الإرهاب والإسلاموفوبيا (او بالأحرى الإرهاب واللاجئوفوبيا) في اوروبا وجهان لعملة واحدة هي حتما ليست اليورو، انما عملة الكراهية والانقسامات والتفرقة. فهذه العملة الجديدة طغت شعبيتها على اليورو وأصبح الاتحاد الاوروبي يقف اليوم على حافة الهاوية ويترقب نتائج الانتخابات التي ستشهدها ثلاث دول من الدول المؤسسة له (هولندا وفرنسا والمانيا)، فإما يرفسه ناخبو تلك الدول نحو الهاوية واما ينتشلونه من منطقة الخطر.
جرائم الإرهاب وزحف اللاجئين المليونيّ الى القارة الأوروبية اديا الى إخراج اسوأ ما في نفوس شريحة من الاوروبيين قررت ان تواجه الكراهية بكراهية مثلها او اشد. ولأن التطرف يولد التطرف، فقد الليبراليون والوسطيون سيطرتهم على الدفة في القارة البيضاء وتقلصت شعبيتهم امام مد هائل من الشعبوية والتطرف القومي والعنصرية تغذى منذ هجمات 11 أيلول 2001 رويداً رويداً على مسلسل الاعتداءات الارهابية، لكي يصرخ في نهاية المطاف «كفى» ويضرب عُرض الحائط بكل ما يسمى انفتاحا ومثالية وتقبل الآخر.
وصراحة الشعوب التي ضاقت ذرعا بالمثاليات الليبرالية ظهرت رسميا على نحو واضح في نتائج استفتاء البريكست في بريطانيا، وتردد صداها في جنبات الولايات المتحدة مثمرا وصول دونالد ترامب الى البيت الأبيض. واليوم يقف القيمون على مؤسسات الاتحاد الاوروبي وهم في حالة شلل وعجز تام عن مقاومة المد القومي العنصري الجارف الذي يلتهم صدور شعوب الدول الاوروبية. ولهذا السبب ستكون انتخابات هولندا وفرنسا والمانيا هذا العام محطات مصيرية في تاريخ الاتحاد، لأن حظوظ الاحزاب القومية المتطرفة في كل منها كبيرة وغير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.
دعم روسي
عامل الإرهاب ليس العامل الوحيد المساهم في معادلة تفوق التطرف والعنصرية داخل اوروبا، لأن ثمة لاعبا دوليا يركب ببراعة الموجة المناهضة للعولمة هو اللاعب الروسي، الذي بنى شبكة علاقات ممتازة مع الاحزاب الشعبوية المناهضة للهجرة وللاتحاد الاوروبي في الدول الاوروبية كافة. واهداف موسكو في القارة البيضاء عديدة ابرزها: تفتيت التلاحم السياسي الاوروبي، إحداث انتفاضة شعبية اوروبية ضد برنامج الدفاع الصاروخي الاطلسي، والقضاء على اي محاولة غربية لإيجاد بديل عن الطاقة الروسية لاوروبا.
وتشمل دائرة نفوذ روسيا داخل دول الاتحاد الاوروبي الاحزاب اليمينية القومية المتطرفة مثل حزب «يوبيك» في هنغاريا، و«حزب الفجر الذهبي»في اليونان، وحزب«الرابطة الشمالية»في ايطاليا، وحزب«الجبهة الوطنية»في فرنسا، و«الحزب البديل»في المانيا، وحزبا«الحرية»في كل من هولندا والنمسا. وتتقاطع مصالح موسكو احيانا مع حركات شعبوية مثل حركة خمس نجوم الإيطالية.
وانفرجت اسارير روسيا لنتيجة استفتاء الصيف الفائت في بريطانيا التي ستؤدي اواخر عام 2018 الى الطلاق بين لندن وبروكسل. ويجد الغرب نفسه عرضة لحرب الكترونية شرسة تشنها روسيا ضده على الجبهات الاقتصادية والعسكرية والمالية والسياسية والاجتماعية. ولعل اكبر دليل على ذلك القرصنة التي تعرض لها الحزب الديموقراطي الاميركي ومرشحته الرئاسية هيلاري كلينتون، وساهمت في ايصال المرشح الجمهوري دونالد ترامب الى البيت الابيض. وقد تنبهت الحكومات الغربية مؤخرا الى الخطر الكبير الذي تشكله الحرب الالكترونية الاجتماعية التي يقودها جنود بوتين الالكترونيون لإثارة الشعوب ضد العولمة والمنظومة السياسية التقليدية وتعزيز حظوظ المرشحين المناهضين للاتحاد الاوروبي بالفوز.
انتخابات هولندا
تشهد هولندا في 15 آذار المقبل الانتخابات العامة المقبلة لاختيار برلمانها الجديد الذي ستنبثق عنه حكومة جديدة. وتشير استطلاعات الرأي الى حظوظ وفيرة لحزب«الحرية»الهولندي الذي يترأسه غيرت فيلدرز المعادي علنا للدين الاسلامي. وتجدر الاشارة الى ان هذا الحزب يملك حاليا 15 مقعدا من اصل 150 في البرلمان الهولندي، لكن استطلاعات الراي تشير الى قدرته على حصد ضعفي عدد هذه المقاعد في الانتخابات القادمة، فاستطلاعات الرأي منذ مطلع العام الجاري منحت«الحرية»المركز الاول بعدد مقاعد يراوح بين 28 و 33.
وبالتالي يملك فيلدرز المتطرف حظوظا كبيرة في ان يصبح رئيس الوزراء المقبل في هولندا. وهو يتعهد في برنامجه الانتخابي بإجراء استفتاء شعبي حول مستقبل العضوية في الاتحاد الأوروبي، واتخاذ اجراءات صارمة بشأن الهجرة على غرار ترامب تقضي بمنع اي مهاجر آت من دول اسلامية من دخول الاراضي الهولندية.
