جريمة جديدة يقع ضحاياها أردنيون، لكن بما أن القاتل إسرائيلي، فآخر المنى هو أن تتحقق العدالة. يزيد الطين بلة تضارب الروايات، في حين أن الرواية الأسهل على تل أبيب القول إن حارس سفارتها في عمّان تعرض لمحاولة طعن تشبه مثيلاتها في فلسطين، فدافع عن نفسه لقتل الطاعن... و«بالخطأ»، قتل طبيباً يقطن في المكان!
لم يكن مساء أول من أمس (الأحد) ليمرّ على نحو اعتيادي في محيط السفارة الإسرائيلية لدى العاصمة الأردنية عمان، فقد عكّر إطلاق الرصاص صفو الهدوء الحذر الذي كان يشهده محيط السفارة. وما إن أزيلت غمام الأخبار المتضاربة، حتى تبين سقوط شهيدين أردنيين، وإصابة إسرائيلي، مع نذر أزمة دبلوماسية قد تلوح في الأفق، رغم أن كثيرين يستبعدون موقفاً أردنياً «حازماً».
لكن ما يحرج كلاً من القصر والحكومة، وخاصة بعد حادثة إدانة جندي في الجيش لإطلاقه النار على جنود أميركيين رغم عمله بـ«قواعد الاشتباك»، والآن الوضع المشتعل في المسجد الأقصى الذي من المفترض أن «المملكة وصية عليه»، هو أن الحادثة وقعت على الأرض الأردنية بعيداً عن مناطق نفوذ الأعراف الدبلوماسية التي تعتبر حرم السفارة أرضاً تابعة للدولة التي تمثلها، ما يعني بعبارة أخرى: إن الجريمة وقعت على أرض أردنية، ويجب أن تخضع للقانون الأردني.
وفي ظل التعنت الإسرائيلي، قرّر ذوو الشاب محمد الجواودة، وهو أحد الشهيدين، تسلّم جثته لدفنها اليوم (الثلاثاء)، والعمل بإجراءات التشییع، وذلك عقب اجتماع عقدته عشائر الدوايمة في ديوان القبيلة لبحث قرار تسلّم الجثة. أما الحكومة الإسرائيلية، فرفضت فكرة تسليم الحارس الذي أطلق النار لعمان، علماً بأنه بقي داخل السفارة منذ وقوع الحادثة أول من أمس، كما رفضت طلب الأردن التحقيق مع الحارس تحت ذريعة أنه دافع عن نفسه أمام عملية طعن، وأن معاهدة فيينا تمنح حراس السفارات حصانة من الاستجواب.
وكان الجواودة قد فارق الحیاة فور تلقیه رصاصتین في كتفه من سلاح مساعد مدير الأمن في مجمع السفارة الإسرائيلية عقب خلاف وقع بینهما أثناء إقدام الشاب على تبديل أثاث في المجمع، وفق الرواية الشائعة حتى الآن. وقالت مصادر إعلامية إسرائيلية، إن ملخص الحادث أن أحد حراس السفارة أطلق النار باتجاه أردنيين اثنين فقتلا على الفور بعد محاولة أحدهما طعنه، فيما أصيب الحارس بجراح طفيفة. والتقارير نفسها تقول إن الحارس استهدف الجواودة، لكن القتيل الثاني (طبيب أردني) قتل «عن طريق الخطأ».
وتوقعت مصادر إعلامية كذلك إجراء اتصالات مباشرة بين الملك عبدالله الثاني، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في محاولة لتخفیف التوتر، علماً بأن أياً من الطرفين لم يعلن إجراءات شديدة أو يقطع الاتصالات، لكن تأكد حتى الآن أن الحكومة الأردنية منعت سفر حارس السفارة الإسرائیلیة إلى تل أبیب.
ووفق موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، فإن نتنياهو أجرى اتصالاً مع السفيرة الإسرائيلية لدى عمان، وكذلك حادَث الحارس هاتفياً، واعداً إياه بـ«إعادته إلى البلاد»، مؤكداً في الوقت نفسه أن سفيرته تدير الأزمة بـ«كفاءة». كما قالت الصحيفة إن نتنياهو أوفد «شخصية أمنية رفيعة» إلى عمان لحل المشكلة، مشيراً إلى اتصالات تجرى على كل المستويات السياسية والأمنية في المملكة. وكذلك شارك السفير الأردني لدى تل أبيب في اجتماع مع وزارة الخارجية الإسرائيلية للبحث في الشأن نفسه.
في هذا الوقت، قال مصدر أمني أردني لـ«الأخبار»، إن من المقرر «اتخاذ إجراءات دبلوماسیة في حال إصرار إسرائیل على موقفها بمنع التحقیق مع الحارس»، مضيفاً أن السلطات «تتواصل مع الإسرائيليين» في هذا الشأن، لكن «دون قرار بالتصعيد» حتى اللحظة.
أما الرواية الرسمية، فاقتصرت على بيان لإدارة العلاقات العامة والإعلام في مديرية الأمن العام قال إن «غرف العمليات الرئيسية تلقت نبأ بحدوث إطلاق نار داخل مبنى سكني مستخدم من السفارة الإسرائيلية وفي نطاق مجمعها»، وأضاف: «من التحقيقات الأولية، تبين إصابة ثلاثة أشخاص، أحدهم إسرائيلي الجنسية، وتم إسعافهم، وما لبث أحد الأردنيين أن فارق الحياة متأثراً بعيار ناري أصابه»، فيما أشارت التحقيقات الأولية إلى أن «المواطنين الأردنيين دخلا المبنى السكني قبل الحادثة بحكم عملهما بمهنة النجارة».
يعقّب الأمين العام لـ«الحزب الوطني الدستوري» أحمد الشناق، بالقول إن «من السهل على الاحتلال أن يحيل الحادثة إلى محاولة اغتيال، وهو يدرك سهولة ربط حبال الحدث الأمني بعضه ببعض ليصل إلى المسجد الأقصى وإرهاب الاحتلال، وخاصة أن الحادثة وقعت وسط أجواء توتر افتعلها احتلال يريد الاستيلاء على قبلة المسلمين الأولى». ويرى الشناق أن من واجب الحكومة أن تكون «حزاماً واقياً للرأي العام الأردني حول أي حدث بذكر التفاصيل والحقائق كما هي»، مشيراً إلى أن المتوافر الآن من تصريحات متناقضة يصنع مزيداً من الروايات. وتابع: «على وزير الإعلام الخروج من دون الاختباء وراء جهاز الأمن ليروي الرواية كلها بتماسك وبقصة قابلة للتصديق، فليس مقبولاً أن يبقى المواطن الأردني ضحية دائماً أكان قاتلاً أم مقتولاً».
إلى ذلك، طالبت «لجنة أهالي الأسرى والمفقودين الأردنيين»، أمس، الحكومة الأردنية بمنع تسليم حارس السفارة الإسرائيلية إلا في «إطار صفقة تبادل تشمل الإفراج عن الأسرى الأردنيين». وطالبت اللجنة في بيان، بـ«ضرورة محاسبة قاتل المواطنين الأردنيين في محيط سفارة الاحتلال... واستغلال الحدث في ضمان حرية الأسرى الأردنيين (البالغ عددهم 23) والكشف عن مصير المفقودين الأردنيين (البالغ عددهم 30)».