أعاد الرئيس الإيراني حسن روحاني، تعريف نفسه كمقاتل مثير للجدل في الشارع السياسي، ونجح بتحقيق نصر انتخابي حاسم أمام إبراهيم رئيسي، مرشح كتلة محافظة متحدة. وأشعل رغبة مؤيديه في التغيير، لكنه يواجه مهمة صعبة هي إرضاؤهم من دون الاصطدام بالمحافظين الذين لا يزالون يسيطرون على معظم مقاليد السلطة.
ومع أنه رجل عملي أكثر من أن يكون إصلاحياً بالطبيعة، فقد ألهب حماس المعسكر المؤيد للإصلاح بخطب تطرقت إلى المحظورات السياسية
باستهداف النخبة المحافظة بدءاً من السلطة القضائية إلى الحرس الثوري صاحب النفوذ.
وألحق روحاني هزيمة حاسمة بالقاضي المحافظ رئيسي، أحد تلاميذ المرشد الأعلى علي خامنئي، لكن الزعيم الأعلى لا يزال سلطة اتخاذ القرار السياسي النهائية، ولا يزال التيار المحافظ الذي يقوده خامنئي يسيطر على القضاء والأجهزة الأمنية.
وسيتعين على روحاني الوصول إلى وفاق معهم، وإلا انتهى به الحال إلى ما انتهي إليه سلفه الإصلاحي محمد خاتمي الذي فتح شهية الإيرانيين للتغيير، لكنه فشل في تحقيقه خلال فترتين رئاسيتين بين عامي 1997 و2005.
ويعطي فوز روحاني (68 عاماً) الملقب بـ«الشيخ الديبلوماسي» بولاية ثانية، الفرصة للمضي في سياسة الانفتاح التي اعتمدها لإخراج إيران من عزلتها الدولية.
ويشار الى أن روحاني معروف بقربه من الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني الذي توفي في كانون الثاني الماضي، وحظي خلال حملته الانتخابية بدعم الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي ومهدي كروبي ومير حسين موسوي، والسيد حسن الخميني، حفيد الإمام الخميني والمحافظين ناطق نوري وعلي لاريجاني.
وكان روحاني انتخب رئيساً في 2013 مع 50,7 في المئة من الأصوات من الدورة الأولى، بفضل دعم الإصلاحيين، وكانت نهاية عزل إيران أولويته المطلقة.
أبرم في تموز 2015 اتفاقاً ينص على أن تحصر طهران برنامجها النووي بالاستخدام المدني لقاء رفع العقوبات الدولية المفروضة على البلاد.
ويُعرف عن روحاني انفتاحه على الحوار مع الغرب، وقد نجح في التوصل الى مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، العدو التاريخي للجمهورية الإسلامية، لتسوية أزمة الملف النووي بموافقة المرشد الاعلى آية الله علي خامنئي. لكن الأخير منع أي مفاوضات أخرى مع واشنطن.
وترشح روحاني لولاية رئاسية ثانية، لأنه مصمم على مواصلة سياسة الانفتاح. وباتت مواقفه حول الحريات والثقافة والانفتاح على العالم والتساهل في ارتداء الحجاب مشابهة لمواقف الإصلاحيين الذين يطالبون بتحرر أكبر في القوانين.
وأكد خلال الحملة أن عهد «أنصار العنف والمتطرفين قد ولى». وكان شعار حملته «وصلنا الى منتصف الطريق ولا عودة ممكنة الى الوراء».
وفي أول تصريح له بعد إعلان فوزه، أكد روحاني أمس، أن شعبه اختار «طريق التوافق مع العالم» ورفض التطرف، معتبراً أن الناخبين عزفوا عن أولئك الذين يسعون إلى العودة بالجمهورية الإسلامية إلى الوراء.
