بعد موسكو، حلَّ ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ضيفاً على باريس، أمس، متوجاً زيارته بعقود بمليارات الدولارات لشراء طائرات وزوارق سريعة، بالإضافة إلى اتفاقية لبناء مفاعلين نوويين في بلاده، وهو شبيه بما تم الاتفاق عليه مع روسيا، الأسبوع الماضي، على وقع اقتراب المفاوضات بين إيران ومجموعة «5+1» من مهلتها النهائية، والتي باتت خواتيمها باتفاقية ناجحة مع طهران بحكم «الأمر الواقع» المقلق للسعودية.
وفي أول اجتماع لـ «اللجنة المشتركة الفرنسية ـ السعودية» في باريس، أمس، توصل الطرفان إلى اتفاقات عدة، أهمها عقد لبيع الرياض طوافات «ايرباص»، وبدء دراسة جدوى بشأن بناء مفاعلين نوويين في السعودية.
وأعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أن الدولتين تبحثان 20 مشروعا «بعشرات مليارات اليورو»، إلا أنه لم يتم الاعلان سوى عن عقد واحد يتمثل بشراء وزارة الداخلية السعودية 23 طوافة من طراز «ايرباص اتش 145» بسعر 500 مليون يورو.
الصفقة السعودية الفرنسية لتسليح الجيش اللبناني حضرت أيضا في باريس، أمس، مع إصرار وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، الذي التقى الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، على أنها تسير وفق الجدول الزمني المحدد، بعدما تم تداول مسألة تجميدها، إلا أن وكالة الصحافة الفرنسية نقلت عن مصدر ديبلوماسي قوله إن «المرحلة الاولى يجري تنفيذها، أما السؤال المطروح فيتعلق بالمراحل الاخرى: الاتفاق لم يلغ ولم يفسخ، والامر متعلق بطلب سعودي لاسباب سياسية، لان السعودية صارمة جدا في ان تصل تلك المعدات الى الجيش اللبناني وحده ليستفيد منها اللبنانيون كافة».
ولفت المصدر، في هذا السياق، إلى أن «السعوديين يريدون ضمانات بألا تصل تلك المعدات إلى قوة أخرى». وأضاف «نحن نعمل من أجل أن نضمن ذلك، والعمل سيتواصل، ونحن واثقون من أن البرنامج سيطبق بمراحله كافة»، من دون أن يوضح المصدر «القوة الأخرى» التي يعنيها في كلامه.
وعقد الاجتماع الاول لـ «اللجنة المشتركة» برئاسة فابيوس وولي ولي العهد وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان. ويأتي الاجتماع بعد حلول الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند كأول «ضيف شرف» على قمة مجلس التعاون الخليجي، في زيارته الأخيرة إلى الرياض، مطلع أيار الماضي، حيث تحدث عن إعادة تفعيل «اللجنة».
وذكّر فابيوس، أمس، بالعقد الذي أعلن عنه منتصف الشهر الحالي، لبيع 30 طائرة «ايرباص أ 320» و20 طائرة «ايرباص 33»، لشركة الخطوط الجوية السعودية خلال معرض «لوبورجيه» للطيران، بقيمة اجمالية قدرها ثمانية مليارات دولار أميركي، كما أعلن عن «تعهد» الرياض بشراء 30 سفينة دورية سريعة لبحريتها «لتحسين قدرات خفر السواحل السعودي الذي يواجه اليوم تهديدات متنامية».
وفي ما يتعلق بالطاقة النووية أوضح فابيوس أن اتفاقاً وُقِّع «لبدء دراسة جدوى لبناء مفاعلين نوويين تندرج في اطار برنامج الطاقة السعودي الطموح». وتناولت المباحثات أيضا قطاعات الطاقة الشمسية والصحة والطيران المدني والنقل. كذلك أوضح الوزير الفرنسي، خلال مؤتمر صحافي، أنه تم توقيع اتفاق حول دورات تدريب على السلامة النووية وآخر حول معالجة النفايات النووية، بالاضافة الى اتفاقات اخرى في قطاعات الصحة والابحاث والتعاون في المجال الصناعي.
