يصادف غداً الذكرى العاشرة لمحاولة إغتيال رئيس مؤسسة الأنتربول نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية والدفاع السابق الياس المرّ. وفي هذه المناسبة نستذكر هذا التفجير وكوكبة من الشهداء ومشاريع الشهداء طبعت المرحلة السياسية اللبنانية من خريف 2004 الى وقتنا هذا، حيث سقط عددٌ كبير من القيادات اللبنانية من أجل الحفاظ على حرية لبنان وسيادته.
12 تموز 2005، محطة من المحطات الدموية التي استهدفت نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السابق الياس المر وأسّست لحقبة انتفاضة الاستقلال مع ما سبقها من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومحاولة اغتيال النائب مروان حمادة وما تبعها من اغتيال جورج حاوي، وجبران تويني، واللائحة تطول.
يوم 12 تموز 2005، كان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الوطني السابق الياس المر يمضي فصل الصيف في منطقة حالات (قضاء جبيل) مع عائلته على البحر.
يومها أصرّ إبن المر البالغ من العمر في حينه نحو 9 أعوام على مرافقته إلى المكتب، فجلس في المقعد الأمامي فيما قاد المر سيارته وجلس مرافقه، أمين المر، في الخلف. مع وصول العقيد الياس البيسري (اصبح عميداً)، طلب المر من إبنه الترجّل والعودة، فجلس العقيد مكانه.
مفرق أنطلياس
ولدى وصول السيارة إلى مفرق أنطلياس تحت الجسر، طلب العقيد البيسري من المر التوجّه صعوداً، فسأله عن السبب، أجابه أنّه رأى شخصاً على الجسر ولم يعجبه شكله. فطلب منه المر الكفّ عن التوهّم وأكمل طريقه وراء بطريركية الأرمن على طريق النقاش القديمة التي كان يسلكها يوميّاً. وعندما «لفّ» المر كوع «pointure» وفيما كان يصعد، رأى سيارة «باجيرو» حمراء مركونة جانباً، لكنّ مؤخّرتها تميل قليلاً إلى الطريق. وعندما أصبحت مقدّمة السيارة وبابها في موازاة باب ومقدّمة سيارة «الباجيرو» المفخّخة، دوّى الانفجار.
في لحظة الانفجار، لم يسمع المر شيئاً، ولم يفقد وعيه، وشعر أنّ السيارة «تزحط» على الطريق، لكنّها عمليّاً لم تكن «تزحط»، بل قوّة الانفجار دفعتها 80 متراً إلى الأمام. وإذا بعجلات السيارة خرقت الزفت وتوقفت في أرضها. في هذه اللحظة سمع المر صوتاً رهيباً كانفجار وفتحت كلّ أكياس الهواء، وتصاعد دخان أبيض وغطّت النار الموقع.
عندها التفت المر إلى العقيد الياس البيسري. اعتقد أنّه استُشهد لأنّ الدم كان يغطيه ولا يحرّك ساكناً. ثم التفت إلى مرافقه أمين المر فاعتقد أيضاً أنّه استُشهد لأنّ رأسه كان مفتوحاً إلى قسمين وعينه «طايرة» والدم يغطيه وفاقد الوعي. وهنا اشتعلت النيران في السيارة.
حاول المر الخروج وفتح الباب بيده اليسرى، فرأى أنّها مكسورة ومحترقة. حاول إعادة البيسري إلى كرسيّه، لم يستطع بيده اليمنى لأنّها مكسورة أيضاً. حاول أن يشدّ بقدمه اليسرى، لم يستطع لأنّها كانت مصابة واللحم تطاير منها. بقيت قدمه اليمنى مصابة لكن ليس بحجم الإصابات الأخرى. فأخرج رأسه وكتفه من النافذة، ووضع قدمه على جزء من «تابلو» السيارة ورمى بنفسه خارجها.