وتقليديا لا يقدر اي حزب في هولندا على تشكيل حكومة بمفرده، اذ غالبا ما يحتاج الحزب الاول في الانتخابات الى تشكيل ائتلاف مع حزب آخر كي يتمكن من تأليف الحكومة. والمشكلة الوحيدة، التي قد يواجهها فيلدرز في حال جاء حزبه اولا بعدد المقاعد النيابية، هي صعوبة اقناع اي حزب هولندي آخر في ان يشاركه حكومة ائتلافية. وفي حال تمكنه من ذلك، لا شك ان حلفاءه في الحكومة سيحدون من قدرته على فرض القرارات التي يطمح الى تنفيذها.
انتخابات فرنسا
عندما تخبطت ادارة الرئيس فرنسوا هولاند في مستنقع الارهاب الذي لوث سلام فرنسا مرات عدة في العامين الاخيرين، كان هناك في الشارع الفرنسي من يجني الثمار السياسية لتلك الهجمات الارهابية. والجاني الاول لها هو دون منازع هو حزب«الجبهة الوطنية»اليميني المتطرف. فقد بينت آخر استطلاعات الرأي في شتى المناطق الفرنسية تضاعف شعبية زعيمة الجبهة المرشحة للرئاسة مارين لوبن التي وضعت برنامجا للنيل من«الاسلام المتطرف»و«المهاجرين»وستعمل على اخراج فرنسا من منطقة اليورو ومعاهدة«شينغن»للحدود المفتوحة.
حتى صيف العام 2015 كان من السهل والطبيعي انتقاد مبادىء«الجبهة الوطنية»وافكار زعيمته مارين لوبن، ووصفها بـ«العنصرية» و«المستحيلة التطبيق»في فرنسا البلد الذي يتخذ من«الحرية والمساواة والاخوة»شعارا له. لكن الاعتداءات الارهابية، التي ضربت باريس ونيس ومناطق اخرى دفعت هولاند الى اعلان حالة الطوارئ في البلاد وحملته على اتخاذ تدابير لطالما طالبت لوبن الادارة الفرنسية باتخاذها. والرأي العام الفرنسي شاهد على ذلك، ولهذا السبب ترى غالبية الشعب الفرنسي اليوم ان لوبن كانت محقة وان فرنسا (في ظل الوضع الدولي الراهن وسط تفاقم خطر الارهاب واستعار ازمة اللاجئين) ربما من الافضل لها ممارسة سياسة اكثر انعزالية لن يضمنها حزب آخر في البلاد سوى الجبهة الوطنية.
وهكذا اصبحت لوبن (49 عاما) بعد سلسلة الهجمات الارهابية التي ضربت فرنسا في صدارة المرشحين الرئاسيين، ولا يختلف اثنان في انها حتما ستفوز بالمركز الأول في الجولة الأولى في 23 نيسان المقبل. لكن حظوظها ليست كبيرة للفوز في جولة الحسم في السابع من ايار المقبل في حال التف جميع الناخبين المعتدلين وراء منافسها كائنا من يكون. وقد يعزز آمالها حدث ضخم ما كهجوم ارهابي من العيار الثقيل شبيه باعتداءات باريس ونيس، او ظهور فضيحة للمرشح الآخر الذي سينافسها في الامتار الاخيرة من السباق.
انتخابات المانيا
في المانيا تسعى أنغيلا ميركل بمباركة من الحزب«المسيحي الديموقراطي«الى ولاية رابعة كمستشارة للبلاد، لكنها تواجه في الانتخابات التي ستجرى في 24 ايلول المقبل منافسة جدية من الحزب«البديل لألمانيا» (آي اف دي) المناهض للاتحاد الاوروبي وزعيمته فروكه بتري. وقد واجهت ميركل ولا تزال مسيرات حاشدة وانتقادات حادة لسياسة الباب المفتوح التي اعتمدتها مع اللاجئين، وقد حقق الحزب البديل بسبب ذلك مكاسب واضحة في الانتخابات المحلية العام الفائت.
وفي حال قرر اغلبية الناخبين الألمان انهم لا يرغبون في الاستمرار عدة سنوات اضافية على المنوال السياسي نفسه (اي نهج ميركل او اي نهج مشابه لها)، قد تؤدي رغبتهم في التغيير الجذري الى الاتيان بالحزب البديل الى السلطة. وهذا يعني وفق برنامج هذا الحزب إعادة فرض السيطرة على الحدود الألمانية واتخاذ تدابير صارمة بحق المسلمين واجراء استفتاء على مستقبل عضوية المانيا في الاتحاد الأوروبي.
وبشكل عام، وعلى الرغم من ان الشارع الالماني هو الاكثر ضجيجا لناحية استعار مشاعر الإسلاموفوبيا، بينت استطلاعات الرأي التي اجريت منذ اعتداء برلين في عطلة الميلاد الماضية انه رغم كل شيء لا تزال اكثرية الناخبين الألمان تفضل ميركل على منافسيها. ونظرا لوجود الرئيس السابق للبرلمان الاوروبي مارتن شولتز (من الحزب الاشتراكي الديموقراطي) على قائمة المرشحين، لا يزال بمقدور الناخب الالماني الراغب في معاقبة ميركل التصويت لمعتدل قوي آخر هو شولتز. لذا فإن حظوظ التطرف في الفوز هي اكبر في فرنسا وهولندا منها في المانيا. لكن تسونامي المفاجآت التي افتتحها استفتاء البريكست ورسخها فوز ترامب قد تغرق اي دولة، بغض النظر عما تشير اليه استطلاعات الرأي التي حطمت نتائج العام الماضي سمعة مراكزها.