أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه لن يقبل «أبداً» قرار مجلس الأمن الذي وافق بإجماع أعضائه أمس على اتفاق فيينا النووي بين طهران والقوى الكبرى. كذلك أكدت طهران أمس تصميمها على مواصلة برنامجها الصاروخي البالستي، معتبرة أن ذلك البرنامج لا يدخل تحت اختصاص مجلس الأمن.
فقد انتقد الحرس الثوري قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، قائلاً إن القرار يتدخل في العمليات العسكرية لبلاده ويتجاوز «الخطوط الحمراء» التي رسمها الزعيم الأعلى في البلاد علي خامئني.
ورفض قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد علي جعفري القرار الذي أصدره مجلس الأمن أمس، معتبراً أن بعض البنود ولا سيما تلك المتعلقة بالقوة التسليحية الإيرانية «تتجاوز الخطوط الحمر المهمة للجمهورية الإسلامية الإيرانية» على حد تعبيره، مؤكداً أن مثل هذه الاتفاقية «لن تقبلها إيران بتاتاً«، وداعياً مجلس الأمن لـ»عدم إهدار وقته في الموافقة على مسودة هذا القرار».
ويرى عباس عراقجي، عضو الفريق الإيراني المفاوض، أن بلاده «غير ملزمة» بالبند الذي ينص عليه قرار مجلس الأمن حول الأنشطة الصاروخية الإيرانية، «لأنه يأتي طبقاً للبند 41 من ميثاق الأمم المتحدة»، وهذا البند لا يُلزم الطرف الذي يصدر القرار ضده، حسب تأويل عراقجي.
ويقول عراقجي إن البند التاسع من القرار 1929 الصادر في 9 حزيران 2010، كان يمنع إيران منعاً باتاً من القيام بأي نشاط صاروخي، وكان يسمح للدول الأخرى باللجوء إلى القوة لمنع إيران من ذلك، لكن القرار الجديد يتحدث عن «الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية فقط».
وأكد وزير الدفاع الإيراني الجنرال حسن دهقان نهار أمس، أن بلاده «ستواصل بتصميم برنامجها» البالستي بحسب الموقع الالكتروني لوزارته.
كذلك أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان أن طهران ستطبق التزاماتها في إطار الاتفاق النووي الموقع في 14 تموز، لكنها تؤكد أن قرار مجلس الأمن 2231 الذي صادق الاثنين على هذا النص لا يشمل برنامجها البالستي.
وقال البيان «إن جمهورية إيران الإسلامية مُلزمة بتطبيق التزاماتها(...)» في إطار الخطة الشاملة للعمل المشترك «شرط» أن تطبق دول مجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا وألمانيا) أيضاً التزاماتها خصوصاً رفع «العقوبات والقيود» المفروضة على إيران.
وفي ما يتعلق بالبرنامج الإيراني البالستي يؤكد النص «أن القدرات العسكرية خصوصاً صواريخ إيران البالستية لها هدف وحيد دفاعي، وبما أن هذه التجهيزات لم تعد لنقل أسلحة نووية فهي خارج حقل أو اختصاص قرار مجلس الأمن». وإيران «مدعوة» الى عدم القيام خلال ثماني سنوات بـ«أنشطة مرتبطة بصواريخ بالستية قادرة على حمل شحنة نووية».
واعتبر الرئيس الأميركي باراك أوباما أن القرار الذي صدر عن مجلس الأمن الاثنين وصدق على الاتفاق بين إيران والقوى العظمى حول الملف النووي الإيراني هو «رسالة واضحة» مؤيدة للاتفاق.
وقال أوباما إن اعتماد هذا القرار بالإجماع «سيوجه رسالة واضحة مفادها أن عدداً كبيراً جداً من الدول» يعتبر أن الديبلوماسية «هي بالتأكيد أفضل مقاربة للتأكد من أن إيران لن تتمكن من الاستحواذ على السلاح الذري». وأضاف «هناك توافق دولي واسع حول هذه المسألة»، و»افترض أن الكونغرس الأميركي سيأخذ في الاعتبار هذا الرأي العام الواسع».
