انتهت ليالي الديبلوماسية الطويلة في فيينا الى اتفاق بين مجموعة 5 +1 وإيران بشأن البرنامج النووي. الجميع كان يتوقع التوصل الى اتفاق، نظراً الى لهفة الرئيس الأميركي باراك أوباما الى إنجاز ديبلوماسي يطرز به ولايتيه الرئاسيتين، والى حاجة الرئيس الإيراني حسن روحاني لنافذة على العالم يراهن أن تهب منها ريح تخفف ثقل أوضاع شعبه الاقتصادية والمعيشية بل والسياسية وتعزز مكانته في هرمية نظام ولي الفقيه.
مع ذلك كان الوصول الى «اتفاق فيينا» عملية صعبة استغرقت سنتين من المفاوضات الشاقة لتحديد تفاصيله، وربما سيكون فرض إقراره وتطبيقه واحترامه صعباً بالقدر نفسه، نظراً الى قوة المعارضين له في الولايات المتحدة وإيران والمنطقة، ونظراً أيضاً الى ثقل السؤال الذي يفرضه الاتفاق حكماً: هل سنرى عودة النظام الإيراني الى حضن الشرعية الدولية؟.
أوباما وروحاني احتفيا بالاتفاق. وكلاهما اعتبرا أنه يحقق له الأهداف التي سعى اليها. وبانتظار تكشف كل تفاصيل الاتفاق وبنوده ليصبح ممكناً قراءته من منطلق الخسارة والربح، فإن الأسلم التعاطي معه حالياً على أساس أنه «يفتح صفحة جديدة».
قد تكون «صفحة جديدة» للداخل الإيراني تنعش تطلعات الشعب الإيراني للتنعم بخيرات بلدهم التي استنزفتها سياسة المتشددين في تمويل أحلام توسع مذهبي في المنطقة، وتقوي الخيار الإصلاحي الذي جاء روحاني الى الرئاسة ممثلاً له.
قد تكون أيضاً «صفحة جديدة» بين طهران والغرب الطامع بسوق متعطشة الى أقصى حد لعشرات مليارات الدولارات التي سيفك الحجز عنها لإنفاقها على بنية تحتية متآكلة.
لكنها قد تكون أيضاً «صفحة جديد» تستهل فصل سباق تسلح غير مسبوق في الشرق الأوسط حيث لن يرضى كثيرون بالتفرج على «إيران نووية» بعد «إسرائيل النووية»، خصوصاً أن التاريخ أثبت أن ما من سلاح دخل الى المنطقة إلا واستخدم. وفي الجرائم الكيميائية التي نفذها بشار الأسد أكثر من عبرة.
موقف المملكة العربية السعودية من الاتفاق أوجز الايجابيات والسلبيات المفترضة فيه، إذ أكدت الرياض بلسان مصدر مسؤول أنها «كانت دائماً مع أهمية وجود اتفاق حيال برنامج إيران النووي يضمن منع إيران من الحصول على السلاح النووي بأي شكل من الأشكال، ويشتمل في الوقت ذاته على آلية تفتيش محددة وصارمة ودائمة لكل المواقع بما فيها المواقع العسكرية، مع وجود آلية لإعادة فرض العقوبات على نحو سريع وفعال في حالة انتهاك إيران للاتفاق».
وقال المصدر السعودي «إن المملكة تشارك دول 5+1 والمجتمع الدولي باستمرار العقوبات المفروضة على إيران بسبب دعمها للإرهاب وانتهاكها للاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بالتسليح». وأضاف أنه «في ظل اتفاقية البرنامج النووي، فإن على إيران أن تستغل مواردها في خدمة تنميتها الداخلية وتحسين أوضاع الشعب الإيراني عوضاً عن استخدامها في إثارة الاضطرابات والقلاقل في المنطقة. الأمر الذي سيواجه بردود فعل حازمة من دول المنطقة». واختتم المصدر السعودي تصريحه بالإشارة إلى «أن إيران باعتبارها دولة جوار، فإن المملكة تتطلع إلى بناء أفضل العلاقات معها في كافة المجالات، والمبنية على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين».
وقال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي باراك أوباما اتصل بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز الثلاثاء من على متن طائرة الرئاسة الأميركية، لبحث الاتفاق النووي الإيراني.
وكان الرئيس الأميركي صرح في كلمة له بأن أميركا تفاوضت من حيث القوة والمبدأ حول هذا الاتفاق، الذي سيتأكد العالم من خلاله أن طهران لن تتمكن من امتلاك سلاح نووي.
وأضاف أوباما أن القوى الغربية تمكنت من قطع الطريق على إنتاج إيران للسلاح النووي، وإمكانية أن تنتج طهران اليورانيوم المخصب بدرجة عالية الذي يعد ضروريا لإنتاج القنبلة النووية، معتبرا أن عدم التوصل لاتفاق يعني فرصة أكبر لمزيد من الحروب في الشرق الأوسط.
وذكر أوباما خلال كلمته عدداً من البنود التي ينص عليها الاتفاق الشاق مع طهران، ومنها تخلصها من 98% من مخزون اليورانيوم المخصب لديها، وقيامها بإزالة أجهزة الطرد المركزي بمقدار الثلثين، وخلال 15 عاماً لن تتمكن طهران من بناء مفاعل جديد لإنتاج المياه الثقيلة. ويتوجب على طهران أيضاً وفق الاتفاق المبرم نقل الوقود خارج إيران، كما أنها ستخضع لإشراف دولي مستمر للتحقق من التزامها، وبحسب ما قاله أوباما فإن الاتفاق مع طهران ليس مبنيا على «الثقة» بل على «التحقق«.
