توالت أمس المواقف المندِّدة بأشرطة الفيديو المسرّبة عن مشاهد تعذيب بحقّ سجناء في سجن رومية، فاستعجلت محاسبة المرتكبين، مطالبة بتحقيقات شفّافة لتحديد المسؤوليات.في وقت توقف البعض وخصوصاً «الجماعة الإسلامية» عند «التوقيت المشبوه لتسريب هذه الافلام»، طالب البعض الآخر بتأليف لجنة نيابية تزور السجون اللبنانية للتحقيق في أوضاعها بهدف تطويرها وجعلها أكثر مطابقة لمعايير حقوق الإنسان.
موسى لـ»الجمهورية»: موضوعٌ إنسانيّ لا يَحمل التسييسرفضَ رئيس لجنة حقوق الإنسان النائب ميشال موسى «وضعَ شريط رومية في أيّ خانة طائفية، مذهبية، سياسية، فهذا موضوع إنسانيّ لا يحمل التسييس، ولا بدّ من التعاطي معه من منطلق الحقوق البشَرية». وطلبَ في حديث لـ»الجمهورية»، «الإنكبابَ على ورشة إصلاحية للسجن، ومعالجة قضية الإكتظاظ، وتسريع الأحكام، وصولاً إلى بناء سجن جديد يراعي أبسط حقوق الإنسان». وشدّد على ضرورة «إنزال أشدّ العقوبات بالمرتكبين في السجون والمخافر»، داعياً إلى «متابعة التحقيقات في عملية التعذيب التي حصَلت».
وأسِف موسى للتعطيل الذي يشهَده مجلس النواب، والذي يَحول دون أيّ عملية إنقاذية مستعجلة، وقال: «منذ عام قدّمنا أنا والزميل غسان مخبير إقتراحَ قانون يخلق لجنة وطنية لمناهضة التعذيب، وتكرّسه الاتفاقات الدولية التي وقّعَها لبنان، فهذا من شأنه ربّما منعُ حصول هكذا تجاوزات وحتى ربّما تجاوزات أخرى لم يتمّ الكشف عنها».
الشعّار
من جهته، ناشد مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعّار عبر «الجمهورية» رئيسَ الحكومة تمّام سلام الدعوة إلى جلسة استثنائية للنَظر في ما حصَل وفي ما يتعرّض له المساجين من تعذيب واعتداء على كرامتهم الإنسانية أو الدينية. وناشَد أيضاً جميعَ المسؤولين «الوقوفَ الى جانب المظلوم والإعلان بصوت واحد عن أهمّية معالجة الوضع في رومية». وقال: «بعد حكمِ المحكمة العسكرية بحَقّ الوزير السابق ميشال سماحة في جريمةٍ تُعتبَر مِن أكبر جرائم الوطن، لا يجوز أن تمرّ 5 أو 7 سنوات على موقوف من دون أن يحاكَم في إطار القانون وضمن الأحكام المرعية الإجراء. وإذا قام المسؤولون بهذا الأمر، سنقضي على كلّ بوادر الفتَن التي يمكن أن تصيبَ الصفّ الوطني أو الصف السنّي أو مطلقَ أيّ شريحة في الوطن». وأضاف: «لا أدري لماذا تتّجه الأصابع إلى وزير الداخلية. فهل هو مَن أعطى الأمر بهذا التعذيب؟ لا أعتقد أنّ العقَلاء مِن حقّهم إطلاق تهَم أو أحكام أو التقرير في قضية لا نعرف تفاصيلها».
وفضّلَ التمَهّل «قبل إطلاق الأحكام أو الإشارة بأصابع الاتّهام لمطلقِ إنسان، سنّياً كان أو غيرَ سنّي، ولا أحبّ التحدّث بهذه اللغة، المسؤول في لبنان هو لبناني ويَنبغي أن يعمل بضمير لبناني صرف، يَحكمه القانون والأعراف والأصول والقيَم، وإذا كان وزير الداخلية مسلِماً أو غيرَ مسلِم فالأمر عندي سيّان شَرط أن يلتزم الأعرافَ والأحكام المرعيّة الإجراء».
وإذ طالبَ بكشفِ الحقيقة وإنهاء ملفّ رومية، ومعاقبة مَن افتعلَ هذه الجرائم، أكّد أنّه «ليست مهمّتي تحميل فلان أو علتان، وزيراً كان أو مديراً عامّاً التهمة. القانون هو الذي يحَدّد».