وقال في خطاب بثه التلفزيون الرسمي إن «رسالة شعبنا تم التعبير عنها بشكل واضح جداً. لقد اختار الشعب الإيراني طريق التوافق مع العالم، بعيداً من التطرف». وأضاف أن شعبه «يرغب في العيش بسلام وصداقة مع بقية العالم، ولكنه لا يقبل بأي تهديد أو إذلال». وفاز روحاني بولاية ثانية، متقدماً بفارق كبير على نظيره المتشدد ابراهيم رئيسي، بحسب نتائج رسمية، ما سيتيح له مواصلة سياسة انفتاح بلاده على العالم.
وأعلن وزير الداخلية الايراني عبد الرضا رحماني فضلي إعادة انتخاب الرئيس المنتهية بعد نيله 57% من أصوات الناخبين.
وقال رحماني فضلي في كلمة نقلها التلفزيون الرسمي إنه بعد فرز 99,7 في المئة من أوراق الاقتراع، حصل روحاني على 23,5 مليوناً من الأصوات مقابل 15,8 مليوناً لمنافسه رئيسي (56 عاماً).
وكان التلفزيون الرسمي الذي يتم تعيين مديره مباشرة من المرشد الأعلى، استبق الإعلان الرسمي للنتائج، بتهنئة روحاني في رسالة وردت على أسفل الشاشة.
وبحسب النتائج المعلنة، حصل روحاني على 57 في المئة من الأصوات، ورئيسي على 38,5 في المئة من الأصوات. وشارك مرشحان آخران في السباق مع نتائج بسيطة. وبلغت نسبة المشاركة 73 في المئة.
وقبل حتى الإعلان عن أولى النتائج الجزئية، أقر المسؤولون المحافظون بفوز خصمهم.
وتوالت أمس، ردود الفعل من العالم لتهنئة روحاني بإعادة انتخابه لولاية ثانية، بعدما أيد الناخبون بغالبية كبرى جهوده للانفتاح على العالم وإنهاض اقتصاد البلاد.
ورحبت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني بإعادة انتخاب روحاني، وكتبت على موقع «تويتر» أن «الايرانيين شاركوا بشغف في حياة بلدهم السياسية. أهنئ الرئيس روحاني بالولاية التي حصل عليها». وأضافت أن «الاتحاد الأوروبي مستعد للعمل من أجل التطبيق الكامل للاتفاق النووي، والعلاقات الثنائية والأمن الإقليمي وتحقيق تطلعات الإيرانيين».
وهنأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الإيراني، وأكد في برقية الى روحاني استعداد بلاده «لمواصلة العمل المشترك من أجل تطوير الشراكة والتعاون بين روسيا وإيران»، معرباً عن الثقة بأن موسكو وطهران ستواصلان التعاون من أجل «الحفاظ على الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط وفي العالم بشكل عام»، وأن الاتفاقات التي تم التوصل اليها خلال زيارة روحاني لموسكو سيتم تطبيقها.
وقال مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بيان إن ماكرون هنأ روحاني على إعادة انتخابه وأضاف إن ذلك سيعزز الأمل في أن تطبق حكومته الاتفاق النووي الذي وقعته طهران مع القوى الكبرى.
وهنأ وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، روحاني بعد «حملة نشطة شارك فيه الشعب الإيراني بأعداد كثيفة». وقال «خلال الولاية الأولى لروحاني أحرزنا تقدماً جيداً في تحسين العلاقات البريطانية الإيرانية بما يشمل رفع مستوى العلاقات الديبلوماسية، وارحب بمواصلة التزامه الاتفاق النووي الإيراني الموقع عام 2015».
وأضاف «من المهم أن نعمل معاً لضمان تطبيق هذا الاتفاق بالكامل لكي تستفيد منه كل الأطراف» قائلاً «أشجع الرئيس روحاني على مواصلة التزام إيران مع المجموعة الدولية واتطلع لمواصلة الحوار والتقدم في سلسلة مواضيع بينها سياسات إيران الإقليمية وحقوق الإنسان وقضايا ذات اهتمام مشترك».