تزامناً مع إعلان إنجاز انسحابها الجزئي من سورية وكشفها للمرة الأولى أن 48 ألف جندي شاركوا في العمليات العسكرية في هذا البلد، نجحت روسيا في تحقيق ما كانت تريده، من خلال فتح محادثات «أستانة 8» التي اختتمت، أمس، الباب أمام «مؤتمر الحوار الوطني السوري» في سوتشي وتحديد موعد له في نهاية يناير المقبل، على أن تسبقه جولة تاسعة من محادثات جنيف برعاية الأمم المتحدة.
وأعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أن بلاده أنجزت الانسحاب الجزئي لقواتها المنتشرة في سورية منذ عامين، والذي بدأ في منتصف ديسمبر الجاري بأمر من الرئيس فلاديمير بوتين.
وقال شويغو، متوجهاً الى بوتين خلال اجتماع مع القادة العسكريين الروس، «إن أمركم حول سحب مجموعة من القوات الروسية من سورية قد أنجز».
وشمل الانسحاب بشكل خاص وحدات جوية وأطباء عسكريين وكتيبة من الشرطة العسكرية وكذلك 36 طائرة وأربع مروحيات، كما قال شويغو، الذي أوضح أنه بعد هذا الانسحاب الجزئي، ستبقي موسكو مركز المصالحة الروسي وثلاث وحدات شرطة عسكرية وكذلك قاعدة حميميم وقاعدة طرطوس العسكرية البحرية.
وكشف الوزير الروسي، للمرة الأولى، عن «مشاركة 48 ألف عسكري روسي» في إنجاح العملية الروسية في سورية، من دون أن يعلن عن العدد الكامل لأفراد الجيش الروسي المتمركزين في سورية.
واشار إلى أن العملية العسكرية الروسية التي بدأت في سبتمبر من العام 2015، «أسفرت عن تحرير 1024 قرية وبلدة ومدينة هامة في سورية»، مشيداً بالدور الفعال الذي لعبته صواريخ «إس-300» و«إس-400» و«بانتسير» والطائرات المقاتلة الروسية، التي «ضمنت التفوق الروسي المطلق» في الأجواء السورية.
وأضاف: «هذا التفوق تمثل في عدم تعرض الأجواء السورية فوق قاعدتينا في طرطوس وحميميم على الساحل السوري لأي انتهاك من أي جهة كانت، منذ تمركز قواتنا فيهما وانطلاق عمليتنا الجوية في سورية».
وأكد شويغو عزم روسيا على ضمان الحضور الدائم لغواصاتها وسفنها المزودة بالأسلحة الدقيقة في المتوسط.
وفي أستانة حيث جرت جولة محادثات ثامنة على مدى يومين، بين النظام والمعارضة السوريين برعاية «الثلاثي الضامن»، روسيا وتركيا وإيران، أعلن رئيس الوفد الروسي المبعوث الخاص لبوتين إلى سورية ألكسندر لافرينتييف، أن المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا يخطط لعقد الجولة المقبلة من مفاوضات جنيف يوم 21 يناير المقبل، على أن يعقد بعد ذلك «مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي».
وأشار إلى أن دي ميستورا، الذي شارك في اليوم الثاني والأخير من محادثات «أستانة 8» أمس، أبلغه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الدفاع سيرغي شويغو، خلال لقائهما معه في موسكو أول من امس، بأن «أستانة لا تعتبر منصة موازية لعملية جنيف، ناهيك عن أي تناقض معها أو سعي إلى تحقيق أهداف خفية».
من جهته، أعلن مدير إدارة آسيا وإفريقيا في وزارة الخارجية الكازاخستانية ايداربك توماتوف أن مؤتمر سوتشي سيعقد يومي 29 و30 يناير المقبل، «بمشاركة كل شرائح المجتمع السوري».
