بـ«السلام عليكم» دخل البابا فرانسيس الى مؤتمر السلام المنعقد في الأزهر. ضجت القاعة بالتصفيق قبل أن يأخذ الكلام الروحي مداه التسامحي، بلسان بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيب اللذين ركزا على فصل الدين عن الإرهاب: ليس هناك دين إرهابي، هناك إرهابيون في كل دين. موقف سبق أن أعلنه البابا لكن تكراره في الأزهر مسبوقاً بالتحية الإسلامية التقليدية، وفي زمن «الإسلاموفوبيا»، يزيد من دلالات اللحظة والمكان، فكان أن لاقاه الشيخ بالتأكيد على وجوب «ألا نحاكم الأديان بجرائم قلة عابثة من المؤمنين بهذا الدين أو ذاك».
بالأمس، كان الأزهر حاضرة روحية متعددة الأديان والمذاهب، ساحة لقاء ليس فقط بين الإسلام والمسيحية، بين البابا والشيخ، بل أيضاً بين رؤساء الكنائس المسيحية. فقد شهدت أروقة هذا الصرح قمة مسيحية لم تُعقد من قبل بين
البابا (المرجعية الكاثوليكية في العالم) ورأس كنيسة القسطنطنية المسكونية للروم الأرثوذكس (البطريرك بارثلماوس الأول) والأمين العام لمجلس الكنائس العالمي الذي يضم الكنائس الانجيلية (أولاف فيكس) والأمين العام للمجلس الوطني لكنائس في الولايات المتحدة (القس الدكتور جيم وينكلر).. في مشهدية وصفها مشاركون في المؤتمر لـ«المستقبل» بـ«التاريخية» واعتبروا أن هذا اللقاء المسيحي متعدد الأطراف في رحاب الأزهر، في وقت يتعرض فيه الإسلام لحملات تشويه صورته، هو في حد ذاته رد قاطع على هذه الحملات.
وكان البابا فرانسيس وصل القاهرة بعد ظهر أمس، في زيارة تستمر الى اليوم، واستقبله في المطار رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل، وانتقل بعد ذلك إلى قصر الاتحادية الرئاسي حيث التقى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بحضور العديد من المسؤولين المصريين.
ودعا البابا خلال لقائه السيسي الى «الاحترام غير المشروط لحقوق الإنسان غير القابلة للمساومة كالحق في المساواة بين كافة المواطنين وحق حرية الدين والتعبير من دون أدنى تمييز».
كما أكد أن مصر مدعوة الى إثبات أن «الدين لله والوطن للجميع» مستعيراً شعاراً سياسياً شهيراً في مصر وحرص على نطقه باللغة العربية وسط تصفيق الحضور.
وقال البابا فرانسيس على متن الطائرة التي أقلته إلى مصر، إن زيارته «رسالة وحدة وأخوة».
وهذه أول زيارة لرأس الكنيسة الكاثوليكية الى مصر منذ الزيارة التي قام بها البابا الراحل يوحنا بولس الثاني عام 2000.
في الأزهر
شارك البابا فرانسيس مع الشيخ الطيب في الجلسة الختامية لـ«مؤتمر الأزهر العالمي للسلام» حيث ألقى كل منهما كلمة.
بدأ البابا كلمته بتحية الحضور باللغة العربية قائلاً: «السلام عليكم» وردت القاعة بالتصفيق ورد السلام.
وأكد البابا أن «ما من عنف يُمكن أن يُرتكب باسم الله.. لنؤكد سوياً استحالة الخلط بين العنف والإيمان، بين الإيمان والكراهية، ولنعلن معاً قدسية كل حياة بشرية ضد أي شكل من أشكال العنف الجسدي أو الاجتماعي أو التربوي أو النفسي».
ورأى أن «العنف يؤدي إلى العنف والشر يؤدي إلى الشر هذه الحكمة، وكرامة الإنسان غالية وعزيزة على الله، ولا سلام من دون الشباب واحترام الآخر والانفتاح على الحوار البناء».
