قبيل أيام قليلة من موعد إجراء استفتاء انفصال إقليم كردستان عن العراق، لم تجد الدعوات الداخلية والإقليمية والدولية المُطالبة بالتأجيل آذاناً صاغية في إربيل، حيث شجع رئيس الإقليم مسعود البارزاني الأكراد على الذهاب إلى الصناديق والتصويت بالموافقة، معلناً الاستعداد «لحوار جدي مع بغداد، ولكن بعد 25 أيلول» موعد الاستفتاء على الاستقلال.
وأتى خطاب البارزاني وسط تحذير تركي شديد حيث قال مجلس الأمن القومي التركي إن أنقرة تحتفظ بجميع حقوقها في حال أجرى الإقليم الكردي استفتاء الانفصال، الذي رأى المجلس أنه يُشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي لتركيا.
ففي خطابه الأخير قبل استفتاء استقلال كردستان المقرر إجراؤه الإثنين المقبل، دعا البارزاني الأكراد إلى التوجه لصناديق الاقتراع للمشاركة في الاستفتاء. وقال في تجمع شعبي ضخم في ملعب أربيل إنه «بصوت واحد وباسم شعب كردستان كافة نقول نعم للاستقلال»، مشيراً إلى أن الإقليم «وصل إلى قناعة بعدم القدرة على التواصل مع بغداد رغم المحاولات الكثيرة مع مختلف الأطراف لإيجاد الحلول للمشاكل، لكن لم تبقَ الشراكة ولم يبقَ الدستور الذي لا يؤكد على وحدة العراق وإنما اتحاده».
وأضاف رئيس إقليم كردستان أن «المادة 140 من الدستور (الخاصة بالمناطق المُتنازع عليها) لم تنفّذ كما لم يتم إرسال الأسلحة للبيشمركة أثناء قتال داعش وقطعت الحكومة العراقية الموازنة المالية للإقليم، كما كان مقرراً أن يكون العراق دولة مدنية وديموقراطية فيدرالية، لكن ما هو قائم الآن هو دولة مذهبية»، موضحاً أن «الكثير من الأطراف السياسية كانت تعتقد أن إعلان كردستان لإجراء الاستفتاء يُمثل ورقة سياسية وكانوا يعولون على التناحر بين الأحزاب الكردية بينما الجميع الآن يُعاتب الإقليم ويهدده ويُطالب بعدم إجراء الاستفتاء»، مشيراً إلى أن «إجراء الاستفتاء خرج من يدي ( البارزاني) ومن يد الأحزاب الكردية وأصبح بيد الشعب الكردي».
وقال بارزاني أمام حشد كبير في ملعب لكرة القدم في أربيل «حالياً، الاستفتاء خرج من يدي ويد الأحزاب وأصبح بيدكم». وأضاف أن «إقليم كردستان قرر عدم الرجوع إلى تجربة فاشلة»، وتابع «نحن نقول إننا مستعدون لحوار جدي وبعقلية متفتحة مع بغداد، ولكن بعد 25 أيلول، لأن الوقت فات».
وسبق لبارزاني أن ألقى خطابات مماثلة في كركوك والسليمانية وزاخو ودهوك، حيث كرر مطالبه ودعواته نفسها. ومن المُفترض أن يُعلن رئيس إقليم كردستان العراق في مؤتمر صحافي في أربيل، رسمياً موقفه النهائي.
وعبّر البارزاني عن استغرابه من الموقف الدولي الذي يرى أن «الوقت غير مناسب» مشيراً إلى أن «بغداد تشجعت بالموقف الدولي».
وبيّن رئيس إقليم كردستان أن «الاستفتاء ليس لترسيم الحدود أو فرض أمر واقع وإنما خطوة أولى لشعب يريد الاستقلال والإقليم مستعد لإجراء حوار جدي على الحدود والمناطق والنفط والغاز والماء وعلى جميع القضايا»، مبدياً استعداده للتعاون مع الجيش العراقي والتحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، مقدماً شكره للتحالف الدولي لدعمه قوات البيشمركة في مواجهة داعش.
وناشد البارزاني الأكراد بالذهاب «يوم 25 أيلول إلى صناديق الاستفتاء وحددوا مصيركم ومن يرفض فيذهب لصناديق الاستفتاء ويقول لا».
وفي معرض تعليقه على بيان مجلس الأمن برفض إجراء الاستفتاء أكد رئيس الإقليم الكردي الحرص على «محاربة داعش وحماية النازحين حيث لا توجد أي مشكلة معهم وهم ضيوفنا»، مخاطباً دول الجوار وبخاصة تركيا بأن «إقليم كردستان لم يكن عامل تهديد للمنطقة على مدى 25 سنة» مشدداً على أن «كردستان ستكون دولة ديموقراطية فيدرالية برلمانية تُحافظ على حقوق جميع المكونات».
وبيّن البارزاني أن «كردستان على مفترق طرق إما العبودية أو الاستقلال والحرية»، منوهاً إلى أنه «منذ 100 سنة يعاقبون الشعب الكردي وإذا رغبتم بالعودة إلى العقوبة فعاقبوني واتركوا الشعب، فكردستان لن تقع بيد الأعداء بوجود قوات البيشمركة».
