في ظل أجواء من الترقب قبيل ساعات قليلة من موعد إجراء الاستفتاء على استقلال كردستان العراق، ووسط الخشية من اضطرابات في ظل تحذيرات متتالية من دول الجوار التي أبدت معارضتها بشدة، يتوجه اكراد العراق اليوم الى صناديق الاقتراع بعدما اخفقت كل الوساطات الداخلية والدولية والتهديدات الاقليمية، في ثني رئيس القيادة الكردية عن الاقدام على هذه الخطوة.
وتصاعدت التهديدات وأصبحت أكثر وضوحاً داخل العراق وخارجه ضد اقليم كردستان، فقد أوقفت إيران جميع الرحلات
الى مطارات اربيل والسليمانية، وكذلك جميع الرحلات الجوية المنطلقة من كردستان العراق والتي تعبر اجواء ايران، وشهدت مناطق الغابات الحدودية التابعة لإقليم كردستان العراق، عمليات قصف مدفعي كثيفة من الجانب الإيراني، وقال حزب الاتحاد الوطني الكردستاني إنها «تركزت على عدة قرى تابعة لمنطقتي باليكايتي وحاجي عمران الحدوديتين».
كذلك أعلنت رئاسة الأركان التركية، أن مقاتلات تابعة لسلاح الجو للبلاد نفذت، غارات على مواقع لعناصر تنظيم «حزب العمال الكردستاني» شمال العراق.
وفي هذه الأجواء العاصفة جدد زعيم الإقليم مسعود البارزاني المضي بالاستفتاء، معلناً أن «الأكراد متمسكون بالتصويت على الاستقلال، ولن يعودوا مطلقا إلى بغداد»، فسارع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي للرد عليه، محذراً من ان «استفتاء كردستان محاولة لتقسيم العراق... وستكون لنا خطوات لاحقة للتعامل معه».
وحيال هذه التطورات، تحادث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ونظيره الإيراني حسن روحاني هاتفياً أمس، بشأن الاستفتاء، وجاء في بيان لمكتب إردوغان أن «الزعيمين أوضحا أن عدم إلغاء الاستفتاء سيحدث فوضى في المنطقة، وأكدا على الأهمية الكبيرة التي يوليها الزعيمان لوحدة أراضي العراق».
وأضافت المصادر أن الجانبين تطرقا أيضًا إلى الزيارة التي يعتزم أردوغان إجراءها في 4 تشرين الأول المقبل إلى إيران.
ففي مؤتمر صحافي عقده في اربيل قال البارزاني، إن «الأكراد سيمضون قدما في الاستفتاء على الاستقلال غداً (اليوم) الاثنين»، مضيفاً «لن نعود مطلقا إلى شراكة فاشلة» مع بغداد، «لأن العراق أصبح دولة دينية طائفية وليس دولة ديموقراطية كان من المفترض إقامتها» بعد الإطاحة بصدام حسين في 2003.
وتابع: «إن دولتنا القادمة ديموقراطية مدنية وليست مذهبية»، مشدداً على أن «الاكراد ماضون قدماً في الاستفتاء ويرفضون لغة التهديد، وإن الاستفتاء هو مجرد خطوة أولى، وستكون بعده عملية طويلة. ومستعدون لمواجهة أي عدوان، لكن لا نفكر في نزاع عسكري أبداً، ولن يستطيع أي مسؤول سياسي أو عسكري إيقاف الاستفتاء».
واضاف: «دعونا نبحث عن صيغة جديدة للعلاقة مع بغداد، ونصبح جيرانا جيدين، وذلك بعدما حاولنا كثيرا التوصل لحل من خلال الحوار مع بغداد، لكن هذا لم ينجح»، مستطرداً بالقول: «إننا نريد بناء علاقة جديدة مع بغداد على أساس حسن الجوار لأن الشراكة بيننا فشلت، ويجب أن نحافظ على علاقة الأخوة بين الأكراد والعرب والتركمان».
عن امكان تدهور الوضع، أجاب البارزاني «لا نفكر البتة في نزاع مسلح، نحن مستعدون لكل شيء. نكن احتراما لجنود الجيش العراقي وهؤلاء هم اخوتنا». واضاف «كنا نتوقع ردود فعل من هنا وهناك، لكننا توصلنا الى اقتناع: مهما كان الخطر والثمن، الافضل الا ننتظر مصيرا مظلما».
واكد البارزاني رغبة الاقليم بأن «تكون العلاقات جيدة مع الدول المجاورة والاقليمية والالتزام بكافة المواثيق الدولية وستكون الرؤية واضحة بعد الاستفتاء، والاكراد سيحترمون الحدود المرسومة»، متوقعاً ان «يتعامل المجتمع الدولي مع نتائج الاستفتاء كما تعامل الفيدرالية سابقا، كأمر واقع، والاقليم».
وبشأن مواقف كل من تركيا وايران، أجاب البارزاني: «لسنا مصدر تهديد للامن القومي لتركيا وايران، وكما اثبتنا سابقا، سنبقى كذلك»، معرباً عن امله ان «لا تقدم تركيا على اغلاق الحدود». واضاف أن الأكراد «سيمدون يدهم» لإيران وتركيا حتى إذا لم تقم الدولتان بخطوة مماثلة، مشيراً إلى أنه التقى في الآونة الأخيرة في المنطقة الكردية بقائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني الذي أتى لإقناعه بتأجيل الاستفتاء.