وأعرب عن أسفه لبروز «شعبويات غوغائية لا تساعد بالطبع في تعزيز السلام والاستقرار»، معتبراً أنه «ما من تحريض على العنف يضمن السلام وأي عمل أحادي لا يولّد عمليات بناء مشتركة، إنما هو في الواقع هدية لدعاة التطرف والعنف».
ودعا البابا إلى مقاومة انتشار الأسلحة التي إذا ما صنعت يوماً ما ستُستخدم، مضيفاً «من هذه الأرض التي تمثل لقاء السماء والأرض لا بد أن نكرر رفضنا الواضح لأي شكل من العنف والانتقام والكراهية التي تُرتكب باسم الله ونطلب من الله أن يهبنا السلام لنصل إلى الوئام والتعاون والصداقة».
وأكد البابا أن هذه «الجهود ضرورية واليوم لا بد أن نكون صانعي سلام، ونحن في حاجة ماسة إلى صنع السلام لا إلى إثارة النزاعات، ولا بد أن نكون دعاة تصالح لا ناشري دمار.. نحن إخوة الجميع، ولذلك نعترف أننا مشاركون في مكافحة الشر الذي يُهدد العالم، حتى أنه لا يكون أرض الأخوة، وإن طريق الإحسان مفتوح أمام كل البشر حتى تستطيع كل الجهود تحقيق الإخاء العالمي».
أضاف البابا أن «مصر لم تشرق عليها شمس المعرفة فقط، بل أشرقت على أرضها شمس الدين، إذ شهدت الأحداث الدينية عبر التاريخ، وامتزجت على أرضها الثقافات المختلفة»، مؤكداً أن التآلف والتآخي أصبح ضرورة لا بد منها في يومنا هذا، وهناك جبل يرمز لهذا التآلف في سيناء.
واعتبر البابا أن «البشرية لا يمكن أن تصل الى السلام من دون الاعتراف بدور الدين في هذه العملية، لذلك لا بد من السعي للوصول إلى الله، كما يجب مواجهة التناقض الخطير، الذي يسعى إلى تحديد دور الدين وإبعاده عن الدور الحضاري والمدني».
وأكد البابا «أهمية وجود استراتيجية لتحويل التنافسية إلى تعاون، وتعليم الاحترام المتبادل والحوار المخلص مع الآخر، مع الاعتراف بحرياته وحقوقه وبخاصة حرياته الدينية لأن هذا الطريق الأمثل للوصل للنجاح في المستقل حتى نصبح بناة حضارة، حيث لا يوجد أي بديل عن اللقاء وعدم الاعتراف بمدنية الصدام، ولا بد من رفض البربرية التي تدعو إلى العنف».
الشيخ الطيب أكد في كلمته أنه «حان الوقت ليقف الجميع من أجل المستضعفين والجائعين والأسرى والمعذبين في الأرض من دون فرز أو تصنيف، ولنقف معاً ضد سياسات الهيمنة وصراع الحضارات ونهاية التاريخ ودعوات الإلحاد».
وقال إنه يُقدر تصريحات بابا الفاتيكان التي تدفع عن الإسلام والمسلمين تهمة العنف والإرهاب. وأضاف: «لقد لمسنا فيكم حرصاً لاحترام الأديان، ولا يزال الأزهر يسعى من أجل التعاون لترسيخ العيش المشترك واحترام عقائد الآخرين، فلنسعَ معاً من أجل المستضعفين والجائعين والأسرى والمعذبين في الأرض من دون فرز أو تصنيف، ولنقف معاً ضد سياسات الهيمنة وصراع الحضارات ونهاية التاريخ ودعوات الإلحاد».