وذكرت المفوضية العليا للانتخابات في إقليم كردستان أن الحملة الدعائية للاستفتاء انتهت في الساعة 12 من ليلة أمس.
وقالت مديرية إعلام المفوضية العليا في بيان صحافي ان «عدد صناديق الاقتراع للتصويت على استفتاء الاستقلال بلغ 12 ألف صندوق موزعة على ألفي مركز في عموم المناطق التي سيتم فيها إجراؤه».
ومن المقرر أن يتم اجراء استفتاء استقلال كردستان في الـ 25 من الشهر الجاري في محافظات الإقليم إلى جانب المناطق المُتنازع عليها ومن ضمنها كركوك رغم رفض بغداد وعدد من الدول الإقليمية والعالمية لإجرائه.
وتعرضت الوساطات الجارية لتأجيل الاستفتاء في كردستان إلى ضربة من قبل أغلب الأحزاب العراقية المهمة حيث انضم تحالف القوى السنية إلى قائمة المعترضين على مبادرة الرئيس العراقي فؤاد معصوم.
وقال التحالف في بيان صحافي أمس إن «مبادرة معصوم للتوسط في حل أزمة استفتاء إقليم كردستان العراق مخالفة لأحكام الدستور الضامن لوحدة ارض العراق»، معرباً عن استغرابه «من مبادرة الرئيس معصوم التي تتعارض مع اليمين الذي أداه وامتازت بعدم الحيادية والتبرير لعملية الاستفتاء ولو بعد حين».
وأعلنت ميليشيا «عصائب أهل الحق» المنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي عن رفضها مبادرة الرئيس العراقي.
وقالت الميليشيا في بيان لها أمس «نعلن رفضنا لهذه المبادرة المخالفة للدستور»، مشيرة إلى أن «بعض ما ورد فيها اعتراف واضح بمطالب البارزاني الرامية إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الضغوط على الحكومة الاتحادية لفرض سيطرته وبقائه في المناطق التي استولى عليها بغير وجه حق محاولاً فرض الأمر الواقع على العراقيين».
وكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قد عبّر هو الأخر خلال لقائه أول من أمس بالرئيس العراقي عن أن الموقف برفض استفتاء كردستان «ثابت بسبب عدم دستوريته»، مشيراً إلى أن «أي اجراء من طرف واحد مرفوض»، لافتاً إلى أن «باب الحوار مفتوح وفق الدستور والعراق الواحد» مشدداً على أن «أي إجراء يُتخذ من طرف واحد مرفوض».
وفي أنقرة، قال مجلس الأمن القومي التركي، إن تركيا تحتفظ بجميع حقوقها المنبثقة عن الاتفاقيات الثنائية والدولية في حال أجرى الإقليم الكردي في العراق استفتاء الانفصال.
وجاء ذلك في بيان المجلس عقب اجتماعه، في المجمع الرئاسي في العاصمة أنقرة برئاسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وشدد على أن الاستفتاء الذي يعتزم الإقليم إجراءه «غير مشروع وغير مقبول».
وأضاف: «جرت دعوة الإقليم الكردي في العراق، للتخلي عن إجراء الاستفتاء قبل فوات الأوان». ولفت إلى استعداد تركيا للقيام بما في بوسعها للمساهمة بحل القضايا بين الإقليم وحكومة بغداد عبر المفاوضات وعلى أساس دستوري.
ووفق البيان، فإن «ظهور عواقب وخيمة من شأنها أن تضر بشمالي العراق والمنطقة بأسرها، باتت أمراً لا مفر منه في حال الإصرار على هذا الخطأ (الاستفتاء) المرفوض من تركيا ومجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي والحكومة المركزية بالعراق». ولفت إلى أن الاستفتاء يُشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي لتركيا.
وشدد على أنه خطأ فادح، ويُشكل تهديداً للوحدة السياسية في العراق، ووحدة أراضيه، إضافة إلى سلام وأمن واستقرار المنطقة.
وبيّن المجلس أنه لا يمكن الحفاظ على البنية التعددية المُشكلة من العرب والأكراد والتركمان والإيزيديين والكلدان والسريان وباقي فئات المجتمع الأخرى في العراق مع شماله، إلا على أساس وحدة أراضي البلاد فقط.
ميدانياً أعلن الفريق الركن عبد الأمير رشيد يارالله قائد عمليات تحرير الحويجة في محافظة كركوك ( شمال شرق العراق) عن طرد داعش من 19 قرية وإكمال المرحلة الثانية من المرحلة الأولى لتحرير القضاء.
كما أعلنت قوات الرد السريع استمرارها بالتقدم بعد وصولها لمركز ايسر الشرقاط في محافظة صلاح الدين ( شمال بغداد)، مشيرة الى أن «التقدم حصل بعد ضرب عدد من عناصر التنظيم الإرهابي وضرب 11 سيارة مفخخة والتقدم مستمر باتجاه الأهداف المرسومة». وكان رئيس الوزراء العراقي أعلن فجر أول من أمس انطلاق المرحلة الأولى من عملية تحرير ما تبقى من قضاء الشرقاط والحويجة.