فارتمى أرضاً وبمقدار ما كان حجم الانفجار وحرارة الزفت، احترق جسمه لأنّ الزفت كان سائلاً مثل المياه الساخنة. وفيما كان ينهض، شاهد المر شخصاً مهرولاً يرتدي قميصاً أسود وسروالاً أسود، وحده والشارع فارغ، «فشختُه» متر ونصف، قفز فوق سور منزل نحو الشمال وأسرع مُتّجها إلى الحرش، وكان ينظر إليه غير أنّ المر لم يعرفه في تلك اللحظة. ولكنّه كان الشخص الوحيد الذي كان يرتدي ثياباً سُوداً موضع شكّ.
حاول المر أن يجرّ نفسه ليصل إلى أوّل مفرق ويستوقف سيارة، مرّت سيارة أولى فيها عائلة لم تعرفه لأنّ الدم كان يغطيه، وتابعت طريقها. مرّت سيارة أخرى فيها طفل، ولم يُعره أصحابُها اهتماماً ولم تتوقف، حتى مرّت سيارة ثالثة تقودها الصيدلانية السيّدة موني الشمّاس فتوقّفت وأدخلت المر السيارة من دون أن تتعرف إليه.
وقد طلب منها الاتصال بالصليب الأحمر والدفاع المدني لأنّ معه رفيقين في السيارة وهي تحترق وقد استشهدا ويجب سحب جثتيهما. ثم طلب المر منها الإسراع لأنّه شعر أنّ «روحه عم تطلع» وكان حجم الألم كبيراً جداً. فتوقفت لتستعين بدركيّ حتى يسهّل فتح الطريق لأنّها كانت مقفلة نتيجة الانفجار. وهنا كشف المر هويته وطلب من الشماس أن تقول للدركيّ إنّه الياس المر، وعندما علمت بذلك، صعد الدركيّ في السيارة وأمّن فتح السير حتى وصل إلى المستشفى.
مسلسل الإغتيالات
كان يوم 2 تشرين الأول 2004، فاتحة المسلسل الاسود مع محاولة اغتيال النائب مروان حمادة بسيارة مفخَّخة إستهدفته على طريق المنارة، وتزامنت هذه العملية مع بدء إعادة تموضع النائب وليد جنبلاط ومطالبته بتطبيق اتفاق الطائف وانسحاب الجيش السوري من لبنان.
اغتيال الحريري
في 14 شباط 2005 وقع الزلزال الكبير مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري والنائب باسل فليحان (الذي توفي بعد 64 يوماً نتيجة الحروق)، بعبوة ناسفة زنتها طناً من المتفجرات في منطقة السان جورج، فاستشهد نحو 20 شخصاً، فضلاً عن عشرات الجرحى.
هذا الاغتيال قَلَب المشهد السياسي اللبناني والإقليمي رأساً على عقب، وفجّر انتفاضة الاستقلال وانسحب الجيش السوري من لبنان، وقامت المحكمة الدولية لمحاكمة مرتكبي الجرائم.
لم يتوقف مسلسلُ الاغتيالات بعد الإنسحاب السوري، ففي حين كانت تُجرى الانتخابات النيابية، إغتيل الكاتب سمير قصير في 2 حزيران 2005 بانفجار عبوة ناسفة وُضعت في سيارته في منطقة الأشرفية.
واستُتبع باغتيال الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي في 21 حزيران، حيث نُفِّذت العملية بواسطة تفجير لاسلكي لقنبلة وُضعت تحت مقعد حاوي في سيارته قرب منزله في حيّ وطى المصيطبة، وكان حاوي من أبرز الناشطين في ثورة الأرز.
وإستكمل مسلسل التفجير طريقه، وأصاب هذه المرّة الاعلامية مي شدياق، حيث انفجرت في 25 ايلول 2005 عبوة ناسفة كانت موضوعة في سيارتها، بعد عودتها من زيارة دير مار شربل في عنايا، وفقدت شدياق ساقها اليسرى ويدها اليسرى، وسط ذهول وقلق متصاعدين من استمرار مسلسل الاغتيالات.
