دخل لبنان لأول مرّة، منذ تأسيس الدولة وفق نظام ديمقراطي برلماني عماده الطائفية التي تشكّل مفصله هذا البلد ومصدر الأزمات التي تعصف به كلما يعود تاريخ إصداره إلى أكثر من نصف قرن من الزمن، انتقل لأول مرة بهدوء من عصر المحادل التي تملكها مجموعة من الاقطاع السياسي الذين وضعوا أيديهم على الدولة عبر ما سمي بالانتخابات التشريعية كل أربع سنوات، والتي تراعي بحكم تكوين هذا الاقطاع وهيمنته على كل المقررات المالية وحتى البشرية بناء على نظام انتخابي أكثري فصل منذ وضع لأول مرّة في عهد الرئيس الرؤيوي المرحوم فؤاد شهاب على الأساس الأكثري والذي يسمى الآن بقانون الستين وتمت العودة إليه بعد اتفاق الدوحة قبل حوالى 27 عاماً والذي جاء بعد أحداث أيار الأليمة حيث اجتاح مسلحو حزب الله وحركة أمل العاصمة بيروت على أثر احتدام الخلاف مع الطائفة السنية.
بصرف النظر عن المآخذ الكثيرة التي سجلها المراقبون على هذا الإتفاق بما تضمنه من أمور غامضة تحتاج إلى جباهذة في علم القانون لشرح كيفية تطبيقها ومنها على سبيل المثال عتبة المرشح الذي يفوز بالانتخابات والطريقة المعتمدة في القانون لحساب الفائزين الأول في اللائحتين المتنافستين، يُشكّل انجازاً مهماً لأنه يفتح الطريق للوصول في مستقبل الأيام إلى وضع قانون وطني على أساسي غير طائفي ويلغي كل الحجج الطائفية التي تستخدم عادة عند البحث في وضع قانون جديد، وقد استخدمت هذه المرة من قبل الفريق المسيحي المرة وكاد يؤدي استخدامها إلى وقوع البلاد في الفراغ وفي التمديد القسري لمجلس النواب بدلاً من الذي سموه التمديد التقني لمدة تقارب السنة بعد التمديدين السابقين اللذين أثارا استغراب القوى الحضارية الحيّة في العالم وذهبوا الی حدّ تصنيف لبنان بين الدول الفاشلة.
وهذا الموضوع أي الانتقال من الطائفية إلى الدولة المدنية الذي دخل حلبة النقاش الطويل من قبل المجتمع المدني الذي بات يؤمن بعد تجربته المريرة مع زعماء الطوائف واعتمادهم اسلوب المحادل والبوسطات في كل دورة انتخابية بأن لا خلاص لهذا البلد ولا استقرار سياسي داخلي من دون الانتقال إلى الدولة المدنية على أساس غير طائفي،رغم كل سيئاته يؤسس مستقبلاً للإنتقال من الدولة الطائفية إلى الدولة المدنية وننتهي من عقده الطائفية وحقوق الطوائف التي يجب أن تعلو على أي أمر آخر من شأنه أن ينقل لبنان من مرحلة عدم الاستقرار السياسي وغير السياسي إلى مرحلة الاستقرار الذي لا بدّ من وجودها لتقدم أي دولة وازدهارها الاجتماعي والاقتصادي، وهذا يشكّل رغم أي اعتبارات أخرى نقلة نوعية تريح اللبنانيين وتبعد عنهم هاجس القلق من الحرب الأهلية أمام إستحقاق دستوري يحصل في البلاد.
إذا نجحت هذه التجربة الجديدة تكون الطريق قد فتحت كل أبوابها أمام العبور الدستوري الهادئ من الدولة الطائفية إلى الدولة المدنية وبذلك ينتهي عصر حكم زعماء الطوائف.