مصر الآن ليست فقط «جمهورية الخوف والقمع والبطش» التي تمثلها سلطة السيسي الانقلابية.
مصر الآن صارت مصرين: مصر السيسي من جهة و»مصر الثورة الشعبية» التي تسعى لإسقاط الانقلاب من جهة أخرى.
ومن الأخطاء البديهية في السياسة الخارجية لأي دولة في العالم أن تتعامل مع «مصر السيسي» فقط، بينما تهمل «مصر الثورة» أو «مصر الشعب» التي ستنتصر في النهاية مهما طال الزمن.
صحيح أن النظام الحاكم في مصر يمثل «سلطة الأمر الواقع- De Facto authority» بينما تمثل الثورة «سلطة المستقبل الحتمية»، وبالتالي فإن بناء سياسة خارجية طويلة المدى لدولة ما استنادا على وجود سلطة «أمر واقع مؤقتة» في مصر ليس عملا من أعمال «السياسة الرشيدة».
الولايات المتحدة الأميركية هي التي ابتدعت «البراجماتية» أو مبدأ «النفعية» في السياسة الخارجية، فهي التي هللت لثورات الربيع العربي في بداياتها عندما ظنت أن تلك الثورات «علمانية» وأنها لن تنحو نحو «أسلمة السياسة والحكم» إذا جاز التعبير، وظنت أن «العلمانية» هي خيار شعوب الربيع العربي ومنها الشعب المصري، لكن الإرادة الحرة للمصريين اختارت الإسلاميين في خمسة استحقاقات انتخابية متتالية جعلت واشنطن تغير حساباتها، وتغض الطرف عن انقلاب العسكر على «الإرادة الحرة للمصريين».
وعبر استثماراتها في العسكر المصريين أوشكت واشنطن على تغيير معادلة الربيع العربي في المنطقة، ووقفت ضد الإرادة الحرة للمصريين في تناقض صارخ مع مبادئها الديمقراطية.
واشنطن كانت أذكى من طهران، فالأخيرة ظلت تراقب الموقف عن كثب، وحاولت- في البداية- استقطاب نظام الرئيس محمد مرسي (فك الله أسره) لكي يقف معها في صراعها مع المملكة العربية السعودية، لكنه رفض، بل أعلن الوقوف ضدها في سوريا بصيحته الشهيرة في استاد القاهرة: «لبيك يا سوريا»، وحينما حاول مرسي الموازنة باقتراح «لجنة رباعية بشأن سوريا» تضم مصر والسعودية وتركيا وقطر أجهضت تلك المحاولة، وعندما عقدت اللجنة أولى اجتماعاتها من دون السعودية، قال الصحافي السعودي جمال خاشقجي المقرب من دوائر صناعة القرار في الرياض- في مداخلة على قناة «العربية» كان كاتب هذه السطور طرفها الثاني من القاهرة متحدثا عن السياسة المصرية في ذلك الوقت- إن تلك اللجنة لن تجتمع مرة أخرى، وصدق خاشقجي فيما قال!!
الأكثر من ذلك أن حكام إحدى الدول الخليجية (دولة الإمارات العربية المتحدة) حاولوا التدخل في الشأن المصري، بل أشارت بعض التسريبات إلى أنهم حثوا نظام مرسي على التقارب مع طهران، فكان رد الدكتور عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة والقيادي في جماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت بالقول لهم: «خير لكم أن تكونوا ملوكًا بين العرب عن أن تكونوا عبيدًا لدى الفرس»!
نظام الرئيس مرسي كان يعرف جيدا كيف يوجه بوصلة مصر الثورة في علاقاتها العربية والإقليمية، وكانت رهانات بعض الدول الكبرى تجاهه في غير محلها.
وأستطيع القول إن بعض التقديرات تشير إلى أن تغيير النظام في مصر في 3 يوليو 2013 أدى إلى خلل في حسابات النظام العربي لصالح إيران وإسرائيل، بل أقول إن النظام السابق في مصر برئاسة الرئيس الشرعي الدكتور محمد مرسي كان يعتبر «رمانة ميزان» في المنظومة العربية كلها، وأن النظام الانقلابي برئاسة عبدالفتاح السيسي- الذي حل محله عبر انقلاب عسكري دموي ومجازر يندى لها جبين الإنسانية- يقف ضد كل ما هو عروبي وإسلامي، ولا يهمه كثيرا انهيار النظام العربي طالما ظلت إسرائيل ومصالح الغرب وإيران الفارسية في أمان، وظل تدفق الأموال والمساعدات له ليبقيه على قيد الحياة.
وليس من قبيل المبالغة القول إن الاتفاق النهائي الأخير بين إيران والغرب- في أحد تداعياته ومن أسباب نجاحه- غياب «مصر الثورة» وحلول «مصر الانقلاب» مكانها، بحيث صار الانكشاف العربي واضحا. وأصبحت دول الخليج وإسرائيل في خندق «مصالح واحد» مع إسرائيل ضد إيران الفارسية، بما يضغط مجددا في اتجاه التطبيع بين الجانبين. ورغم ذلك، أتصور أن الوقت لم يفت بعد لإعادة ترميم المنظومة العربية بقيادة المملكة العربية السعودية في ظل الملك سلمان الذي بادر منذ توليه السلطة إلى إعادة توجيه بوصلة النظام العربي نحو أهدافها الحقيقية، بعد أن غابت عنها التوجهات الصحيحة، فبات الأعداء أصدقاء، وتم تصوير الأصدقاء العروبيين الغيورين على مصالح المنطقة على أنهم «خصوم ألداء متوهمون»!!
هل نأمل أن يكون التوقيع النهائي على الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية بداية توجه «حازم» بقيادة المملكة العربية السعودية وبالتعاون مع تركيا وقطر لإعادة التوازن في النظام الإقليمي في المنطقة واستعادة «النواة الصلبة» في منظومة المجتمعات العربية وتقويتها حتى يتم التصدي بفعالية لخصوم وأعداء العرب الذين فرغوا من تدمير دول «العرب المستعربة»، وباتوا يطمحون في الدخول على دول «العرب العاربة»، وما اليمن السعيد عن ذلك ببعيد؟!
الخلاصة أن مصر الثورة ستظل وفية لعروبتها ودينها وقوميتها، بينما نظامها الانقلابي الحالي يعمل ضد كل تلك التوجهات طمعا في ابتزاز الجميع للحصول على الأموال بمنطق رجال العصابات والمافيا، والأمثلة والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى أو تعد.
(أحمد الشرقاوي - العرب القطرية)