وأكد أوباما على أن الاتفاق لا يعني انتهاء كافة الخلافات مع إيران، فضلاً عن أن الغرب سيبقي على العقوبات المتعلقة بدعم طهران للإرهاب. وفي حال انتهكت إيران الاتفاق، قال أوباما إن كل الخيارات متاحة أمام البيت الأبيض، على رأسها عودة كل العقوبات.
وسعى الرئيس الأميركي إلى طمأنة حلفاء واشنطن، مشيراً إلى أن الاتفاق يلبي المتطلبات الأمنية «لنا ولحلفائنا».
ويعقد اوباما الاربعاء مؤتمرا صحافيا يخصصه للاتفاق النووي التاريخي الذي وقعته القوى الكبرى مع إيران والذي انتقده الجمهوريون في الكونغرس.
وقال المتحدث باسم الرئاسة جوش ايرنست إن أوباما سيرد في البيت الأبيض على أسئلة الصحافيين في شأن الاتفاق الذي حظي ايضاً بانتقاد شديد من جانب اسرائيل، إذ اكد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ان بلاده غير معنية بالاتفاق، معتبراً أنه «خطأ تاريخي» ومحذراً أن اسرائيل «ستدافع دائماً عن نفسها». واعلنت سفيرة الولايات المتحدة لدى الامم المتحدة سامنتا باور الثلاثاء ان بلادها ستقدم قريبا الى شركائها في مجلس الامن الدولي مشروع قرار يقر الاتفاق النووي الذي وقعته ايران والقوى الكبرى.
وقالت باور في بيان ان «الولايات المتحدة سترفع مشروع قرار الى مجلس الامن خلال الايام المقبلة باسم مجموعة دول 5+1 وباسم الاتحاد الاوروبي».
واضافت ان «هذا القرار سيقر الاتفاق وسينص على اجراءات مهمة من بينها استبدال الالية الحالية للعقوبات التي يفرضها مجلس الامن بقيود جديدة ملزمة تقررت في فيينا». وتابعت انها تريد «العمل مع زملائها في مجلس الامن لتأمين تبن سريع لهذا القرار المهم».
وفي طهران رقص شبان وشابات في بعض شوارع طهران وأطلقوا أبواق السيارات ورفعوا علامات النصر احتفالاً بعد إعلان إبرام اتفاق نووي تاريخي مع قوى عالمية يأملون أن ينهي سنوات من العقوبات الاقتصادية وعقوداً من العزلة الدولية.
وفي الشمال الغني بالعاصمة دوت موسيقى صاخبة من السيارات واستخدم شبان صغار أبواق فوفوزيلا المشهورة في جنوب أفريقيا في مشاهد لا تعرفها إيران إلا حين يتأهل منتخبها الوطني لنهائيات كأس العالم لكرة القدم. وأغمض السكان والشرطة الأعين عن الاحتفالات بل إن البعض انضم إليها.
ولكن وصفت زعيمة المعارضة الإيرانية في المنفى مريم رجوي، التوافق بين إيران والدول الكبرى بـ»السم النووي» الذي تجرع كأسه الزعيم الأعلى في إيران علي خامنئي، في اقتباس لما جاء على لسان الخميني المؤسس للنظام الإيراني الحالي، حين وصف قبول قرار وقف إطلاق النار خلال الحرب العراقية - الإيرانية بمثابة «تجرع كأس السم».
وجاء في بيان للمقاومة الإيرانية المرتبط بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة، أن رجوي اعتبرت أن التفاف إيران على 6 قرارات صادرة عن مجلس الأمن وحصول اتفاق دون توقيع، «يترك السبيل أمام النظام الإيراني للمراوغة ولا يقطع الطريق عليه للحصول على القنبلة النووية«.
وتابعت رجوي قائلة «غير أن السم النووي وتراجع خامنئي عن خطوطه الحمراء، يقضي على هيمنته ويحدث زلزالاً في نظامه برمته«.
وفي الإمارات أكد مصدر مسؤول ان الاتفاق الذي يأتي بعد سنوات من المواجهة المحتدمة بين طهران والمجتمع الدولي حول البرنامج النووي، «يمثل فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة في العلاقات الاقليمية والدور الإيراني في المنطقة، ويتطلب ذلك اعادة مراجعة طهران لسياساتها الاقليمية بعيدا عن التدخل في الشؤون الداخلية للمنطقة». واشار المصدر المسؤول بشكل خاص الى العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وقال البيت الأبيض إن أوباما تحدث هاتفيا مع الشيخ محمد بن زايد ولي عهد إمارة أبوظبي لبحث اتفاق يضع قيودا على البرنامج النووي الإيراني. وشدد على التزام الولايات المتحدة بالعمل مع الشركاء في الخليج مثل الإمارات العربية المتحدة من أجل التصدي لأنشطة إيران التي تزعزع الاستقرار في المنطقة.
وأما الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الذي شدد على ان إيران «لن تحصل على سلاح نووي، وسنكون قادرين على التحقق» من ذلك، اعتبر ان «من الاهمية بمكان ان تتمكن إيران اليوم من ان تصبح لاعباً مسؤولاً عن الاستقرار في محيطها». واضاف «يجب ان تظهر إيران(..) في ما يتعلق بسوريا، ان هذا البلد مستعد للمساعدة على انهاء هذا النزاع».
(ا ف ب، رويترز، واس، العربية)