تضع الأمم المتحدة كل جهودها من أجل التوصل إلى هدنة إنسانية في اليمن تسمح خلالها للمواطنين في مختلف مناطق البلاد، بالتقاط أنفاسهم بعد أكثر من ثلاثة أشهر على بدء ميليشيات الحوثي، المدعومة من طهران والقوات الموالية للرئيس المخلوع علي صالح، شن حرب شاملة على مدن عدة، أبرزها عدن وتعز وشبوة ولحج والضالع، ما اوقع الآلاف بين قتيل وجريح .
وفي هذا السياق، وصل إلى العاصمة صنعاء يوم أمس المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن اسماعيل ولد الشيخ أحمد في مسعى يبذله لإقرار هدنة انسانية، بعدما أفشل الحوثيون وحلفاؤهم الهدنة التي كان مقرراً الإعلان عنها في مشاورات جنيف الشهر الماضي.
وأوضحت مصادر سياسية أن زيارة ولد الشيخ أحمد إلى صنعاء، تهدف إلى وضع ضوابط لهدنة جديدة بين الحكومة الشرعية والحوثيين وحليفهم صالح، في ظل أوضاع انسانية غاية في الصعوبة، وعدم تكرار ما أقدم عليه المتمردون في الهدنة التي سبق وأن تم إقرارها قبل شهرين عندما خرقوها وقاموا باستغلالها لإعادة ترتيب صفوفهم من جديد.
وشدد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون على ضرورة إقرار هدنة إنسانية في اليمن حتى نهاية شهر رمضان المبارك، لتتمكن وكالات الأمم المتحدة من إيصال المساعدات إلى المدنيين المتضررين والمحتاجين في الأماكن التي يصعب الوصول إليها بسبب استمرار الأعمال العسكرية، وخصوصاً في عدن وتعز والضالع، حيث تتفاقم الأوضاع الإنسانية فيها بشكل كبير بفعل القصف والحصار الذي تتعرض له هذه المدن من قبل مليشيات جماعة الحوثي وقوات صالح.
وكان المبعوث الأممي ولد الشيخ أحمد قد التقى في مسقط بممثلين عن جماعة الحوثي، وناقش معهم أساسيات الهدنة وآلية توزيع المساعدات الانسانية في مختلف مناطق البلاد، وأعلن قادة في الجماعة لأول مرة رغبتهم في إقرار هدنة، خصوصاً بعدما تعرضت قواتهم إلى خسائر كبيرة في مختلف مناطق البلاد.
ويرى مراقبون أن تحقيق هدنة انسانية بين طرفي الحرب يعد تحدياً حقيقياً للمبعوث الأممي ولد الشيخ أحمد، والذي يقوم بإجراء جولة بين الرياض وصنعاء، لتقريب وجهات النظر، بغية إقرار الهدنة الانسانية والتي تفرضها الأوضاع الانسانية الكارثية في البلاد.
وتعد زيارة المبعوث الأممي إلى صنعاء الثالثة له منذ تعيينه مبعوثاً أممياً خاصا إلى اليمن، خلفا للمبعوث الأممي السابق جمال بن عمر، الذي انحاز إلى جانب الحوثيين وضلل المجتمع الدولي بتقارير كاذبة حول الأوضاع في البلاد.
وشرع الحوثيون وحليفهم صالح خلال الأيام القليلة الماضية بمهاجمة المندوب الأممي، متهمين إياه بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية والخضوع لرغباتها والتسبب في إفشال مشاورات جنيف.
في غضون ذلك، طالب أحد مشايخ تعز، جماعة الحوثي بمراجعة حساباتها والانسحاب من تعز وبقية مناطق الجنوب بعدما قامت ميليشياتها بقتل الآلاف من الأبرياء.
وقال سلطان السامعي، الذي كان من أكبر مؤيدي جماعة الحوثي، قبل بشن حربها على الجنوب وتعز، في رسالة وجهها إلى زعيم ميليشيات الجماعة عبدالملك الحوثي: «مازال بإمكانكم مراجعة حساباتكم وإعادة تقييم التجربة بعد أن تضعوا أمام أعينكم مصلحة اليمن أولاً، وسترون أن الحركة خسرت الآلاف من مقاتليها، وقتلت الآلاف من أبناء الجنوب وتعز وغيرها، وما تزال دماء اليمنيين الزكية تسفح يوميا تحت شعارات ما أنزل الله بها من سلطان«.
وجدد السامعي التأكيد على أن «تعز لا يوجد بها دواعش ولا قاعدة، وكذلك عدن لأن سكان هذه المحافظات ضد داعش والقاعدة أو أي فصيل مسلح«.
