عزيزي محمّد
لن أرثيك، لانني عاجز عن استيلاد الكلمات الكفيلة بالتعبير عن مكنونات نفسي، وعن مدى الأسى الذي اصابني بذهابك إلى الدار الأبدية، علماً بأنك أنت وأنا من صناع الكلمة الحلوة والمؤثرة في آن معاً في صناعة الرأي العام.
عزيزي محمّد
لن أرثيك بل اناديك من أعماق قلبي ومن جرحه الذي لن يندمل، لكي نتذكر طفولتنا التي عشناها معاً منذ ان تفتحت اعيننا على هذه الحياة القصيرة الزائفة، وصرنا نلعب ونمرح في ازقة قريتنا الجميلة بسابا.
نعم لن ارثيك ولا تنتظر من حبر قلمي الممزوج بالألم والحزن ذلك، بل سأناديك، لأنني لا اقوى على فراق رفيق عمري وأخ طفولتي وصديق الشباب، ذلك الشباب الذي عشناه معاً بين شوارع بيروت الحبيبة التي احتضنتنا معاً وازقة بسابا التي ولدنا فيها وترعرنا على أصوات العصافير المستوطنة والطيور المهاجرة التي كنا نطاردها في موسم الصيد.
عزيزي محمّد
انها مناسبة لكي اتذكر وحدي وليتك تكون معي، فترة انتقالنا المؤقت من تلك القرية الجميلة إلى تلك العاصمة النوارة سعياً وراء العلم والعمل في آن، وكم جاهدنا وتعبنا حتى أصبحت أنت وأنا في موقع صناع الرأي العام، أي في الصحافة، التي احببناها بكل جوارحنا ومعها سرنا تلك الرحلة الطويلة عندما استقريت أنت في السفير الغراء، واستقريت انا في دار الصياد التي لن انساها مدى ما تبقى من العمر ولن أنسى مؤسسها المرحوم سعيد فريحة الذي تعلمت منه الكثير من أسرار مهنة البحث عن المتاعب، وكم استمتع وأشعر بالانتصار عندما اطبق تعاليمه في المقابلات السياسية الساخنة وأكون كما تعلمت منه قاضي التحقيق المستجوب (بكسر الواو) ويكون السياسي مهما علا شأنه هو المستجوب (بفتح الواو).
عزيزي محمّد
ما زلت في موقع قاضي التحقيق وما زال السياسيون مهما علا شأنهم وإتسعت صلاحياتهم داخل السلطة وخارجها في موقع المتهم، وكم انا سعيد بذلك، وكم كنت اتمنى ان نبقى معاً نناضل من أجل الحقيقة، وليس سوى الحقيقة، تلك الحقيقة التي شغلتنا أنت وأنا ونحن نبحث عنها ونسعى وراءها ولم نجدها بعد ولن نجدها لأنها كما يقال عند أهل العلم والفقه نسبية تختلف من شخص إلى آخر.
عزيزي محمّد
لقد كنت بارعاً في صناعة الكلمة ويشهد لك بذلك زملاؤك في جريدة السفير وقبلها في مجلة الأحد وفي الشعب والسياسة والكفاح العربي، وفي وكالة أبناء الشرق الأوسط وزميلتها الوكالة الالمانية. وبقيت على هذا المنوال إلى ان تقاعدت ولا زلت حتى الآن لا اعرف سبب تقاعدك، وبقيت وحدي اناضل مع مهنة البحث عن المتاعب وعن الرأي العام الذي خذلنا وكأنه ليس موجوداً.
نعم عزيزي محمّد لقد كنت بارعاً في صناعة الكلمة وظل مقالك الأسبوعي يتصدر صفحة السفير الأولى حتى تركت المهنة قسراً، لكنها بقيت تعيش في عقلك وضميرك إلى ان وافتك المنية وغادرت هذه الدنيا الفانية إلى الدنيا الأبدية، فهنئياً لك فيها وحسرة صاعقة لي بفراق رفيق الطفولة وصديق العمر بالرغم مما كان بيننا في بعض الأحاديين من اختلاف في وجهات النظر وفي تقييم الأحداث أكانت صغيرة وتافهة أم كانت كبيرة ومؤثرة.