها بسبب التهديدات التي تلقاها اعضاء مجلس المفوضين والموظفين من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، لافتة إلى انها تتعرض الى ضغوط كبيرة من بعض الكتل السياسية الهدف منها زجها في أتون الصراعات السياسية.