حرص السفير الفرنسي باتريس باؤلي، قبيل أيام قليلة من انتهاء مهامه الرسمية في لبنان، على توديع اللبنانيين بلقاء مع الصحافيين في «قصر الصنوبر» تحدّث فيه عن تجربته الديبلوماسية في لبنان على مدى ثلاث سنوات.
في 20 تمّوز الحالي، يتسلّم باؤلي مسؤولياته الجديدة كمدير لمركز الأزمات في باريس ليرصد من منصبه الجديد أحوال البلدان التي فيها رعايا فرنسيون، ومهمة هذا المركز التي تأسّس في العام 2008 معالجة انعكاسات الأزمات الدولية على الرعايا الفرنسيين في أي بقعة من العالم، وسيكون باؤلي مسؤولا عن تحديد النقاط الساخنة في كلّ بلد، ومقدّما النصح الى المواطنين الفرنسيين بالتوجه الى منطقة جغرافية معينة أم لا، سيكون لبنان إحدى النقاط التي تقع في نطاق مهمة باؤلي الجديدة لكنه لن يعمد الى إلغاء تحذير الفرنسيين من التوجه الى بعض البقع احتراما للمسؤولية تجاههم، واعدا بمراجعة أسبوعية للأماكن الخطرة وإزالتها تدريجيّا إذا تحسّنت الأمور.
في انتظار جردة سيقدمها اليوم، لمناسبة العيد الوطني الفرنسي، فإن باؤلي يلاحظ أنّ «النظام اللبناني ليس مؤسّسا لفبركة تفاهمات بين اللبنانيين، بل يبدو كأنه صنع لكي لا يسيطر كلّ طرف على الآخر، وثمة عجز لدى الماكينة السياسية اللبنانية في إنتاج قرارات».
برأيه أن اللبنانيين يضطلعون بدور مهمّ في اتخاذ مبادرات لحل أزماتهم، «أما الدور الفرنسي فليس إلا دورا مسهّلا لأصدقاء يحبون لبنان وحاضرون لمساندته وليس لاجتراح الحلول أو فرضها».
يضيف: «نجحت فرنسا في أحلك الظروف بإنشاء المجموعة الدولية من أجل دعم لبنان، كما أن فرنسا تتكلّم في شأن لبنان مع جميع شركائها في المنطقة، وهي لن تتوقف عن القيام بذلك لكنّ القرار في انتخاب رئيس مثلا لا يعود لها. هذا ما كنت أتحدث به عند البطريرك بشارة الراعي، فلا مهمة فرنسا ولا مهمة البطريرك انتخاب رئيس بل هي مهمة السياسيين اللبنانيين».
مظلّة الاستقرار
غير مضمونة
بالنسبة الى استمرار المظلّة الدولية يقول السفير باؤلي: «لا مظلّة دوليّة، لم نقل ذلك يوما، هناك تفاهم دولي مقبول من مجلس الأمن الدولي يتعلق بحماية استقرار لبنان لكن لا يمكن ضمان استمرار هذا الاستقرار بفعل القرار الدولي فحسب، فلا أحد قادر على ضمان استقرار في ظل عوامل خارجية كامنة ومتغيرة، لفرنسا إمكاناتها في الجنوب ضمن قوات «اليونيفيل» لكن لا ضمانة لدينا لاستقرار مستديم، إنه دور يضطلع به الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية، ودورنا هو المساعدة عبر البرنامج العسكري الذي ندعم به الجيش بتمويل من السعودية، وهو برنامج أؤكد أنه لم يجمّد ولن، بل هو مستمرّ طبيعياً وقد أكدت زيارة ولي وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ديمومته واستمراريته، هناك التزام فرنسي سعودي أكيد بدعم الجيش اللبناني».
تقوية الدول
لحماية المسيحيين
ثمة قلق فرنسي على مسيحيي الشرق وعلى جميع الأقليات بسبب منسوب التطرف العالي، وثمة حوارات جرت بهذا الشأن بين الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والبطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي. يقول باؤلي: «لقد نجحت فرنسا في دفع انعقاد اجتماع مجلس الأمن الدولي في آذار الماضي على المستوى الوزاري حول الوسائل الممكنة لحماية المسيحيين، وثمة 3 وسائل ممكنة لكنها ليست عملية كلها:
أولا، تسهيل هجرة المسيحيين وهذه ليست سياسة فرنسا التي تعتبر المسيحيين متجذرين في البلدان الأصلية التي هم فيها، قد تكون فرنسا استضافت بعض الأشخاص لحمايتهم لكنها لم تستقبل مسيحيين جماعيّا.