وفي نقد واضح للجماعة، أوضح السامعي في رسالته قائلاً: «كنت أعرف مسبقاً بأن انتشاركم خارج العاصمة هو فخ نصب لحركتكم بدقة ولم تسمعوا للناصحين بل على العكس قوبلت نصائحنا بالاستهزاء والغرور من بعض الجهلة المحسوبين على الحركة (... ) لقد قلناها مراراً وتكراراً أنه يستحيل لأي فصيل أن يحكم اليمن بمفرده عبر نظام الهيمنة كما كان سابقا وأنه لا يمكن حكم اليمن إلا بشراكة حقيقية في السلطة والثروة بنظام الأقاليم«.
ونصح السامعي زعيم المتمردين الحوثيين بالعودة إلى العقل، وقال: «أطالبكم بسحب مسلحيكم من تعز وعدن وبقية المحافظات، فالدمار الذي خلفته الحرب في هذه المحافظات، لم نر له مثيلاً في كل الحروب والثورات، وأهم من ذلك الحقد الذي يتعزز اليوم في نفوس الناس، والذي فتح مجالاً واسعاً للمناطقية والمذهبية المقيتة»، بحسب نص الرسالة.
ميدانياً، دارت معارك عنيفة أمس، بين المتمردين الحوثيين ومن يحالفهم والقوات الموالية للحكومة في جنوب اليمن.
وفي عدن، كبرى مدن الجنوب، اشارت مصادر ميدانية الى ان طيران التحالف العربي الذي تقوده السعودية، شن غارات عدة استهدفت عربتين وناقلة جند للمتمردين في ضواحي بئر احمد وادت الى سقوط ثمانية قتلى في صفوفهم.
واكد مسؤول حكومي ان الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح قصفوا بصواريخ الكاتيوشا مناطق سكنية في المنصورة وبئر فضل وحي الانشاءات، ما اسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين. وتابع ان ثلاث قذائف استهدفت روضة اطفال في حي الانشاءات يتخذها النازحون ملاذا لهم، ما ادى الى مقتل ستة اشخاص بينهم طفل ووالده وجرح 11 اخرين.
وقالت مصادر ميدانية في بئر احمد ان مسلحي «المقاومة الشعبية» حافظوا على مواقعهم في محيط اللواء 31 مدرع وسط اشتباكات عنيفة مع الحوثيين، فيما أفاد شهود عيان ان تعزيزات لـ»المقاومة الشعبية» وصلت الى جبهة بئر احمد بقيادة نبيل المشوشي، وتمكن من التصدي للحوثيين في الجهة الغربية من المنطقة.
وفي مديرية دار سعد، تركزت المواجهات في قرية مصعبين والبساتين حيث شهدت حرب شوارع بين الطرفين خلفت قتلى وجرحى من الجانبين، بحسب مصادر في «المقاومة الشعبية«.
واوضحت المصادر ان طيران التحالف شن غارات عدة على الاطراف الشمالية والشرقية لمديرية دار سعد مستهدفا تجمعات ومركبات عسكرية للحوثيين، من دون ان يعرف بعد حجم الاضرار، مؤكدة ان مسلحي «المقاومة» احرزوا تقدما بسيطا في جبهة معسكر سلاح المهندسين.
وافاد شهود عيان ان الحوثيين وقوات صالح منعوا المواطنين من الدخول والخروج عند مداخل عدن الثلاثة، كما قاموا بمصادرة مركبات وشاحنات محملة بالبضائع والخضراوات حاولت الدخول الى المدينة عن طريق التهريب وفي طرق صحراوية وعرة.
وفي لحج، قتل 19 من الحوثيين وقوات صالح فجر أمس في اشتباكات مسلحة مع «المقاومة الشعبية» في مناطق متفرقة في المحافظة، بحسب ما افادت مصادر عسكرية موالية للرئيس عبد ربه منصور هادي وكالة «فرانس برس«.
وذكرت المصادر نفسها ان هجوما مباغتا شنه مسلحو «المقاومة الشعبية» على تجمع للحوثيين في منطقة الوهط، ما اسفر عن سقوط 11 قتيلا وعدد من الجرحى.
واشارت الى ان مواجهات عنيفة اندلعت في منطقة بلة المطلة على قاعدة العند الجوية بين «المقاومة الشعبية» والحوثيين المدعومين بقوات صالح، حيث تمكن الفريق الاول من استعادة موقعين في المنطقة، ما اسفر عن سقوط ثمانية قتلى وعدد من الجرحى في صفوف الحوثيين وصالح، فيما قتل اثنان من «المقاومة الشعبية» وجرح اربعة.