مع مرور نحو أسبوعين على التحضير لمعركة محاولة استعادة الجيش السوري السيطرة على حيي برزة البلد والقابون شمال شرقي العاصمة دمشق، ومرور أسبوع على بدء اجتياح الأرضي، عادت أصوات انفجارات صواريخ أرض - أرض والمدفعية الثقيلة وغارات الطائرات، لتدوي في أجواء العاصمة على مدار ساعات النهار والليل أحيانا، بعد أن شهدت دمشق هدوءا نسبيا امتد لأشهر وكان الأول من نوعه منذ بداية المواجهات المسلحة قبل نحو خمس سنوات.
وبدأ الجيش السوري التمهيد للعملية عبر هدم عشرات المنازل في حي القابون الشعبي المطلة على الطريق الدولي ومدخل العاصمة الشمالي والمقابلة لمدينتي حرستا وعربين الخاضعتين لسيطرة فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية، ومن أسفل هذا الطريق وهذه المنازل، قامت تلك الفصائل منذ نحو ثلاث سنوات، بحفر العديد من الأنفاق الواصلة بين عربين والقابون، لتشكل رئة التنفس وشريان الحياة لمن بقي داخل الغوطة خلال سنوات الحصار الأربعة.
وحسب مصادر مطلعة في دمشق، فإن خطة تأمين العاصمة، وصلت إلى الغوطة الشرقية بعد تأمين محيطها الغربي والشمالي الذي كان بدأ من درايا ثم المعضمية ويليها قدسيا والهامة وخان الشيح والكسوة والتل وأخيرا قرى وادي بردى، وهو ما أعلن عنه صراحة محافظ ريف دمشق مع انتهاء استعادة السيطرة على المصدر الرئيس لمياه شرب العاصمة في نبع الفيجة.
وتماما كما حصل في أحياء حلب الشرقية، بدأت عملية تسريع استعادة غوطة دمشق عبر إعلان مركز المصالحة الروسي في مطار حميميم في اللاذقية، بداية الشهر الماضي، افتتاح معبر آمن في مخيم الوافدين، شمال مدينة دوما، لخروج المدنيين ومن يريد تسوية وضعه من مقاتلي المعارضة في الغوطة الشرقية، وتم تجهيز المعبر بسيارات اسعاف ووسائل نقل مع تجهيز مناطق إيواء لاستيعاب الخارجين من الغوطة، إلا أن أحدا لم يخرج، بل وعلى العكس انتقدت صفحات فصائل الغوطة المعارضة إن كانت لـ«جيش الإسلام» أو «فيلق الرحمن» وحليفه الرئيس تنظيم «جبهة النصرة»، ومناصريهم، فتح المعبر الآمن، معلنين عدم التعاطي بالأمر ورفض الترحيل إلى إدلب، ومطالبين برفع كامل الحصار عن الغوطة، مع سقوط العديد من قذائف الهاون على «المعبر الآمن» ومحيطه في مخيم الوافدين الملاصق لسجن دمشق المركزي.
وبعد تلك المحاولة التي انطلقت بالتوازي مع محادثات أستانة بين الحكومة السورية وفصائل المعارضة المسلحة برعاية روسية - تركية - إيرانية، ومشاركة فاعلة فيها لـ«جيش الإسلام» ومقاطعة «فيلق الرحمن»، بدأت عملية استعادة أحياء القابون وتشرين وبرزة البلد، في إجراء كان هدفه الأساسي ممارسة مزيد من التضييق على فصائل الغوطة المشغلة لنحو خمسة أنفاق تربط بين عربين وحرستا مع حي القابون.
وعاشت هذه الانفاق منذ حفرها وافتتاحها قبل ثلاث سنوات، حالة غض نظر مقصود من قبل السلطات السورية التي استفادت منها على المدى الطويل.
وإن كان ظاهر فتح الأنفاق لمصلحة فصائل المعارضة وأهالي الغوطة، فقد أدى فتح هذه الطرق لضخ كميات كبيرة من المواد الغذائية والمحروقات إلى المدن والقرى المحاصرة، ما أسفر عن انخفاض كبير في أسعار المواد بحيث تراجعت، على سبيل المثال، من أكثر من ثلاثة آلاف ليرة للكيلو الواحد من السكر أو الرز إلى ما بين 400 و600 ليرة للكيلو الواحد حتى بداية فبراير الماضي، والحال ذاته بالنسبة للبنزين والمازوت الذين تراجع سعرهما أيضا بنحو 6 أضعاف على الأقل.