وطالب شيخ الأزهر بالعمل على «تنقية صورة الأديان مما علق بها من فهوم مغلوطة وتطبيقات مغشوشة وتديّن كاذب يؤدي إلى صراع ويبث الكراهية ويحث على العنف، وألا نحاكم الأديان بجرائم قلة عابثة من المؤمنين بهذا الدين أو ذاك».
ورأى أن «لا حل إلا بإعادة الوعي برسالات السماء وإخضاع الخطاب الحداثي المنحرف لقراءة نقدية عميقة تنتشل العقل الإنساني مما أصابه من فقر فلسفة التجريبية وجموح العقل الفردي المستبد وهيمنته على حياة الأفراد» متسائلاً: «كيف أصبح السلام العالمي وسط التقدم الكبير هو الفردوس المفقود؟، والإجابة بسبب تجاهل الحضارة الحديثة للأديان الإلهية وقيمها التي لا تتبدل بتبدل المصالح والشهوات وأولها قيمة الأخوة والتراحم والتعاطف».
وقال شيخ الأزهر إن «الأرض الآن ممهدة لكي تأخذ الأديان دورها لإبراز قيمة السلام واحترام الإنسان والمساواة فيجب ألا نحارب الأديان بسبب جرائم قلة عابثة، وليس الإسلام دين الإرهاب بسبب قلة خطفوا بعض نصوصه واستخدموها في سفك الدماء ويجدون من يمدهم بالمال والسلاح والتدريب، وليست المسيحية دين إرهاب، وليست اليهودية دين إرهاب، وليست الحضارة الأوروبية حضارة إرهاب، ولا الحضارة الأميركية حضارة إرهابية بسبب هيروشيما وناغازاكي».
واعتبر الطيب أن السبب الوحيد الذي يبرر جرائم الإرهاب هو تجارة السلاح وتسويقه، وضمان تشغيل مصانع الموت، إضافة إلى ضمان الثراء الفاحش من صفقات مريبة تسبقها قرارات دولية طائشة.
وأكد الشيخ الطيب أن زيارة البابا فرانسيس لمصر تاريخية وجاءت في وقتها تلبية لنداء الأزهر والمشاركة في مؤتمره العالمي للسلام بل إنها أيضاً جاءت في وقت السلام الضائع الذي تبحث عنه شعوب وبلاد ومرضى وهائمون على وجهوهم وفارون من أوطانهم لأوطان أخرى.
وعانق البابا الإمام الطيب وربت على كتفه وسط تصفيق حاد من الحضور.
في الكنيسة البطرسية
وزار البابا فرانسيس مساء أمس الكنيسة البطرسية الملاصقة لكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس في القاهرة حيث قتل 29 شخصاً في هجوم انتحاري تبناه «داعش» في كانون الأول الفائت.
وأعقب هذا التفجير اعتداءان انتحاريان داميان ضد كنيستين قبطيتين أوقعا 45 قتيلاً في التاسع من نيسان الجاري.
وسار بابا الأقباط في مصر تواضروس برفقة البابا فرانسيس المسافة القصيرة الفاصلة بين مقر الكاتدرائية المرقسية والكنيسة البطرسية الملاصقة لها في موكب ضم عدداً من رجال الدين ارتدوا ملابس بيضاء في حين حمل بعضهم صلباناً ذهبية وسط ترانيم كنسية.
وشارك البابا فرانسيس والبابا تواضروس في صلاة مسكونية في الكنيسة التي جرى ترميمها حديثاً بعد التفجير الدامي.
وجلس الإثنان والى جوارهما رؤساء كل الطوائف المسيحية في مصر، فيما كان الكورال الكنسي يُنشد الترانيم.
وفي كلمة قصيرة في الكاتدرائية المرقسية، أشار البابا فرنسيس إلى «شهداء» الأقباط في الهجمات الأخيرة. وقال: «تم مؤخراً وللأسف إراقة دم بريء لمصلين عزل وبقسوة... آلامكم هي أيضاً آلامنا. إن دماءهم الذكية توحدنا».