لبنان، القديم قِدَم البشرية، العريق عراقة فينيقيا، اخترع الأبجدية والصباغ الأرجواني، وطوّر العلوم لا سيّما علوم الفلك والجغرافيا والحساب الضرورية في مجالات الملاحة والتجارة، واخترع الكثير من وسائل الزراعة والصناعة والإنتاج وتقنيّاتها، وابتكر أساليب جديدة في الملاحة وأسّس لفنون الإتقان والخلق والإبداع.
تفاعلَ لبنان وتناغم مع الحضارات والثقافات التي تعاقبت، وصهرها في بوتقته، وجعل منها فسيفساء فريدة، ما جعل بابا روما يعبّر عنه بالقول: «لبنان أكثر من وطن .. إنه رسالة».
وصلَ مُغتربو لبنان ذوو الأصول اللبنانية في مختلف دول العالم إلى أعلى المناصب، وقدّموا إسهامات جُلّى في مختلف الميادين، ورفعوا إسم لبنان عالياً.
حسناً .. أين هو لبنان في يومنا هذا، بلد الثماني عشرة طائفة التي تدعو عقائدها إلى الطهارة والخُلق السوي، بلد آلاف الأحزاب والجمعيات والحركات والتيّارات والهيئات والمجالس والنوادي والمعاهد والجامعات التي تحمل أسماء إلهية وسماوية، وترفع شعارات دينية؟
لقد تفوّقنا على العالم بأسره بعدد ملفات فضائح الفساد المالي والبيئي والصحي والغذائي والأمني والوطني والأخلاقي مُقارنة بمساحة لبنان وعدد سكانه، وأيضاً بنسبة تواتر الفضائح بشكل أسبوعي (إنْ لم نقل يومياً)، وبنسبة عدم وصول مُجريات التحقيقات إلى أي نتيجة!
ليس هذا فحسب، بل إنّ حجم فضائحنا وفداحتها وتنوّعها، جعلنا على كل شفةٍ ولسان، ومضرب مثلٍ سيىء وبشع ومُقرف وساخر.
إضافة إلى ذلك، يكفي أنْ تتصدّر صور جبال نفاياتنا نشرات أخبار العالم، ناهيك عن التندّر بطول الفترة الزمنية لشغور منصب رئيس الجمهورية ومحاولة إصدار ميزانيّة وإقرار قانون انتخابات جديد …
لقد انتفض العالم من حولنا سعياً للتغيير، ونحن لا نزال مُنصاعين، راضخين، خانعين لحُكم الفساد المحمي والمُصان بالمُحاصصة المذهبية والمناطقية والعشائرية، ولم يعُد أي ترياق يُجدينا نفعاً لأنّه «لقد ناديتَ لو أسمعتَ حياً، ولكن لا حياة لمن تُنادي»!
ولقد أملنا خيراً بجيلنا الصاعد أنْ ينتشل لبنان من الهاوية، وأنْ يأخذ زمام مصيره ومستقبله بنفسه، وأنْ يشقَّ لنفسه درباً ناصعاً فشلنا في توريثه له، ولكن المؤشّرات والبوادر ليست مُشجّعة حتى الآن، ومع ذلك نأمل خيراً ونقول عسى الأيام تُثبت العكس.
والأنكى، قيام البعض منّا باستعداء العالم العربي علينا، وإثارة غضبه ونقمته حيالنا، ونسينا في هذا المجال المثل الشعبي «من دقّ الباب .. سَمِع الجواب»، وأنّ «من كان منزله من زجاج، لا يراشق غيره بالحجارة»!
لذا «صرنا ملطشاً للدبابير وفشّة خلق الجميع! وبعدكم عم تسألوا ليش عم يتطاولوا علينا؟!… لأنْ نحنا وطَّينا حيطنا»!