في المقابل، فإن فصائل المعارضة ضخت إلى العاصمة دمشق قيمة هذه المواد بالدولار والذي كان يصلها من الدول الداعمة لها، وبمبالغ ضخمة ساهمت إلى حد ما، في استقرار سعر صرف الليرة السورية، وهو ما كان يظهر جليا كلما ضيق الجيش السوري الحصار على حيي برزة والقابون فتتدهور قيمة الليرة مباشرة تماما كما حصل الأيام الأخيرة حيث تراجع سعر صرفها من نحو 520 إلى أكثر من 540 ليرة للدولار الواحد، مقابل ارتفاع أسعار المواد الغذائية داخل الغوطة لضعفين أو ثلاثة عما كانت عليه بداية فبراير.
ولم تقتصر استفادة الحكومة السورية من فتح الانفاق على الجانب المادي فقط، وإنما حتى على طبيعة تشكيل فصائل المعارضة داخل الغوطة وحجمها وقوتها، فقبل تدفق المواد وعودة العجلة الاقتصادية للدوران داخل الغوطة، كان مصدر الدخل الوحيد المتبقي أمام أهالي الغوطة، عدا زراعة الأرض، يتمثل بالانخراط ضمن الفصائل المسلحة بهدف الحصول على الأجر الشهري، وهو ما بين 50 و150 دولارا مع سلة غذائية، تساعد الأسر في مواجهة الغلاء الفاحش، لكن فتح الانفاق أدى إلى انخفاض الأسعار في شكل كبير، كما أدى إلى ارتفاع جدوى العمل الزراعي، وأيضا دفع إلى انخفاض عدد المقيمين داخل الغوطة من نحو 1,3 مليون نسمة عام 2013، إلى أقل من 300 ألف نسمة حاليا، بحسب تقديرات صفحات معارضة تنشط من داخل الغوطة، مع تسهيل السلطات بدمشق مرور هؤلاء دون مساءلة.
وأدى هذا التراجع الكبير في عدد السكان، إلى تراجع، ربما بذات النسبة، في عدد مقاتلي فصائل الغوطة الذين كان بعضهم يتكلف بما يصل إلى 1500 دولار لتأمين خروجه عبر الأنفاق التي تسيطر عليها «جبهة النصرة» و«فيلق الرحمن» من داخل الغوطة وحتى تركيا عبر محافظة إدلب، بعد أن سهلت فصائل المعارضة خروج النساء وكبار السن والأطفال والمرضى ومنعت كل الذين تتراوح أعمارهم ما بين 16 وحتى 42 سنة، أما من كان يريد الدخول إلى دمشق فكان المبلغ ينخفض إلى ما بين 300 و500 دولار.
ووسط المعادلات الجديدة، وبعد أن استطاع الجيش السوري تضييق مساحة سيطرة المعارضة في الغوطة الشرقية إلى أقل من 60 في المئة عما كانت تسيطر عليه خلال العام الأخير، وبعد أن استنزف قتال «الأخوة الأعداء» المئات من مقاتلي فصائل المعارضة إثر معارك طاحنة نشبت بين «جيش الإسلام» من جهة و«فيلق الرحمن» و«جبهة النصرة» من جهة ثانية، بدأ الجيش السوري معركته لاستعادة السيطرة على أحياء القابون وتشرين وبرزة البلد.
وحسب ما أكدته مصادر على اتصال بالوضع داخل هذه الأحياء، فإن وجهاء برزة البلد، التي تحكمها هدنة موقتة منذ نحو ثلاث سنوات، متفقين في ما بينهم للجنوح باتجاه انجاز مصالحة شبيهة بتلك التي تمت في مدن محيط دمشق، تجنب حيهم المكتظ ربما بأكثر من مئة ألف من السكان، الدمار نتيجة المعارك التي تقترب من منازلهم، وتقضي المصالحة بتسوية أوضاع حملة السلاح من المعارضة ممن يود البقاء داخل الحي وهم من عناصر «اللواء الأول» التابع لـ«الجيش الحر»، وتأمين خروج من لا يود إلى محافظة إدلب، ومن ثم دخول مؤسسات الدولة السورية كافة، وقد منع عناصر «اللواء الأول» والمدنيين خلال الأيام الأخيرة من تسرب عناصر من جبهة النصرة حاولوا الدخول إلى الحي بعد أن وصلوا عبر الأنفاق إلى القابون من عمق الغوطة الشرقية، وتحدثت صفحات معارضة عن ستة آلاف مقاتل كانوا ينوون الهجوم على العاصمة انطلاقا من برزة البلد.
