خطا الوسطي ايمانويل ماكرون أمس، خطواته الأولى كأصغر رئيس (39 سنة) لفرنسا في تاريخ الجمهورية والعالم، استعداداً لمعركة انتخابات تشريعية مصيرية في بلاد منقسمة، تنتظره فيها ملفات داخلية وأوروبية كبيرة في الاقتصاد والأمن.
وقبل أن يتسلم سلطاته الأحد المقبل، شارك ماكرون الى جانب الرئيس الاشتراكي المنتهية ولايته فرنسوا هولاند في إحياء ذكرى انتصار الثامن من أيار 1945 على النازية، حيث أمضيا أكثر من ساعة سوياً عند القوس المقام في أعلى الشانزيليزيه، وعزفت فرقة عسكرية موسيقية فرنسية أغنية وطنية والنشيد الوطني تكريماً لشهداء المقاومة الفرنسية.
وقال هولاند الذي ينهي ولاية تراجعت فيها شعبيته
في شكل قياسي، إنه يشعر «بتأثر بالغ» مع استعداده لتسليم السلطة لماكرون الذي يتزعم حركة «الى الأمام» التي أوصلته الى الحكم.
وبدوره هنأ الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي (الذي كان أيضاً حاضراً بين بوتقة من السياسيين الموجودين في المناسبة) ماكرون وأعرب له عن سروره بـ«فوزه الجميل».
وتنتظر ماكرون ملفات فرنسية وأوروبية كبيرة، كالتصدي للبطالة المزمنة (10%) ومواجهة التهديد الكبير للإرهاب وإنعاش أوروبا ضعيفة.
كما يواجه ماكرون الذي ينوي التوجه الى برلين أولاً بحسب مقربون، تحدياً صعباً في الانتخابات التشريعية التي تشهد فرنسا جولتيها في الفترة الممتدة بين 11 و18 حزيران المقبل، لأن حركته السياسية بالكاد أكملت عامها الأول ولا تزال حديثة الولادة في الشارع السياسي كي تتمكن من جذب الناخبين وإقناعهم بالتصويت لمرشحيها في شتى المناطق.
وسيكشف ماكرون في الأيام المقبلة أيضاً اسم رئيس وزرائه وتشكيلة الحكومة، اللذين يعتبران من أولى المؤشرات إلى رغبته في رص الصفوف.
واستقال الرئيس الجديد من رئاسة حركته السياسية «الى الأمام» التي بات اسمها «الجمهورية الى الأمام» استعداداً للانتخابات التشريعية في 11 و18 حزيران والتي تبدو مصيرية. ودعا الناخبين الى منحه «غالبية حقيقية وقوية و(تستطيع) التغيير».
ونظراً الى أن نظام الحكم في فرنسا نصف رئاسي، فإن الرئيس يحتاج لكي يتمكن من الحكم وفق برنامجه، أكثرية برلمانية أو حجماً مقبولاً يُسهل له أمور تمرير القرارات التشريعية في البرلمان.
ويرى مراقبون أن الشعب الفرنسي يعي وجود هذا العائق في وجه ماكرون، ولهذا فإن عدداً من الناخبين قد يعدلون عن التصويت لنواب كلاسيكيين عن منطقتهم ويجربوا أسماء جديدة من أجل تمهيد الطريق للرئيس الشاب كي يُنفّذ وعوده الانتخابية وأن لا تتحول كرسيه في قصر الإليزيه وكأنها صليب يحمله على درب الجلجلة.
والمهمة لن تكون سهلة، لأن بروز هذه الحركة اليافعة أيضاً في البرلمان سيعني حتماً حالة وفاة سريرية لأكبر حزبين في البلاد الجمهوريين والاشتراكي وتحويل الحياة السياسية الفرنسية الى صراع كما قالت لوبن بين «الفرنسيين والعالميين»، وهذا قد يضخ أحزاب الاعتدال الوسطية اليمينية واليسارية في باقة واحدة خلف ماكرون مقابل معارضة شرسة يقودها حزبا التطرف اليميني واليساري أي حزبا لوبن وجان لوك ميلانشون «الجبهة الوطنية» و«فرنسا غير الخاضعة».
وحذر أمس بعض المراقبين من أن تشرذم الأصوات بين الجمهوريين والاشتراكي و«آن مارش» في العديد من المناطق قد يؤدي في نهاية المطاف الى وصول نواب يمثلون حزبي الجبهة الوطنية و«فرنسا غير الخاضعة». ولا بد من الإشارة الى أنه في حال عدم تمكن ماكرون من الحصول على أكثرية نيابية من حركته في البرلمان المقبل، سيترتب عليه الدخول في تحالف مع أحد الحزبين الجمهوريين والاشتراكي أو كلاهما مع أرجحية للثاني طبعاً بحكم بداية ماكرون السياسة كاشتراكي.
وفي ردود الفعل الخارجية على فوزه، تلقى ماكرون اتصالات وبرقيات تهنئة، كان أبرزها أمس، اتصال من الرئيس الأميركي دونالد ترامب هنأه فيه بفوزه في الانتخابات، وفق ما أفاد البيت الابيض.
كما تلقى برقية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال فيها: «منحك المواطنون الفرنسيون ثقتهم لقيادة البلاد في وقت صعب بالنسبة لأوروبا وللمجتمع الدولي ككل. فتهديد الإرهاب والتطرف مصحوب بصراعات محلية ومناطق لا استقرار فيها. وفي ظل هذه الظروف من المهم إزالة انعدام الثقة المتبادل وتوحيد قوانا من أجل ضمان الأمن والاستقرار الدوليين».
واعتبرت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل أن «ماكرون يحمل آمال ملايين الفرنسيين، وكذلك آمال العديد في ألمانيا وأوروبا».
هذا، وبعث العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، برقية تهنئة للرئيس المنتخب أعرب له فيها عن «أجمل التهاني بالفوز بالرئاسة وأطيب التمنيات بموفور الصحة والسعادة»، متمنياً «لشعب الجمهورية الفرنسية الصديق المزيد من التقدم والازدهار».
وقالت مصادر رئاسية تركية إن الرئيس رجب طيب أردوغان اتصل بماكرون لتهنئته، وذكرت في بيان أن أردوغان قال لماكرون إن نتائج الانتخابات عززت الآمال في مستقبل الاتحاد الأوروبي، كما اتفقا على اللقاء أثناء قمة لحلف شمال الأطلسي في بروكسيل هذا الشهر، وأكدا عزمهما على تحسين العلاقات بين فرنسا وتركيا، وناقشا أهمية التغلب على بعض الأمور التي خيمت على العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في الآونة الأخيرة.