شهدت واشنطن بَلبلة واسعة بعد الكشف عن معلومات جديدة بشأن إجراء مقرّبين من الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتصالات متكرّرة مع الاستخبارات الروسيّة في العام الفائت، ما يضاعف الضغوط السياسية على سيّد البيت الأبيض، بالتزامن مع احتمال أن توصيَ وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» بنشر قوات نظامية أميركية مقاتلة في سوريا.
ذكرَت محطة «سي. إن. إن» أمس أنّ وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قد تُوصي بأن تنشر الولايات المتحدة قوات نظامية مقاتلة في سوريا، للمرّة الأولى، لقتال متشدّدي تنظيم الدولة الإسلامية، لكنّها أوضحت أنّ البنتاغون لم يقدّم حتى الآن مقترحاً لنشر هذه القوات إلى البيت الأبيض. ويعمل عدد صغير من القوات الخاصة الأميركية في البلد الذي تمزّقه الحرب، لكنّ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما رفضت وضع قوات مقاتلة في خضمّ الحرب الأهلية في سوريا.
إلى ذلك، نفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس وجود أيّ روابط مع روسيا قبل وصوله إلى البيت الأبيض، بعد استقالة مستشاره لشؤون الأمن القومي مايكل فلين الذي اتّهِم بالكذب بخصوص علاقاته مع موسكو. وعلّقَ ترامب على تويتر أنّ مسألة «وجود روابط مع روسيا سخيفة، إنّها مجرّد محاولة للتغطية على الأخطاء الكثيرة التي ارتكبَتها الحملة الخاسرة لهيلاري كلينتون».
وأضاف الرئيس الأميركي: «أنّ وسائل الإعلام التي تُشيّع معلومات خاطئة تفقد صوابَها مع نظريات المؤامرة وحقدها الأعمى»، مُشيراً بشكل خاص إلى شبكتَي «سي ان ان» و«ام اس ان بي سي» اللتَين «يستحيل مشاهدتهما»، مُهنّئاً في المقابل شبكة «فوكس» المحافظة.
ويتّهم ترامب أيضاً أجهزةَ الاستخبارات الأميركية بأنّها ساهمت في تسريب معلومات في هذا الملف، ووجّه بشكل مباشر أصابعَ الاتّهام إلى وكالة الأمن القومي ومكتب التحقيقات الفدرالي.
وقال في تغريدة أخرى: «تُعطى المعلومات لنيويورك تايمز وواشنطن بوست الفاشلتين من مجتمع المخابرات (وكالة الأمن القومي ومكتب التحقيقات الاتحادي). مثل روسيا بالضبط»، مُضيفاً: «إنّ الوضع خطير للغاية».
وأشار إلى أنّ «الفضيحة الحقيقة هنا هي أنّ الاستخبارات تقدّم المعلومات السرّية بشكل غير قانوني، وكأنّها توزّع قطعَ الحلوى. هذا أمرٌ غير أميركي للغاية».
وفي مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو، قال ترامب متحدّثاً عن فلين: «لقد عوملَ بشكل ظالم جداً من وسائل الإعلام». ولم يقدّم ترامب أدلّة لدعمِ الاتّهام بأنّ مسؤولي الاستخبارات يمدّون المؤسسات الإعلامية بالمعلومات، ولم يقل ما إذا كان قد أمرَ بأيّ تحقيق في تسريبات.