اغتيال تويني والجميّل
في 12 كانون الأول عام 2005 سقط النائب جبران تويني شهيداً، عندما فُجِّرت سيارة مفخَّخة بموكبه على طريق المكلس. وجاء ذلك في اليوم نفسه الذي تسلّم فيه مجلس الأمن الدولي التقرير الثاني لرئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري، ديتليف ميليس. وكان تويني قد وصل إلى بيروت ليلاً من باريس، ولكنّ معلومات تحدثت عن إختراق الإستخبارات السورية جهازَ أمن مطار بيروت.
لكنّ الاغتيالات أخذت طابعاً جديداً، والهدف كان النائب والوزير بيار أمين الجميّل الذي اغتيل في 21 تشرين الثاني 2006 بعد خروجه من واجب العزاء في كنيسة مار انطونيوس الجديدة، بعدما اعترضه مسلّحون وقتلوه في وضح النهار بطريقة بوليسية أشبه بالافلام.
وإستُهدف في 13 حزيران 2007 النائب وليد عيدو بتفجير سيارته قرب ملعب النجمة في المنارة، حيث أوْدى بحياته ومعه نجله وعدد كبير من القتلى والجرحى.
قبل أيام معدودة من بدء فترة الانتخابات الرئاسية في لبنان، إغتيل النائب أنطوان غانم في 19 أيلول 2007 في انفجار عنيف بواسطة سيارة مفخَّخة في منطقة سن الفيل، واتهمت قوى «14 آذار» سوريا في الضلوع باغتياله لإفقادها الاكثرية التي تمكنها من انتخاب رئيس جمهورية من فريقها السياسي.
بعد نجاحه في قيادة الجيش لتحقيق انتصار في حرب البارد، إستهدف الارهاب في 12 كانون الأول 2007 مدير العمليات في الجيش العميد الركن فرانسوا الحاج بانفجار سيارة مفخَّخة لدى مرور سيارته عندما كان متوجِهاً الى وزارة الدفاع، فقُتل وأربعة من مرافقيه.
في 25 كانون الثاني من العام 2008، كان فرع المعلومات يقدّم شهيداً، ولدى مرور سيارة الرائد وسام عيد في منطقة الحازمية، إنفجرت عبوة ناسفة قُدّرت بأكثر من 50 كيلوغراماً من مادة الـ» تي ان تي»، إضافة إلى مواد متفجرة معها.
وقبل اغتيال عيد، كان فرع المعلومات تعرّض لضربة بمحاولة اغتيال المقدَّم سمير شحادة خلال تنقله بين صيدا وبيروت، وهذه المحاولة التي أدّت الى استشهاد أربعة من الأمنيين ونجاة شحادة، كانت مفتاح توجيه الضربات الى الجهاز الأمني الذي استطاع أن يخطوَ خطوات كبيرة في مساعدة «لجنة التحقيق الدولية» للوصول إلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
اغتيال الحسن
الإغتيال الأكبر منذ استشهاد الحريري كان اغتيال رئيس فرع المعلومات اللواء وسام الحسن. فبعد تطويره لفرع المعلومات ونجاحه في إفشال المخطط التفجيري لسماحة - مملوك، هزّ منطقة الاشرفية انفجارٌ ضخم في 19 تشرين الأول من عام 2013، فسقط الحسن مع مرافقه وعدد كبير من الجرحى، ليفتح لبنان بعدها على مرحلة جديدة من اللّاإستقرار الأمني، خصوصاً أنّ العام الماضي شهد محاولتَي اغتيال طاولت رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع والنائب بطرس حرب.
وفي 27 كانون الأول 2013 سقط الوزير السابق محمد شطح شهيداً، في وقت ظن الجميع أنّ مسلسل الاغتيالات قد توقّف، فسيطر الذهول خصوصاً أنّ شطح معروف بوسطيّته وانفتاحه على الجميع.