وبحسب محللين، تشعر الدول الخليجية بالقلق من أن يكون سعي الرئيس الأميركي باراك أوباما الحثيث لإبرام اتفاق نووي مع إيران مقابل تخفيف العقوبات عنها، يحمل في طياته دلالة على أن أقوى حلفائها قد لا يساعد من الآن فصاعدا في «كبح جماح» طهران.
ويقول المحلل الأمني مصطفى العاني، الذي تربطه صلات وثيقة بوزارة الداخلية السعودية، إن دول الخليج ترى أن «الاتفاق أمر محسوم، قد يتأخر أسبوعا أو اثنان أو حتى شهرا، لكن كل من في المنطقة يؤهب نفسه لحقيقة أن الاتفاق أمر محتوم». ويضيف العاني «العلاقات بين السعودية وأميركا الآن أشبه بالدفع عند التسليم. لا شيء إذا لم يكن هناك شيء. إذا أردتموني أن أدعم الاتفاق النووي فعليكم أن تدعموني في اليمن وفي أماكن أخرى».
ويأتي هذا الحديث في ظل استئناف طهران ومجموعة «5+1» محادثاتها، مطلع الأسبوع الحالي. وتشعر الرياض وجيرانها بالقلق من تأثير ذلك على العلاقات مع واشنطن، التي تعد «كفيلتهم» العسكرية الرئيسية بما لها من مجموعة مرافقة لحاملة طائرات في الخليج وقاعدة بحرية في البحرين وقاعدة جوية في قطر.
وفي هذا السياق يقول المستشار الأمني الكويتي لدول مجلس التعاون الخليجي سامي الفرج إنه «سيعلق في الأذهان أن أوباما هو الرئيس الأميركي الذي أعاد العلاقات مع إيران، ولكن سيعلق في الأذهان أيضا أنه الرئيس الأميركي الذي خسر حلفاءه التقليديين في المنطقة». ويضيف «كنا نبحث عن خيارات أخرى، سواء كانت روسيا أو فرنسا أو قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان لتمكيننا من استعادة توازن القوى»، معتبرا أن زيارة بن سلمان إلى موسكو، الأسبوع الماضي، أتت في هذا الإطار.
ومن بين الاتفاقات التي وقَّعها بن سلمان في موسكو، الأسبوع الماضي، اتفاق تعاون نووي ياتي في إطار اتفاقات أبرمتها الرياض مع قوى نووية، إذ تعد خططا لبناء 16 مفاعلا بغرض توليد الكهرباء. وقالت السعودية مرارا إن ما ستحصل عليه إيران في أي اتفاق يجري التوصل إليه سيكون تماما ما ستستخدمه في برنامجها النووي، وألمحت إلى أنه إذا صنعت طهران قنبلة ذرية فلن يمضي وقت طويل قبل أن تحذو حذوها.
ولفت فابيوس، أمس، إلى أن حجم الصفقات الموقعة بين فرنسا والسعودية يصل إلى ما قيمته 12 مليار دولار، كما أكد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إنه لا يزال يناقش سعر تعاقد على الزوارق البحرية الفرنسية التي تنتجها شركة «دي سي إن إس».
وتعد طائرات «اتش 145» التي تعاقدت السعودية على شراءها، وكانت معروفة سابقا باسم «اي سي 145»، من طراز الطوافات الخفيفة ذات محركين، والتي تستخدم عادة في الخدمات الطارئة لحرس الحدود، ويستخدم الجيش الأميركي نسخة عسكرية منها.
وحول الصفقة السعودية الفرنسية لتسليح الجيش اللبناني، أكد الجبير أن العقد لا يزال ساريا وفق الجدول المحدد ولم يتم وقف العمل به. وقال، في مؤتمر صحافي مع فابيوس، «هناك اتفاق، وليس هناك تجميد، وهناك جدول محدد للدفع، وكل شيء يتواصل بشكل طبيعي، وليس هناك أي تغيير».