إن حضور سمو الأمير، محمد بن سلمان، لهذا الحفل إنما يعد رسالة مهمة وقوية لكافة الشعوب العربية في مصر والخليج العربي وبقية الدول العربية. نؤكد من خلالها على أننا سنكون دوماً معاً في مواجهة التحديات والتهديدات التي تواجه منطقتنا. والتي لن ننجح في التغلب عليها إلا إذا كنا معاً. وأؤكد في هذا الصدد أن مصر والمملكة العربية السعودية هما جناحا الأمن القومي العربي. كما أؤكد أن الشعوب العربية لن ترانا إلا معا».
هكذا ارتجل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فقرة خارج الكلمة الرسمية التي ألقاها في احتفال تخريج دفعة جديدة من الكلية الحربية.
الحفاوة المصرية تجاه السعودية، جاءت في وقت أظهر الاتفاق النووي الذي نجحت طهران في التوصل إليه مع الغرب، معالم اصطفاف جديد في المنطقة سارعت اسرائيل، كعادتها في كل التحولات الاقليمية، الى زج نفسها فيه، ووضعت نفسها هذه المرة بموقع «الحليف» الصريح مع المملكة السعودية، بحسب ما اعلن المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية دوري غولد. (تفاصيل صفحة 14)
الترتيب السعودي الجديد للأولويات، لا يشمل مصر فقط بحسب ما أظهرت زيارة محمد بن سلمان أمس، بل ينعكس على أولويات واشنطن أيضا، التي وضعت هي الأخرى الرياض وتل أبيب في خانة زيادة الدعم العسكري للدولتين، كجزء من الضمانات بعد الاتفاق مع طهران، حيث تزامن توقيت الإعلان الاسرائيلي عن الحلف مع السعودية، مع إعلان البنتاغون، عن ارسال وزارة الخارجية الاميركية إلى الكونغرس إخطاراً بالموافقة على صفقة سلاح كبيرة مع السعودية بقيمة 5.4 مليارات دولار، تشمل أنواعاً من الأسلحة والذخائر كانت إسرائيل تعترض على وصولها لدول عربية، ومن بينها 600 صاروخ «باتريوت» من طراز «باك 3».
وبالعودة إلى كلمة السيسي فبالإضافة إلى الفقرة التي ارتجلها، تضمن نص كلمته الرسمية إشادة غير مسبوقة بالمسؤول السعودي وبلاده: «اسمحوا لي في البداية أن أرحب بضيف مصر العزيز سمو الأمير، محمد بن سلمان، ولي ولي عهد المملكة العربية السعودية، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، والذي تأتي مشاركته اليوم امتداداً لمواقف المملكة العربية السعودية المشرفة إزاء مصر وشعبها واستكمالا لمسيرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز الذي تطوع للدفاع عن مصر في العام 1956، ودعم المجهود الحربي في حرب تشرين 1973. وتدليلا على عزم أكيد وإرادة مشتركة لاستمرار العلاقات الأخوية بين البلدين والشعبين الشقيقين والارتقاء بها إلى آفاق أرحب ومستوى أكثر تميزا».
هكذا تسعى الأحاديث الرسمية من المسؤولين في كل من مصر والسعودية إلى التأكيد على عمق العلاقات وقوتها بين البلدين. حتى أن أكثر ما يثير التساؤل حول العلاقات المصرية السعودية، هو ذلك الإصرار على التأكيد على قوتها في كل مناسبة وحتى من دون أي مناسبة. الزيارة التي قام بها، أمس، ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، هي الأهم على الإطلاق منذ توقيع الاتفاق النووي الإيراني مؤخرا. والذي أثار بشدة حفيظة المملكة، بينما لم يكن له الوقع نفسه على القاهرة.
