لم تحدث تحذيرات رئيس الجمهورية من الفراغ في سدة السلطة التشريعية، ولا لاءات رئيس مجلس النواب الثلاث، أي خرق في جدار الخلافات السميك بين القوى السياسية حول أية صيغة لقانون الانتخاب العتيد، بالرغم من مرور قرابة الأسبوعين على بدء المهل الدستورية لاجراء الانتخابات النيابية في موعدها قبل العشرين من حزيران المقبل، الأمر الذي يرفع من منسوب اللجوء الى التمديد مرّة ثالثة للمجلس الحالي الا إذا حصلت معجزة ما في الأيام القليلة المقبلة، وتوصل الجميع إلى اتفاق على صيغة قانون جديد على اعتبار أن الفراغ الذي هدد به رئيس الجمهورية ممنوع في نظام يقوم على الديمقراطية البرلمانية، ذلك انه يؤدي حتماً الى أزمة حكم لها محاذيرها ومخاطرها الكبيرة على النظام القائم وعلى صيغة العيش المشترك والمناصفة التي ارساها ميثاق 1943 وأكّد عليها اتفاق الطائف في مقدمة دستوره وفي معظم مواده، الأمر الذي لا يمكن أن تقبل به هذه القوى بالرغم من اتساع هوّة تضارب المصالح الانتخابية فيما بينها.
فالفراغ في السلطة التشريعية يعني أولاً انعدام إمكانية وضع قانون جديد للانتخابات ولا يعني ثانياً تشريع الفراغ في كل مؤسسات الدولة، وإن كان هناك رئيس جمهورية منتخب وحكومة قائمة تتولى نظرياً إدارة شؤون البلاد في ظل انعدام رقابة مجلس النواب غير الموجود.
هذا الوضع، إذا ما وصلنا إليه، لا سمح الله، يدخل البلد كلّه في نفق مظلم يعلم الله متى وكيف ستخرج منه، وبات يتوجّب على هذه القوى أن تعود إلى رشدها وتتوافق على قانون جديد للانتخابات، ينقذ البلاد مما ينتظرها، بدلاً من الاستمرار في لعبة شد الحبال وتمسك كل فريق بتفصيل القانون على قياس مصالحه الانتخابية بمعزل عن مصلحة الوطن العليا.
من الواضح حتى الساعة أن القانون المختلط يتقدّم على سواه من القوانين المحالة إلى مجلس النواب، ومن الاقتراحات التي يتم تداولها بعيداً عن الأضواء، ولكن الخلاف لا يزال يكمن في التفاصيل أي في توزيع الحصص على الطبقة السياسية ما يهدده بالسقوط كما سقط غيره من القوانين سواء القائمة على الأكثري او على النسبي الكامل او النسبي المختلط من القانون الذي تبناه الرئيس نبيه بري إلى الذي تبناه الثلاثي تيّار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وحزب القوات اللبنانية. وفي حال وصل الجميع من جديد إلى الطريق المسدود لا يبقى امام رئيس الجمهورية سوى دعوة طاولة الحوار الوطني الى اجتماع عاجل ووضع الجميع امام مسؤولياتهم الوطنية في ضرورة الاتفاق قبل خراب البصرة على القانون المختلط ليس لأنه القانون المثالي الذي يتطلع إليه اللبنانيون بل لأنه الحل الممكن لإنقاذ النظام من هذه الأزمة الكبرى التي يقترب منها مع كل يوم يمر على موعد الانتخابات من دون وجود قانون جديد تجري على أساسه على أساس ان الجميع متفق على رفض قانون الستين حتى بعد إدخال تعديلات طفيفة عليه كما اقترح رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط.
لو أن هذه القوى التزمت الحكمة ووافقت على اقتراح الرئيس نبيه برّي في هيئة الحوار على وجوب اتفاق الجميع على رئيس الجمهورية وعلى قانون الانتخابات سلّة واحدة لكنا تفادينا الوقوع في أزمة الحكم هذه، غير أن المصالح الضيّقة التي يتمسكون بها، حالت دون حصول هذا الاتفاق ووقع المحظور.