تأبى ضريبة الألم بكافة أشكاله والآثار البالغة التي يُخلّفها في النفوس، إلا أن تُلاحق اللبنانيين أينما حلّوا حتى ولو في بلاد الغربة حيث يسعون إلى كسب أرزاقهم وتأمين حياة كريمة لهم ولأبنائهم بعيداً عن الموت والخوف والجوع. من قلب هذا الوجع وغربة السنوات الطويلة، كانت عائلة باسم شقير وزوجته ناديا وبناتهما ميرنا (14 عاماً)، فاطمة (12 عاماً) وزينب ابنة الأربع سنوات ومعهم والدة زوجته سرية أسعد شقير، على موعد مع المصير المجهول بعد اشتعال البرج السكني الذي يقطنون في أحد طوابقه في مدينة لندن.
فجر الأربعاء الماضي، اندلع حريق هائل في برج «غرينفيل» في لندن حيث تسكن عائلة شقير اللبنانية من بلدة نحلة البقاعية، في الطبقة 22 منه، لتنطلق في لحظتها، رحلة البحث عن أوجاع عائلة بأكملها ما زال
مصيرها حتى الساعة مجهولاً على الرغم من الجهود التي تقوم بها السلطات في لندن والمساعي التي تبذلها الدولة اللبنانية عبر وزارة الخارجية. وقد تصاعدت موجة الخوف لدى عائلة شقير وتعاظم التوجس والخوف في داخلها، خصوصاً بعد ورود تصريح لقائد شرطة العاصمة البريطانية ستيوارت كاندي أعرب فيه عن الأمل بألا ترتفع حصيلة الضحايا من «17 قتيلاً إلى رقم في خانة المئات»، مع إشارته إلى أنّ «البحث عن الضحايا في البرج ربما يستغرق أشهراً».
بدورها قالت مفوضة الأطفاء داني كوتون «إن بعض أقسام المبنى لا تزال غير آمنة، وإن الانتهاء من عملية البحث في كل طابق وشقة قد يستغرق وقتاً طويلاً». أما الملكة اليزابث الثانية، فقدمت تعازيها وقالت إنها «تتجه بأفكارها وصلواتها إلى العائلات التي فقدت أحبتها».
وروى سكان يعيشون في المنطقة كيف أشعل سكان البرج مصابيح هواتفهم المحمولة للفت الانتباه إليهم قبل أن يختفوا داخل الشقق ويخفت صراخهم طلباً للنجدة. وقالت آدي استو (32 عاماً) التي أخرجها رجال الإطفاء من شقتها القريبة: «رأيناهم يموتون». كما قفز بعض من فقدوا الأمل في النجاة من النوافذ. وقالت سميرة العمراني إنها رأت امرأة تلقي طفلاً من الطابق التاسع أو العاشر لرجل التقطه في الأسفل. وسادت أجواء من الحزن إثر الحريق في بريطانيا التي كانت في حداد على ضحايا اعتداءات إرهابية. كما تم جمع 480 ألف جنيه استرليني على الإنترنت من أجل مساعدة الضحايا حتى صباح أمس، في حين تعمل المراكز المحلية على تسلّم تبرعات عينية من الملابس والطعام.
المعلومات الأولية أشارت إلى أنه يتعذر حتى الساعة على السلطات البريطانية، وضع لائحة كاملة بالضحايا الذين قضوا بفعل الحريق الذي لم يُعرف بعد ما إذا كان ناجماً عن فعل إرهابي، أم يعود لأسباب وعوامل أخرى. كما أكد أحد أقرباء العائلة، أن الاتصال الأخير مع عائلة شقير في لندن المجهولة المصير، كان في تمام الساعة الثالثة و56 دقيقة من بعد ظهر الثلاثاء الماضي. وفي محاولة منها للإسراع عن كشف مصير أبنائها، أرسلت عائلة شقير في لبنان، أحد أبنائها إلى لندن للبحث عن العائلة المفقودة، لكن حتى الساعة لم يصلها أي خبر يُمكن أن يُثلج صدرها ويُهدّأ من فورة حزنها. ولم تُرجّح أي معلومة حول مصيرها لا في أقسام الشرطة ولا في المستشفيات.
وفي وقت أكدت وزارة الخارجية والمغتربين أنها «تتابع أوضاع أبناء الجالية اللبنانية على أثر وقوع الحريق»، كشفت أنها «تبلغت من السلطات البريطانية المختصة عدم امتلاكها حتى الساعة لائحة بأسماء جميع الأشخاص المتضررين من ضحايا ومفقودين»، لافتةً إلى أن «عائلة شقير التي تقطن في الطابق 22 من المبنى، لا تزال في عداد المفقودين». وفي الأثناء تواكب البعثة اللبنانية تطورات هذه الحادثة وتجري اتصالات ولقاءات وزيارات دورية مع مختلف المعنيين للتأكد من عدم وجود مواطنين لبنانيين آخرين متضررين وللتحقق رسمياً في مصير عائلة شقير».
أما سفيرة لبنان في لندن إنعام عسيران، فقد أكدت «أن مصير عائلة شقير ما زال مجهولاً نظراً لوجود صعوبة بالغة في عملية تعداد سكان المبنى»، متوقعةً «مساراً طويلاً لكشف وضع المفقودين اللبنانيين». وقالت: «من الممكن أن تكون العائلة تستخدم الجنسية البريطانية في حال كانت تحملها، ولذلك لم يتم إبلاغ السفارة اللبنانية بوجودها في البرج».
وفي البقاع، يُخيّم القلق على العائلة المفجوعة بفقدان الاتصال مع أبنائها، وحدها الصلوات تواسي الأهل في لحظة مصير صعبة. والدة باسم الحاجة بدر شقير تقول إن «الغربة أخذت ابنها منذ 15 عاماً طلباً للرزق، كما هو حال معظم اللبنانيين الذين لم يعودوا يجدون في هذا البلد، أي أمل لأبنائهم للعيش بأمن وسلام». وتضيف: «لم يخطر ببالي على الإطلاق أن ابني وعائلته يُمكن أن يكونوا ضحايا الحريق لاستبعادي فكرة أنه يسكن في المبنى الذي احترق، إذ قلت في نفسي إن لندن «بلد كبير»، لكن لاحقاً علمت من بعض الجيران أن المبنى الذي يحترق يسكنه باسم وعائلته».
لم تصل الى العائلة أية أخبار شافية باستثناء أن باسم كان خارج الشقة لحظة اندلاع الحريق وتحديداً في مكان عمله، لكن معلومات أكدت أنه عاد إلى المنزل بعد تلقيه اتصال استغاثة من زوجته. وهنا ناشدت والدته رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والوزير جبران باسيل «فعل كل ما يلزم من أجل الكشف عن مصير العائلة المفقودة». وبرأي كل من تجمّع في دار العائلة في بلدة نحلة، أن كل يوم يمر من عمر الحادثة، هو بمثابة فقدان الأمل بالعثور عليهم أحياء. وبدوره طالب رئيس بلدية نحلة منير شقير «الرئيس عون العمل على معرفة مصير العائلة والإسراع قدر الإمكان قبل فوات الأوان».