وفي بغداد، قال العبادي في خطاب تلفزيوني، إن حكومته تعارض الاستفتاء لأنه غير دستوري. وأضاف أن ذلك قد يؤدي إلى «تمزيق وحدة العراق والتفريق بين أبناء الوطن الواحد على أساس قومي وعرقي وتعريضهم جميعا لمخاطر لا يعلم إلا الله مداها وعواقبها الوخيمة».
وشدد على أن هذا الاستفتاء «مخالف للدستور والتعايش السلمي، ولن نتعامل معه، وستكون لنا خطوات لاحقة لحفظ وحدة البلاد، ولن نتخلى عن مواطنينا الكرد، وقد رفضنا ونرفض إقامة أية دولة طائفية أو عنصرية تكون ملكا لهذا أو ذاك دون رقابة».
وكال العبادي اتهامات إلى المسؤولين عن إدارة الاقليم الكردي، شملت «الفساد»، و«سوء الإدارة»، و«الاستحواذ على عائدات بيع النفط وترك الموظفين بدون رواتب». وقال: «الأموال العامة لا يجوز أن تكون ملكا للأشخاص والأحزاب، بينما المواطنون الكرد بدون رواتب، وعائدات بيع النفط في الإقليم لا تدخل في حساب واضح معلن»، لافتاً إلى أنهم «لا يسمحون للرقابة المالية من الحكومة الاتحادية بتدقيق الإيرادات، بحجة التدخل في الشؤون الداخلية والهدف من ذلك التغطية على الفساد وسوء الإدارة».
وطالبت الحكومة العراقية حكومة إقليم كردستان بتسليم المواقع الحدودية الدولية والمطارات، كما طالبت الدول الأجنبية وقف تجارة النفط مع إقليم كردستان والتعامل مع الحكومة المركزية في ما يتعلق بالمطارات والحدود.
وفي اول رد فعل لها، بادرت طهران امس، إلى حظر جميع الرحلات الجوية الايرانية الى مطارات اربيل والسليمانية في أقليم كردستان بناء على طلب حكومة بغداد، وبدأت كذلك إجراء مناورات عسكرية قرب الحدود مع كردستان.
وقال المتحدث باسم المجلس الاعلى للامن القومي الإيراني كيوان خسروي إنه «بناء على طلب الحكومة العراقية المركزية، توقفت جميع الرحلات الى مطارات اربيل والسليمانية، وكذلك جميع الرحلات الجوية المنطلقة من كردستان العراق والتي تعبر اجواء ايران».
وحول المناورات العسكرية، افادت الإذاعة الإيرانية إن التدريبات وهي جزء من فعاليات سنوية تنظمها إيران في ذكرى اندلاع الحرب مع العراق والتي استمرت من 1980 إلى 1988، تجري في منطقة اشنويه الحدودية، موضحة أن التدريبات ستشمل وحدات من المدفعية والمدرعات وأخرى محمولة جوا.
وفي تركيا، أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، أمس، أنّ استفتاء الإقليم الكردي في شمال العراق، «لن يكون وسيلة لحل أي مشكلة للإقليم، بل سيؤّدي إلى تفاقم الفوضى وعدم الاستقرار وغياب السلطة».
وحذر من أن «سكان المنطقة سيدفعون ثمن الأخطاء التي ترتكبها حكومة الإقليم الكردي، وأنّ تركيا لن ترحب أبدا بأي كيان جديد على حدودها الجنوبية»، معتبراً أنّ الاستفتاء المزمع إجراؤه «غير مشروع»، محملا حكومة الإقليم مسؤولية عواقبه، وقال: «سنحاسب من يُصر على إجراء هذا الاستفتاء بغض النظر عن نتائجه».
وكان الجيش التركي قد واصل أمس، ولليوم السابع على التوالي، مناوراته العسكرية، في قضاء سبلوبي في ولاية شرناق الحدودية مع العراق.
كما أعلن مجلس الأمن القومي التركي أن الأجواء التركية ستغلق بوجه الطائرات التي تنطلق من وإلى إقليم كردستان.
وحذرت واشنطن رعاياها من اضطرابات محتملة أثناء إجراء الاستفتاء. وقالت السفارة الاميركية في بغداد، في بيان امس، انه «يجب على المواطنين الأميركيين تجنب السفر إلى أو داخل المناطق المتنازع عليها بين حكومة إقليم كردستان وحكومة العراق».
وقبل موعد إجراء استفتاء كردستان العراق بساعات، زار قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني منطقة سهل نينوى (شمال غرب الموصل)، واجتمع بقادة ميليشيات «الحشد الشعبي»، الممثلة بـ«كتائب بابليون» المسيحية المنتشرة في تلك المنطقة.
ولم تكشف المصادر عن سبب الزيارة والنتائج التي تمخضت عنها، لكن لا يمكن اغفال الربط بين توقيتها وتطورات استفتاء كردستان واحتمالات التحريض على مقاطعة الاستفتاء في المناطق المسيحية او التي تسكنها اقليات عرقية ودينية مثل الشبك والايزيديين.