وعن احتمال ترَدّي الأوضاع الأمنية في طرابلس، قال الشعّار: «لا أستطيع كمَّ أفواه المظلومين وعَقدَ ألسنتِهم، فخروجُهم إلى الشارع هو بمثابة صرخة، ومِن حقّ الجميع أن يطالبوا بالعَدل».
جرَيج
بدَوره، شَدَّد نقيب المحامين في بيروت جورج جرَيج في حديث لـ»الجمهورية» على «ضرورة نقلِ إدارة السجون من عهدة وزارة الداخلية إلى وزارة العدل، ما يؤمّن الانتقالَ مِن دولة الأمن إلى دولة المؤسسات، بحيث يتوَلّى هذه المهمة متخَصّصون في إدارة السجون وفقَ معايير عِلمية، ما يحافظ على حقوق السجناء ويَضبط في الوقت نفسِه أمنَ السجن».
وإذ تساءلَ أين أصبح مشروع نقل إدارة السجن؟ أوضحَ أنّ النقابة تتعاطى مع هذا الملف من منطلق إنسانيّ يَعلو كلّ الحسابات السياسية، ولا تتعاطف مع أفعال السجناء المعنَّفين الملاحقين بجرائم إرهابية، لكنّها ترفض في المقابل أيّ تعَرّض لحقوقهم الإنسانية.
ولفتَ جريج الى أنّ النقابة ترفع تقريراً دوريّاً شاملاً كلّ عام الى مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، عن حال حقوق الإنسان في لبنان وكانت تأمل أن يكون الوضع هذا العام «وَردياً» وألّا تشوبَه أيّ انتكاسة. وإذ شَدّدَ على أنّ لوزيرَي الداخلية والعدل دوراً في ملاحقة ومعاقبة الفاعلين والحدّ من هذه الممارسات»، تساءلَ عن سبب نشر هذا الفيديو في هذا التوقيت الدقيق بالذات على رغم أنّه كان صُوّر سابقاً؟
جعجع
وكانت توالت المواقف المنددة أمس، فاعتبَر رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في تغريدة على «تويتر»، أنّ «المحرِّك الأوّل لثورة الأرز هو كرامة الانسان البشري، لذلك أستنكر أشدّ الاستنكار ما حصل في سجن رومية، وأطالب بتحقيقات شفّافة كاملة لتحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات اللازمة لعدم حصول هكذا تصرّفات مجدّداً مهما تكن الظروف».
كاغ
وأبدت المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان سيغريد كاغ قلقها من التقارير الأخيرة في شأن خرق حقوق الإنسان في سجن رومية. وشددت على أهميّة الإجراءات الفورية التي اتّخذها وزيرا الداخلية والعدل لمعالجة ادّعاءات الإيذاء، بما في ذلك فتح التحقيق الجنائي. ورأت أنّ التقارير الأخيرة تُسلّط الضوء على الحاجة إلى تطبيق توصيات لجنة الأمم المتحدة الفرعية لمنع التعذيب عام 2010، ولجنة مناهضة التعذيب عام 2014. وأكّدت كاغ دعمها جهود الحكومة اللبنانية لإنهاء ظاهرة الإفلات من العقوبة، واستعداد الأمم المتحدة لمساعدة لبنان في الوفاء بالتزاماته القانونية كدولة طرف في عدد من الاتفاقات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
الجسر
وذكّر النائب سمير الجسر في مؤتمر صحافي عقده في مجلس النواب أنّ لجنة الإدارة والعدل أقرَّت اقتراح قانون لمناهضة التعذيب واقتراح قانون يتعلق بإنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الانسان المتضمِّنة اللجنة الخاصة للوقاية من التعذيب. وناشد الرئيس نبيه برّي «وضعَ اقتراحَي القانون هذين على جدول أعمال أوّل هيئة عامة باعتبار أنّ ما يرفع التعذيب عن الموقوفين بما يؤدي الى ملاحقة ومعاقبة كلِّ مَن يمارس التعذيب والمسؤولين عنهم بأشد العقوبات هو من أولى تشريعات الضرورة».