ثانيا، إرسال جيش لحماية المسيحيين وهذا ما ليس متوافرا بسبب غياب قرار مجلس الأمن والإمكانات الضئيلة.
ثالثا، تقوية الدول التي لها الحق والقدرة في الدفاع عن حقوق مواطنيها وحمايتهم وضمان حقهم بالعبادة، وفرنسا قادرة على تقديم المساعدة للحكومات لا أكثر ولا أقل، كما فعلت في العراق استجابة لطلب الحكومة العراقية».
يضيف: «يمتلك اللبنانيّون مفتاح مستقبلهم، إذ لا أكثريات في لبنان بل جماعات طائفية متقاربة عدديا وهي ملتزمة على التفاهم، ويكمن مفتاح الحلّ داخل الحدود اللبنانية، وثمة اتفاقات حصلت في الطائف وفي الدوحة يمكن للاعبين السياسيين الركون إليها وأن تشكل وثيقة وفاق حول المؤسسات».
وإذا كانت فرنسا تدعم حق المواطنين بالتظاهر، فإن باؤلي لا يعطي رأيه بالحركة الاعتراضية العونية التي حصلت في 9 تموز الجاري. يقول السفير الفرنسي إنّ ثمة مبلغاً قدره 46.5 مليون يورو مخصصا لبناء المدارس تمّ إلغاؤه وهو جزء من قروض كانت بحاجة لموافقة الحكومة والبرلمان، وفي عام 2014 ألغيت قروض بقيمة 70 مليون يورو كانت مخصصة للكهرباء، وفي نهاية 2013 تمّ إلغاء قروض بقيمة 15 مليون يورو خصصت للاتصالات. وفيما يؤكد باؤلي استمرار الكثير من القروض والهبات الفرنسية للبنان، يعيد سبب إلغاء بعض القروض الى شلل يضرب المؤسسات اللبنانية، ويخلص الى التشديد على «ضرورة انتظام عمل المؤسسات الدستورية اللبنانية».
«حزب الله» واتفاق الطائف
بالنسبة الى الحديث عن تبديل في خرائط المنطقة، أكد باؤلي أن موقف فرنسا هو الدفاع عن الحدود الموجودة في المنطقة لا تبديلها.
وعن العلاقة مع «حزب الله»، قال إنّ «فرنسا تتحاور مع جميع المكوّنات اللبنانية الموجودة في البرلمان وفي الحكومة بما فيها «حزب الله»، ولدينا لقاءات دورية مع «حزب الله» بالرغم من أننا لا نتوافق معه في أمور جمّة، منها على سبيل المثال مشاركته في الحرب في سوريا، فاحترام الحدود أمر مهمّ بالنسبة الى فرنسا».
وماذا عن محاربة «حزب الله» للإرهاب الذي يهدد أوروبا؟
يقول السفير باؤلي «إنّ محاربة الإرهاب تكون عبر الشرطة والجيش وليس من شأن أي طرف أن يتخذ قرارا في هذا الشأن».
وهل الجيش قادر؟ يجيب: «لهذا السبب نساعد الجيش اللبناني الذي يبدو أنه استفاد من أسلحة نوعية في الآونة الأخيرة قدمتها فرنسا ودول أخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية».
وعن طرح البعض تعديل اتفاق الطائف، قال باؤلي إن فرنسا دعمت هذا الاتفاق الذي حصل بمساعدة جامعة الدول العربية لأنه أنهى القتال بين اللبنانيين، وقد تحول الطائف الى دستور للبنان، أما أي تعديل فيه فهذا يعود الى اللبنانيين أنفسهم لكن فرنسا لم تطلب يوما تبديل الدستور اللبناني أو تعديله، وإذا قرر اللبنانيون ذلك، فهذا شأنهم».
فرنسا تؤيد
اتفاقاً نووياً صلباً
يشير باؤلي الى أنّ فرنسا تتمنّى أن يكون الاتفاق النووي صلبا وأن يتضمن عناصر وضمانات، وأن يتيح لإيران الإفادة من الطاقة السلمية وأن تتخلّص من العقوبات المفروضة عليها منذ أعوام، وقال ان فرنسا ملتزمة بهذا الاتفاق في حال حصوله وستكون له تداعيات على المنطقة نرجو أن تتمثل بمزيد من الاسترخاء بين إيران المعزولة ودول الإقليم». علما أن باؤلي لا يتوقع نتائج فورية إقليميا، وخصوصا أن مرشد الثورة السيد علي خامنئي قال بوضوح إنّ إيران تنأى بهذا الاتفاق عن الخيارات الإقليمية.