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد قالت مساء أمس الأوّل إنّه كانت هناك اتصالات متكرّرة بين فريق حملة ترامب ومسؤولين كبار في الاستخبارات الروسية قبل انتخابه في 8 تشرين الثاني. ويحاول البيت الأبيض منذ يومين وقفَ العاصفةِ التي أحدثتها استقالة مايكل فلين، لكنّ تساؤلات لا تزال قائمة حول العلاقات السابقة والمستقبلية بين فريق ترامب وروسيا. ويؤيّد ترامب تقارباً مع موسكو، لكن يبدو أنّه شدّد لهجته إزاءَ اتّهامات خصومِه، مُتسائلاً خصوصاً عن ردّ فِعل سَلفه على ضمّ القرم الى روسيا. وكتب في تغريدة: «روسيا استولت على القرم في ظلّ إدارة اوباما. هل اعتمد اوباما ليونةً أكثر من اللازم مع روسيا؟»
وتَكمن المعضلة بالنسبة إلى الرئيس الأميركي في اتّخاذ قرار بشأن فرضِ عقوبات إضافية على موسكو، الذي يؤيّده كثيرون ضمن أكثريته ردّاً على التدخّلات الروسية في الحملة الانتخابية.
وقال رئيس مجلس النواب بول راين عبر قناة «ام اس ان بي سي»: «ليس سرّاً أنّ روسيا حاولت التدخّل في الانتخابات، ولذلك أؤيّد فرض عقوبات»، لكن لم ترِد أيّ إثباتات أنّ فريق ترامب «متورّط في المسألة». وردّاً على سؤال حول ما إذا كان يعتقد أنّ سياسة اليد الممدودة التي يتبعها ترامب تجاه بوتين ستنجح في تغيير سلوك الروس، أكّد راين أنّه لا يمكن «الوثوق بالروس»، مُضيفاً: «إنّ مصالحهم لا تتوافق مع مصالحنا».
في غضون ذلك، قال مسؤولون أميركيون مطّلعون إنّ إدارة ترامب عرَضَت منصب مستشار البيت الأبيض للأمن القومي الذي استقال منه فلين على نائب الأميرال روبرت هاروارد. ووفقاً لمصادر فلم يتّضح على الفور إن كان هاروارد، وهو نائب سابق لقائد القوات المركزية الأميركية ويتمتع بخبرة قتالية في البحرية الأميركية قبِل العرض.
أوباما والنووي
وفي تطوّر لافت، كشفَ موقع «Washington Free Beacon» أنّ إقالة فلين، جاءت نتيجة «عملية سرّية» لأفراد من الإدارة السابقة برئاسة باراك أوباما. وحسب مصادر في البيت الأبيض وخارجه، نقلَ الموقع عنها الخبر، لا يستهدف تشويه سمعة فلين العلاقات مع روسيا، بمقدار ما يهدف إلى الحفاظ على الصفقة النووية مع إيران.
وذكرت المصادر أنّ مجموعة من «الموالين لأوباما»، بينهم بن رودس، المستشار السابق للرئيس، «خدعت» وسائل الإعلام بنشر تقارير مُفبرَكة موجّهة ضد فلين، بغية إحباط سعي إدارة ترامب للكشف عن «تفاصيل سرّية» حول الصفقة مع إيران، والتي أصرّت إدارة أوباما على إبقائها سرّية.
وفي ضربةٍ جديدة لترامب، أعلن البيت الأبيض أنّ اندرو بازدر الذي اختاره الرئيس الاميركي لتسلّمِ وزارة العمل سحبَ ترشيحه، في قرار اضطرّ إلى أخذِه بعد كشفِ معلومات مثيرة للجدل حول حياته الشخصية والمهنية.
روسيا والإنتخابات الفرنسية
ومن باريس، أكّد وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرولت أمس أنّ بلاده «لن تقبل أيّ تدخّل في عمليتها الانتخابية» مصدرُه أساساً روسيا عبر هجمات معلوماتية أو نشرِ معلومات خاطئة.
وكان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند قد أعربَ في وقتٍ سابق عن القلق من مخاطر الهجمات الإلكترونية بمناسبة الانتخابات الرئاسية، وطلب أثناء مجلس للدفاع والأمن القومي رفعَ اقتراحات إليه بشأن «إجراءات خاصة للتيقّظ والحماية بما في ذلك في مجال المعلوماتية». (وكالات)