ومع زيارة خالد مشعل على رأس وفد لـ «حماس» للمملكة ولقائه بالملك السعودي مؤخراً، تزايدت الأسئلة حول مستقبل العلاقة بين القاهرة والرياض، حيث تتهم مصر «حماس» بشكل دائم بدعم الجماعات المسلحة في مصر. بالإضافة إلى ما إذا كانت الرياض ستتجه لتقوية علاقاتها بالقوى «السنية» في المنطقة لمواجهة النفوذ الإيراني، بما فيها القوى التي تعتبرها مصر خصماً لها، مثل «حماس» وجماعة «الإخوان المسلمين» في اليمن وسوريا وليبيا، وأيضا تركيا التي بدأت قبل أيام في شن غارات جوية داخل سوريا ما أثار انزعاج القاهرة.
ولكن كما جرت العادة، فإنه ما إن تلبث أن تثار أي ضجة حول العلاقات المصرية السعودية، حتى يتخذ البلدان الخطوات اللازمة لإزالة أي التباس حول قوة العلاقات وأهميتها للبلدين. لذا جاءت زيارة ولي ولي العهد السعودي لتؤكد أن ما تقوم به المملكة عقب توقيع الاتفاق النووي الإيراني، لن يكون على حساب علاقتها بالقاهرة.
البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية في مصر، أمس، والذي حمل عنوان «إعلان القاهرة» حاول إضفاء طابع خاص على العلاقات المصرية السعودية، بحيث تبدو أقرب إلى التحالف الاستراتيجي منها إلى العلاقات الوثيقة. البيان الذي جاء عقب جلسة مباحثات ثنائية بين السيسي ومحمد بن سلمان كرر ما سبق التأكيد عليه «مصر كانت وستظل دوماً عوناً لأشقائها ومدافعاً عن الحقوق العربية، وأمن منطقة الخليج العربي خط أحمر بالنسبة لمصر، وجزء لا يتجزأ من أمنها القومي». كما أشاد السيسي بـ «مواقف السعودية وقيادتها السياسية إزاء مصر وشعبها»، منوها بأن «الشعب المصري لن ينسى المساندة والدعم السعوديين لإرادته الحرة»، بحسب نص البيان، الذي تضمن أيضا دعوة الرئيس المصري لملك السعودية سلمان بن عبد العزيز لزيارة مصر ليتم استقباله «رسميا وشعبيا» تعبيرا عن «امتنان مصر لدوره».
وفي مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره السعودي عادل الجبير، قال وزير الخارجية المصري سامح شكري «نشدد مرة أخرى على الروابط المشتركة بينهما باعتبارهما جناحي الأمة العربية والاسلامية، وأن في تضامنهما إعلاء لمصلحة الأمة العربية والاسلامية والحفاظ على أمنها القومي والحفاظ على المصير المشترك».
بدوره، قال الجبير إن هناك توجيهات من الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتطوير العلاقات المشتركة. وقال «سنبذل كل ما في وسعنا لتوثيق العلاقات الاستراتيجية والتاريخية بين مصر والسعودية».
وأشار الجبير إلى أنه «تم وضع أسس لتفعيل التعاون المصري السعودي بشكل نوعي وبشكل استراتيجي في مجالات عدة.. وسنتطلع لتطوير العلاقات نوعيا بين البلدين، على جميع المستويات خصوصا العسكري منها، وهناك تواصل للمباحثات بين البلدين في إنشاء القيادة العربية المشتركة للقوة التي تم اقرارها في القمة العربية الأخيرة».
وكرر الجبير أن «مصر والسعودية جناحان للأمة العربية والاسلامية.. ونستطيع ان نقول أنه بعد اجتماعات اليوم فإن جناحي الأمة يرفرفان الآن خدمة للشعوب العربية والشعوب الاسلامية وحماية لهم من أي عدوان أو أي مكروه ونحن نتطلع إلى تطبيق هذه الرؤية».
وتضمن «إعلان القاهرة» الصادر أمس وضع حزمة من الآليات التنفيذية في ستة مجالات، وهي تطوير التعاون العسكري، والعمل على إنشاء القوة العربية المشتركة، وتعزيز التعاون المشترك والاستثمارات في مجالات الطاقة والربط الكهربائي والنقل، وتحقيق التكامل الاقتصادي بين البلدين والعمل على جعلهما محوراً رئيسياً في حركة التجارة العالمية، وتكثيف الاستثمارات المتبادلة السعودية والمصرية بهدف تدشين مشروعات مشتركة، وتكثيف التعاون السياسي والثقافي والإعلامي بين البلدين لتحقيق الأهداف المرجوة في ضوء المصلحة المشتركة للبلدين والشعبين الشقيقين، ومواجهة التحديات والأخطار التي تفرضها المرحلة الراهنة. وتعيين الحدود البحرية بين البلدين.