بدوره، أكد وزير الخارجية الكازاخستاني خيرت عبد الرحمنوف، أثناء تلاوته البيان الختامي للمحادثات، أن الدول الثلاث (روسيا وتركيا وإيران) ستعقد يومي 19 و20 يناير المقبل اجتماعاً تمهيدياً في سوتشي، وأن الدعوة موجهة للحكومة السورية والمعارضة «التي تلتزم باحترام استقلال سورية ووحدة أراضيها» للمشاركة في المؤتمر.
وأشارت الدول الثلاث، في البيان المشترك، إلى أنها تعتبر مؤتمر سوتشي بمثابة «مبادرة تهدف إلى تحفيز عملية التفاوض برعاية الأمم المتحدة في جنيف، وتساعد على توصل الأطراف السورية إلى اتفاقات».
ونجحت محادثات أستانة في تحقيق اختراق بقضية المعتقلين والمفقودين، إذ تم إقرار وثيقة حول فريق عمل خاص بالإفراج عن المعتقلين أو الرهائن، وتسليم جثث القتلى والبحث عن المفقودين، بالإضافة إلى بيان مشترك حول إزالة الألغام في سورية، بما في ذلك في مواقع التراث الثقافي المدرجة على قائمة «اليونيسكو».
وإذ كررت التزامها بمواصلة العمل من أجل تعزيز نظام وقف اطلاق النار وضمان عمل مناطق خفض التوتر الأربع في سورية، أكدت الدول الضامنة عزمها على «مواصلة التعاون حتى القضاء على (داعش) و(جبهة النصرة) وغيرهما من المنظمات الإرهابية بشكل نهائي، ومنع الإرهابيين من الانتقال إلى دول ومناطق أخرى».
وفي بيان منفصل، شدد دي ميستورا على أن «كل مبادرة سياسية (يجب) أن تساهم في العملية السياسية تحت إشراف الامم المتحدة في جنيف ودعمها»، مشيراً إلى عزمه على عقد محادثات سلام جديدة بجنيف في يناير المقبل، تركز على صياغة دستور جديد وتنظيم انتخابات.
من جانبه، قال الناطق باسم وفد المعارضة السورية أحمد طعمة، في مؤتمر صحافي، إن المعارضة ترحب بأي مسعى من شأنه أن يؤدي الى تحقيق السلام وحقن الدماء في سورية، لكنها لن تقرر المشاركة في مؤتمر سوتشي قبل العودة إلى التشاور مع بقية الأطراف المعارضة الموجودة داخل سورية.
واضاف ان وفد المعارضة أعطى أهمية كبيرة لقضية المعتقلين والمحتجزين، مشيراً إلى حصول تقدم في معالجة هذه المسألة تمثل في تشكيل لجنة لمتابعة هذه القضية وبلورة آلية في الاجتماعات اللاحقة من أجل تنفيذها والبدء في الافراج عن المعتقلين.
وأوضح أن وفد المعارضة حصل خلال المحادثات على وعود بأن يكون مشروع الدستور السوري الجديد «عادلاً يستند إلى معايير ديموقراطية ومدعوماً من قبل الاسرة الدولية ويضمن تحول سورية من نظام استبدادي الى نظام ديموقراطي».
من جانبه، طالب رئيس وفد الحكومة السورية بشار الجعفري، خلال مؤتمر صحافي مماثل، بضرورة سحب كافة القوات الاميركية والتركية من الاراضي من دون شروط ومماطلة.
ووصف الوجود العسكري الاميركي في سورية بأنه «عدوان» يتعارض مع أحكام القانون الدولي، داعياً إلى خروج القوات الأميركية من سورية، من دون قيد أو شرط.
وشدد الجعفري على عدم وجود حوار مباشر بين وفد الحكومة السورية إلى أستانة، وبين الوفد التركي، لأن دمشق «تعتبر تركيا دولة داعمة للإرهاب».
وأكد أن الحكومة السورية ستحضر مؤتمر سوتشي، وتبذل جهوداً للتحضير له، معتبراً أن المؤتمر «سيشكل قاعدة للحوار بين السوريين».