ومع المصادقة على الاتفاق بالإجماع تحضر الأمم المتحدة لرفع العقوبات الدولية التي تنهك الاقتصاد الإيراني، شرط أن تلتزم الجمهورية الإيرانية بحرفية الاتفاق الموقع في فيينا. وينص القرار على أن القرارات السبعة ذات الصلة التي تبنتها الأمم المتحدة منذ 2006 لمعاقبة إيران «ستُلغى» إذا احترمت إيران الاتفاق.
ويسعى الرئيس الأميركي الى إقناع البرلمانيين بصوابية هذا الاتفاق الذي قد يسعى مجلسا الكونغرس الى عرقلة تطبيقه من قبل واشنطن من خلال رفض التصويت عليه. وقد عبر بعضهم عن غضبه الاثنين لتصويت الأمم المتحدة قبل أن يتمكن البرلمانيون حتى من دراسة النص. وقال السناتور ليندسي غراهام «الذهاب الى الأمم المتحدة قبل الكونغرس يعتبر إهانة للأميركيين، ودليلاً جديداً على أن رئيساً ضعيفاً يحاول تسويق اتفاق سيئ».
وقالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سامنتا باور إن «هذا الاتفاق لا يبدد كل قلقنا لكنه في حال طُبق سيجعل العالم أكثر أماناً«. ودعت طهران الى «اقتناص هذه الفرصة» واعدة بأن الولايات المتحدة ستساعد طهران في حال قامت بذلك، على «الخروج من عزلتها». كما دعت القوى العظمى الى إبداء الوحدة نفسها لمعالجة أزمات أخرى مثل الحرب في سوريا.
وحذر السفير الفرنسي فرنسوا ديلاتر بأن «الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة»، مضيفاً «سنحكم خطوة بخطوة على إرادة إيران في إنجاح هذا الاتفاق».
واتهم السفير الإسرائيلي رون بروسور أمام الصحافيين مجلس الأمن بأنه «كافأ أخطر دولة على الكوكب»، مضيفاً «أنه يوم حزين بالنسبة لإسرائيل والعالم».
وبموجب القرار «يصادق» مجلس الأمن على اتفاق فيينا و»يطالب بإلحاح بتطبيقه بالكامل وفق الجدول الزمني الذي وضعه» المفاوضون كما يدعو الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الى العمل على تسهيل تطبيقه.
ويكلف مجلس الأمن الوكالة الدولية للطاقة الذرية «القيام بعمليات التحقق والمراقبة الضرورية للالتزامات النووية التي اتخذتها إيران» مثل الحد من عدد أجهزة الطرد المركزي أو خفض مخزونها من المواد الانشطارية، ويطالب إيران بـ»التعاون التام» مع الوكالة.
وعند تلقي المجلس تقريراً من الوكالة الدولية للطاقة الذرية يؤكد التثبت من أن البرنامج النووي الإيراني بات سلمياً بالكامل، عندها «يتم إلغاء» القرارات السبعة التي اتخذتها الأمم المتحدة منذ 2006 لفرض عقوبات على إيران.
وتقضي هذه القرارات بحظر بيع إيران معدات أو خدمات على ارتباط بالأنشطة النووية الإيرانية وتجميد أموال شخصيات وشركات إيرانية وفرض حظر على الأسلحة التقليدية والصواريخ البالستية. غير أن اجراءي الحظر سيبقيان ساريين لمدة خمس سنوات بالنسبة الى المعدات والخدمات المرتبطة بالأنشطة النووية ولمدة ثماني سنوات بالنسبة الى الأسلحة والصواريخ.
لكن في حال خالفت إيران أياً من التزاماتها، فسيكون بوسع المجلس عندها إعادة فرض كامل مجموعة العقوبات بشكل شبه تلقائي. ويكفي أن ترفع إحدى الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن والتي تملك حق الفيتو فيه، قراراً ينص على أن العقوبات تبقى مرفوعة ثم أن تضع فيتو على هذا القرار نفسه حتى تفرض العقوبات مجدداً.