وهذه المعلومات التي وصلت إلى السلطات بدمشق، هي من حددت خطة عمل الجيش السوري الذي تجنب قصف الأحياء السكنية في برزة البلد وبدأ باقتحام مزارع الزيتون الفاصلة بينها من جهة وحيي تشرين والقابون من جهة ثانية، واستطاع التقدم بعمق كيلو متر واحد تقريبا وبعرض 500 متر.
أما في حيي تشرين والقابون فإن الصورة مختلفة، بحسب ذات المصادر، حيث السيطرة هي لـ«جبهة النصرة» و«فيلق الرحمن»، ووصلت تعزيزات لهم عبر الأنفاق ولا يريدون الدخول في أي تسوية تؤدي نهاية إلى دخول الجيش السوري إلى القابون ما يعني حكما إغلاق الأنفاق الواصلة إلى داخل الغوطة وقطع هذا الشريان، ولكن بدا لافتا ما قامت بنشره أول من أمس صفحة «تنسيقة أخبار القابون وما حولها» نقلا عن الناطق العسكري باسم «جيش الإسلام» حمزة البيرقدار وتحدث خلالها عن «خفايا صفقة موقعة بين النظام وفيلق الرحمن»، وقال بيرقدار حسب الصفحة المشار إليها: تزامنا مع بدء العملية العسكرية في حي القابون وحشد النظام أعداد كبيرة من قواته قام«فيلق الرحمن»متمثلا بقائده النقيب عبد الناصر شمير، بتوقيع هدنة مع النظام الاسدي على أن يتم سحب كافة مقاتلي«فيلق الرحمن»من مواقعهم وتأمين طريق آمن لهم من قبل قوات الأسد، مقابل إخلاء سبيل 250 معتقلا تابعين لـ«فيلق الرحمن»متواجدين في سجون النظام.
ونحت الأمور على صفحات مواقع التواصل باتجاه عمليات تخوين متبادلة بين «اللواء الأول» وأنصاره من جهة، و«فيلق الرحمن» و«جبهة النصرة» من جهة ثانية، وسط تساؤل أنصار الطرف الأول عن الأسباب التي تدفع بتحرك ستة آلاف مقاتل باتجاه العاصمة عبر أكثر الأحياء السكنية اكتظاظا للمعارضة، بينما هناك جبهات كثيرة أخرى يمكن فتح هذه المعركة من خلالها مثل جوبر أو عربين، كما أن أيا من هؤلاء المقاتلين لم يحرك ساكنا، عندما كان الجيش السوري مشغولا بمعارك وادي بردى.
منعكسات معركة احياء برزة وتشرين والقابون لم تقف عند المواقف المتبادلة بين السلطات في دمشق والمعارضة، بل تم استغلال تأثيرها وخصوصا تلك التي ساهمت بانخفاض سعر صرف الليرة السورية، من قبل ما يمكن وصفهم بـ«حيتان» الاقتصاد السوري أو «تجار الأزمة» الذين تأثرت مصالحهم مع قرار الحكومة الأخير بفتح باب استيراد المشتقات النفطية وخصوصا منها المازوت أمام الصناعيين والتجار.
وبعد مرحلة طويلة من احتكار استيراد هذه المشتقات عبر كبار المتمولين حين كان استيرادها محصورا بالموانئ البحرية أي عبر ناقلات تحمل كميات لا تقل عن 25 ألف برميل، وافقت الحكومة بداية الشهر الماضي باستيراد هذه المشتقات برا من لبنان عبر الصهاريج، ما فتح الباب واسعا لدخول تجار صغار للمنافسة وقد تلقت الحكومة طلبات استيراد لكمية تصل إلى 30 ألف طن.
وخلال الأيام الأخيرة سعى كبار المتمولين للترويج بأن تدهور أسعار صرف الليرة مرده قرار فتح استيراد المازوت، محذرين الحكومة بأن المضي في خططها سيؤدي إلى مزيد من تدهور قيمة الليرة، وبدا لافتا تزامن هذه الحملة مع كشف صفحات مختصة عن عمليات شراء كبيرة للدولار تتم حاليا في منطقة المصنع اللبنانية الحدودية من قبل تجار سوريين لدفع قيمة الليرة إلى مزيد من التدهور، لكن الحكومة يبدو أنها سائرة في كسر احتكار استيراد المازوت.