الإعلان حاول إضفاء أهمية خاصة على زيارة محمد بن سلمان لكنه لم يورد حدثا جديدا يستحق إصدار إعلان خاص. فأشكال التعاون المشترك في السابق تفوق ما ورد في البيان.
ومما لاشك فيه أن العلاقات المصرية السعودية لا تسير في خط مستقيم منذ فترة، وأنها تتأثر بالأوضاع الإقليمية وموقف البلدين منها. ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة مصطفى كامل السيد في حديثه لـ «السفير» حول هذه المسألة أنه قد تكون هناك خلافات بين البلدين، «ولكن في أعقاب إبرام الاتفاق النووي الإيراني وخشية السعودية من تنامي النفوذ الإيراني، هناك ضرورة لسعي السعودية لتوثيق علاقاتها مع مصر، التي لا ترغب أيضا في تمدد النفوذ الإيراني».
ويرى السيد أنه «بخصوص توثيق علاقة السعودية بحماس لا يعد ذلك ضد مصر. بالعكس فهناك خطر على حماس في غزة من داعش، وهو خطر على مصر أيضا وهناك مصالح مشتركة بين مصر وحماس. كما أن الحديث عن تمويل حماس لعمليات عنف في مصر غير صحيح. وقد يكون الموقف من الإخوان نقطة شائكة بين البلدين ولكن لا أظن السعودية ترغب في الضغط على مصر في تلك النقطة. وربما يكون لعلاقة السعودية بالإخوان على الصعيد الإقليمي جانب إيجابي. فليس من مصلحة السعودية أن يكون هناك صراع داخل المعسكر السني وقد تعمل على وقف تصاعد التوتر بين مصر والإخوان. وفي كل الأحوال الزيارة لها مغزاها في ذلك التوقيت».
إلا أن أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة حسن نافعة يرى الزيارة نفسها بشكل مختلف. ويلفت لـ «السفير» إلى أن «الزيارة ذات طابع رمزي أكثر منه فعليا. وقد تكون محاولة لإعطاء انطباع بقوة العلاقات بين البلدين. ولو كانت هناك رغبة حقيقية في تسوية الملفات محل الخلاف لكان اللقاء بين الرئيس والملك مباشرة».
ويضيف نافعة «هناك أزمة مكتومة وخلافات حقيقية. الملفان السوري واليمني يشهدان خلافا واضحا بين البلدين. السعودية لعبت دورا مهما في دعم النظام المصري قبل عامين، وكان هناك اعتقاد أن النظام الإقليمي الجديد في المنطقة سيكون بقيادة البلدين. الأمر اختلف مع رحيل الملك عبد الله وتولي الملك سلمان والذي له رؤية مختلفة. درجة الأهمية التي أصبحت توليها المملكة للعلاقات بمصر أصبحت أقل. كما أصبحت في حاجة للتعاون مع الإخوان المسلمين في اليمن وسوريا بعكس إرادة مصر. وفي الوقت نفسه لا ترغب في تأزيم العلاقات مع النظام في مصر».
ويرى نافعة أن هناك رغبة في السعودية لرسم علاقات جديدة قائلاً «قد ترغب السعودية في علاقات جيدة مع مصر ولكن ليس كشريك وإنما كداعم فقط».
الدلالات التي تحملها زيارة ولي ولي العهد السعودي للقاهرة مهمة في جميع الأحوال. سواء كانت تهدف لإعطاء انطباع بقوة العلاقات، أو تعبر عن قوتها بالفعل. ولكن في ظل أوضاع لم تحسم بعد في الإقليم، فإن خريطة التحالفات والمحاور في المنطقة هي الأخرى لم تتضح، ومن المحتمل أن تطرأ عليها تغيرات في المستقبل.