دعا البابا فرنسيس خلال قداس احتفالي ترأسه في القاهرة بحضور آلاف الكاثوليك المصريين امس، الى نشر ثقافة الحوار وذلك في اليوم الثاني والاخير لزيارته الى مصر، التي جاءت بعد ثلاثة اسابيع من اعتداءات دامية ضد الأقباط.
واعتبر البابا الذي وصل الى مصر حاملا رسالة «وحدة وأخوة»، ان «الايمان الحقيقي هو ذاك الذي يحثنا على أن ننشر ثقافة اللقاء والحوار والاحترام والاخوة»، مستغلا الزيارة لإطلاق دعوة قوية للحرية الدينية، متهما المتطرفين بتشويه الطبيعة الرحيمة.
وحضر القداس قرابة 15 الف شخص، وفقا للفاتيكان، اي قرابة نصف سعة استاد الدفاع الجوي التابع للجيش (30 الفا) الذي اقيم فيه القداس في ضاحية التجمع الخامس شرق القاهرة.وطغت اجواء الفرح والحماسة على الحضور الذين اعتبروا ان زيارة البابا «تمسح حزن» المسيحيين بعد اعتداءين ضد كنيستين في التاسع من نيسان اوقعا 45 قتيلا وتبناهما تنظيم «داعش».
وبارك البابا مصر باعتبارها واحدة من أقدم الدول التي اعتنقت المسيحية وكرر دعوته للتسامح. وقال في عظته ان «الايمان الحقيقي هو ذاك الذي ينعش القلوب ويدفعها الى محبة الجميع مجانا، دون تمييز ولا تفضيل، هذا ما يقودنا الى أن نرى في القريب، لا عدوّا علينا ان نهزمه، بل أخًا علينا أن نحبه ونخدمه ونساعده».
وتابع «الله لا یرضى إلا عن إیمان یعبر عنه بالحیاة لأن التطرف الوحید الذي یجوز للمؤمنین إنما هو تطرّف المحبةّ وأي تطرف آخر لا یأتي من الله ولا یرضیه».
وقبيل القداس، جال البابا في عربة مكشوفة في الاستاد لتحية الحضور، وتوقف عند مجموعة من الاطفال يرتدون زيا فرعونيا واستقبلهم مبتسما وفاتحا ذراعيه.
وعلى أنغام الترانيم الدينية، توجه البابا في موكب مهيب ضم كل ممثلي الكنائس الكاثوليكية في مصر نحو منصة عالية شيدت في مكان بارز في الاستاد حيث أقيم المذبح.
وتقدم رأس الكنيسة الكاثوليكية، البالغ عدد أتباعها في العالم نحو 1,3 مليار شخص، نحو المذبح وقبله ثم بدأ القداس.
واطلقت في سماء الاستاد بالونات صفراء وبيضاء، وهي الوان علم الفاتيكان، علقت فيها صورة للبابا وكتب عليها شعار زيارته لمصر وهو «بابا السلام في مصر السلام».
واتخذت الشرطة مدعومة بقوات من الحرس الجمهوري اجراءات امنية مشددة في محيط الاستاد وعند مداخله فيما كانت مروحية تحلق فوقه.
واختارت أجهزة الامن ان يقام القداس في استاد الدفاع الجوي البعيد عن المدينة حتى يسهل تأمينه. وكان هذا الاستاد شهد في العام 2015 اشتباكات بين مشجعي كرة قدم وتدافعا ما ادى الى مقتل 19 شخصا.
وكان آلاف الاقباط توافدوا منذ ساعات الصباح الاولى الى الاستاد حيث اصطفت عشرات الحافلات والسيارات في طوابير لعبور نقاط التفتيش. وفي الوقت نفسه، كانت راهبات مسنات بزيهن الرمادي او البني والابيض يتجهن الى مداخل أخرى للاستاد وكذلك شبان وفتيات من الكشافة الكاثوليكية يرتدون قمصانا بنية فاتحة مغطاة بالشارات ورجال يرتدون بزات أنيقة وعجائز يستندن الى عصي. ووزع شبان الكشافة بالونات بيضاء وصفراء على الحضور.
وفيما كانت دينا بباوي (33 عاما) تنتظر مع زوجها مرتدية ثوبا أبيض طويل وتمسك بيدها قبعة أنيقة، للدخول الى الاستاد، قالت انها سبق ان رأت البابا في الفاتيكان ولكن رؤيته في مصر «شيء اخر». وأضافت «اننا سعداء ولا مشكلة لدينا في الانتظار»، مضيفة «اننا نشعر بالفخر لوجوده في مصر فهي رسالة اننا لازلنا نقف على قدمينا وان الوضع آمن واننا أقوى من أي وقت مضى».
وقال إيهاب محيي (54 عاما): «الزيارة تدعم الوحدة الوطنية فعلا وتدعم فكرة أنه لا خوف إلا من ربنا وحده وأن البشر لا يخيف البشر وأن التفجيرات لن تفرق تماما (لن يكون لها أي أثر) في أن يأتي قداسة البابا لمصر وأن تقام احتفالية كهذه».
وفور انتهاء القداس، غادر البابا فرنسيس الاستاد لتناول الغداء مع اساقفة مصريين.
والتقى البابا ايضا، كهنة المستقبل الذين يدرسون في الكلية الاكليركية للاقباط الكاثوليك في جنوب القاهرة، ودعاهم الى ان يكونوا «قوة ايجابية»، وقال: «وسط الكثير من دوافع الاحباط (...) ووسط الكم الكبير من الاصوات السلبية كونوا قوة ايجابية. كونوا نورا وملحا لهذا المجتمع. كونوا المحرك الذي يجر القطار الى الامام صوب الهدف مباشرة، كونوا باذري رجاء وبناة جسور وفاعلي حوار وتوافق»، مختتما بهذا اللقاء زيارة استغرقت 27 ساعة لمصر، حيث غادر بعد ظهر امس مطار القاهرة بعد ان ودعه الرئيس المصري عند سلم الطائرة.
ويمثل المسيحيون ما يصل إلى عشرة بالمئة من سكان مصر البالغ عددهم 92 مليون نسمة وهم بذلك أكبر طائفة مسيحية تقريبا في الشرق الأوسط. ويغلب الأرثوذكس على المسيحيين في مصر إذ يوجد فقط نحو 200 ألف من أتباع الكنيسة الكاثوليكية.