وهذه الآلية الأولى من نوعها والتي تسمى بـ»العودة الى الوضع السابق» (سناب باك) ستبقى سارية طوال مدة الاتفاق أي عشر سنوات، غير أن الدول الكبرى أعلنت منذ الآن نيتها تمديدها لخمس سنوات إضافية بموجب قرار جديد لتبقى سيفاً مصلتاً على إيران لمدة 15 عاماً بالإجمال.
وفي سياق مقارب، وبينما سار وزير الدفاع الأميركي آش كارتر بطول نقطة مراقبة إسرائيلية قريبة من الحدود مع لبنان، التفت إليه نظيره الإسرائيلي موشي يعلون وقال «ربما كان حزب الله يراقبنا».
وخلال زيارة كارتر الاثنين حذرت إسرائيل من أنها تخشى أن ينتج عن اتفاق أبرم مع إيران لتقليص برنامجها النووي مقابل تخفيف عقوبات، حصول «حزب الله» على مزيد من المال وهو الجماعة اللبنانية ذات العلاقة الوثيقة مع إيران وكذلك مجموعات أخرى تناصب إسرائيل العداء.
ووعد كارتر وهو يقف في نقطة مراقبة الحسين غير بعيد عن بلدة المنارة على الحدود الشمالية لإسرائيل بالمساعدة وسعى لطمأنة إسرائيل من خلال دعم أميركي سريع بعد أسبوع من إنجاز الاتفاق بين طهران والقوى الدولية الست.
وقال كارتر لصحافيين رافقوه أثناء الرحلة «بالطبع يحصل «حزب الله» على دعم من إيران وهذا أحد الأسباب التي ستجعل الولايات المتحدة تواصل مساعدة إسرائيل للتصدي للنفوذ الإيراني الضار في هذه المنطقة«. وتجنب يعلون انتقاد كارتر ووصفه عند نقطة ما بعبارة «صديقي المقرب آش»، لكنه أقر بالخلاف وحدد عدداً من المخاطر التي يراها ماثلة وبينها حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة. وقال الوزير الإسرائيلي في مؤتمر صحافي بتل أبيب وقد وقف كارتر إلى جواره «لا شك في أن الحلفاء حولنا.. مثل حزب الله وحماس.. نعتقد أنهم سيحصلون على مزيد من المال«.
لكن كارتر أكد مراراً أنه رغم القيود التي يضعها الاتفاق النووي على إيران فإنه لن يمنع الولايات المتحدة من تعزيز حلفائها في المنطقة. وأقر يعلون وكارتر بمخاطر انهيار سوريا التي تقع مباشرة شرق نقطة مراقبة الحسين. وقال يعلون «الدول المحيطة بنا تنهار«. وقال كارتر إن الولايات المتحدة «تخطط لسيناريوات عديدة» في سوريا.
وندد الأمين العالم لدول مجلس التعاون الخليجي بالرسائل «المتناقضة» التي يوجهها القادة الإيرانيون لجيرانهم العرب بعد توقيع الاتفاق حول برنامجهم النووي.
وأعرب عبد اللطيف الزياني في بيان أمس، عن «مفاجأته بالتناقض» بين تصريحات الرئيس حسن روحاني الواعدة بفتح «صفحة جديدة» مع جيران إيران، وتصريحات الرجل الأول الإيراني علي خامنئي الذي يدعم فيها المعارضين الشيعة في الدول العربية.
واعتبر الزياني أن «هذا الخطاب هو تدخل غير مقبول» في الشؤون الداخلية العربية ويتعارض مع «مبادئ حُسن الجوار»، مشيراً الى أن دول مجلس التعاون الخليجي «ستواصل الدفاع عن مصالحها» والعمل من أجل «الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين».
(ا ف ب، رويترز، العربية)