كذلك، رأى نائب «الجماعة الاسلامية» عماد الحوت أنه «بصرف النظر عن التوقيت المشبوه لتسريب هذه الافلام، ورغبة مَن سرّبها بإثارة الفتنة، فإنّ حجم الجريمة والاعتداء الصارخ على حقوق الانسان والمسجون تستدعي إجراءات لمعالجة هذا الواقع المتكرر الذي يؤدي لاحتقان لا تُحمد نتائجه».
وطلب من سلام «دعوة الحكومة لاجتماع عاجل واتخاذ الاجراءات المناسبة لوقف ممارسات التعذيب في مختلف السجون، ووقف التوقيفات بالشبهة او بوثائق الاتصال»، مؤكداً «ضرورة أن يكون التحقيق قضائياً وشفافاً ومعلن النتائج وبمواكبة مؤسسات حقوق الانسان في لبنان»، مطالباً بـ»تشكيل لجنة نيابية تكون مهمتها زيارة مختلف السجون للتحقيق في ممارسات التعذيب ووضع حدٍّ نهائي للانتهاك المتكرر لحقوق الانسان».
أما النائب مروان حمادة فطالب بـ»تشكيل لجنة تحقيق برلمانية تضع يدها على الحادثة وتُحقّق في أوضاع كلّ السجون اللبنانية». ودعا موسى ومن خلاله الرئيس برّي، الى «تشكيل مثل هذه اللجنة وفتح النقاش الحكومي والنيابي على تصرفات المحكمة العسكرية، وكذلك استهداف الأجهزة الامنية، بلا تمييز، وبحجة وبلا حجة، فئات لبنانية وغير لبنانية، مقيمة او نازحة قسراً الى لبنان».
من جهته، عقد مجلس نقابة محامي الشمال اجتماعاً طارئاً، وقال النقيب فهد المقدم «أنّ الأعمال البربرية التي وقعت قد شَوّهت صورة لبنان في الداخل والخارج، وأذلّت الذات البشرية في المعذّبين وفي المشاهدين، وأرهبَت أصحاب العقول والأقلام الحرّة التي دفعت ثمن حريتها وكرامتها دماء زكية، شهادة للحفاظ على الكيان اللبناني، وخالفت الشرائع والقوانين الدولية كافة». وأعلن أنّ المجتمعين «قرّروا الطلب من النيابة العامة التمييزية ملاحقة الفاعلين وتوقيفهم وإحالتهم الى القضاء المختصّ وإنزال أشد العقوبات بهم، وتكليف معهد حقوق الإنسان في النقابة متابعة الموضوع».
إلى ذلك، أكّدت مفوّضية العدل في الحزب التقدمي الإشتراكي «فشل العقلية الأمنية في إدارة السجون وقصورها في تحويل السجون مركزاً إصلاحياً - إجتماعياً لتأهيل السجناء وتمكينهم من إستئناف حياتهم الطبيعية».
الأمن الفرعي شمالاً
وفي الشمال، ترأس محافظ الشمال القاضي رمزي نهرا إجتماعاً لمَجلس الأمن الفرعي في سراي طرابلس، مطمئناً «جميع أبناء الشمال أنّ الوضع الأمني في عاصمة الشمال جيد جداً وممسوك من الأجهزة الأمنية التي هي في حال جهوزية تامة وتنتشر وحداتها، سواء من عناصر الجيش أو من سائر القوى الأُخرى في المناطق الشمالية كافة لاسيما في شوارع مدينة طرابلس».
وفي صيدا، عُقد اجتماع موسّع في دار الافتاء لمفتي صيدا واقضيتها الشيخ سليم سوسان ووفد كبير من هيئة علماء المسلمين في لبنان. وشدّد سوسان على أنّ «إنهاء ملف الموقوفين الاسلاميين أمر ضروري حتى لا يرتفع منسوب التطرف بين الشباب».
إلى ذلك، استغرب تجمّع العلماء المسلمين توقيت الإعلان عن هذه الشرائط، وحذّر من استخدامها «أداة للفتنة»، لافتاً إلى أنّ «قطع الطرق المنظم في أكثر من منطقة لبنانية يكشف أنّ مَن وراء هذا العمل كان يهدف لإحداث بلبلة وفتنة تُوتّر أجواء السلم الأهلي».جرَيج لـ»الجمهورية»: لنَقلِ إدارة السجون إلى وزارة العدل