اجتماعات ثنائية وثلاثية وأخرى موسّعة، شهدها نهار الدوحة الطويل، أمس، الذي جمع في لقاء نادر وزراء خارجية روسيا والولايات المتحدة والسعودية، الى طاولة واحدة، بالإضافة إلى جولة مباحثات عقدها ممثلا واشنطن وموسكو كل على حدة مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، في إطار خطوة سياسية متقدمة قد تساهم في رسم المشهد الاقليمي بعد الاتفاق النووي بين طهران ومجموعة «5+1» الذي يقلق الخليجيين.
وبالرغم من أن البيان الختامي لاجتماع وزراء دول مجلس التعاون الخليجي مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري، حاول التركيز على بعض النقاط التي لطالما قدمتها هذه الدول على أنها من ثوابت رؤيتها للواقع الاقليمي، إلا أن المؤتمر الصحافي الذي جمع الوزير الاميركي بوزير الخارجية القطري خالد بن محمد العطية، شهد ترحيبا خليجيا بالاتفاق النووي، على لسان الوزير القطري.
وإلى جانب لقاءات كيري، الذي اجتمع أيضا في لقاء ثلاثي كان مرتقبا منذ أيام، بوزير الخارجية السعودي عادل الجبير ونظيره الروسي سيرغي لافروف، أجرى الأخير بدوره سلسلة لقاءات مع المعارض السوري أحمد معاذ الخطيب، والأمين العام لحركة «حماس» خالد مشعل، كما تناول في مؤتمر صحافي رؤية بلاده لحل الأزمة في سوريا «سياسيا».
ولم يختلف موقف لافروف، حول الحل السياسي في سوريا، عن موقف نظيره الأميركي الذي أكد في مؤتمر صحافي عقده مع العطية، عقب اجتماعه بوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي، على أنه لا بد من التوصل إلى حل سياسي في سوريا، قائلا إن بلاده ستواصل دعمها للمعارضة «المعتدلة» في البلاد.
وعقب اجتماعه مع الوزراء الخليجيين، قال كيري الذي بحث مجمل القضايا والملفات المهمة على مستوى دول المنطقة والدور الإيراني فيها بحسب البيان الختامي الذي نقلته كاملا وكالة الأنباء السعودية «واس»، أنه في ما يتعلق بالاتفاق النووي،»ما يمكننا القيام به هو ضمان تنفيذ الاتفاقية بشكل كامل، والحيلولة دون امتلاك إيران للسلاح النووي.. لا نعرف ما إذا كانت المواقف الإيرانية ستتغير بعد الاتفاق، وجميعنا يعلم الدعم الذي تقدمه إيران لحزب الله والميليشيات الشيعية والحوثيين، وتدخلاتها الأخرى في المنطقة، ودعمها التاريخي للإرهاب. يأمل الجميع في فتح صفحة جديدة، إلا أن علينا جميعاً أن نقوم باستعداداتنا كما لو أن تلك الصفحة لن تفتح».
وقال الوزير الأميركي، إنه بحث مع الوزراء الخليجيين، التعاون في مواجهة الإرهاب، ومكافحة تنظيم «داعش» والقاعدة، وغيرها من المجموعات المتشددة، ومكافحة الفعاليات الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، إضافةً إلى دمج أنظمة الدفاع الصاروخي الباليستي بدول الخليج، وتسريع مبيعات بعض الأسلحة الأميركية لدول الخليج، والأمن الإلكتروني، وأمن البحار.
بدوره، قال العطية إن «الاجتماع تناول العديد من المسائل، التي تهم الولايات المتحدة ودول الخليج، واستمع خلاله وزراء خارجية مجلس التعاون، إلى تفاصيل الاتفاق النووي مع إيران». واعتبر أن الاتفاق أفضل الخيارات المتاحة، لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، معلناً ترحيب دول مجلس التعاون به، مشيراً إلى اتفاق وجهات النظر بشكل عام بين الوزراء الخليجيين، وكيري، حول العراق وسوريا واليمن ومسائل إقليمية أخرى.
وشدد المجتمعون في البيان الختامي على ان اجتماع الدوحة «بحث التقدم المحرز ورسم الخطوات القادمة بشأن الشراكة الإستراتيجية بين مجلس التعاون والولايات المتحدة، ومجالات التعاون بين الجانبين التي أعلن عنها في كامب دايفد»، منتصف شهر أيار الماضي.
واستعرض الوزراء، بحسب البيان، «خطة العمل المشترك الشاملة بين مجموعة دول (5+1) وإيران، والصراع في اليمن والحاجة للوصول إلى حل سياسي فيها، يستند إلى المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني». وأدانوا هجمات تنظيمي «القاعدة في شبه الجزيرة العربية» و «داعش» مشيرين إلى أن «هذه المجموعات تستغل عدم الاستقرار في اليمن، وتمثل تهديداً لليمنيين وللمنطقة».
وعبّروا عن التضامن مع العراق في تصدّيه لـ «منظمة داعش الإرهابية»، مؤكدين على «الأهمية القصوى لوجود حكومة عراقية فاعلة وشاملة، مشددين على أهمية تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها الصيف الماضي، وكذلك الحاجة إلى قوات أمن قادرة على محاربة داعش».
وفي الشأن السوري، دعا الوزراء «لعملية الانتقال السياسي للسلطة في سوريا، مؤكدين على أن نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد فقد شرعيته بالكامل، والحاجة لوجود حكومة سورية جديدة تلبي تطلعات الشعب السوري وتعزز الوحدة الوطنية والتعددية»، معتبرين أن «النظام لم يبد الرغبة ولا القدرة على التصدي للإرهاب الذي يجد له ملاذا آمنا في سوريا».
وفي الشأن الفلسطيني، أكد المجتمعون «على ضرورة حل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي على أساس اتفاق سلام عادل ودائم وشامل، يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة متماسكة تعيش جنبا إلى جنب بأمن وسلام مع اسرائيل».
إلى ذلك، شملت محادثات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نظيره القطري، بالاضافة إلى لقاء ثلاثي مع نظرائه الأميركي والسعودي، وتركزت على الأزمة السورية و «محاربة الإرهاب»، حيث اعتبر أن تنظيم «داعش» يشكل التهديد الأكبر للمنطقة، في وقت علّق وزير الخارجية السعودي عادل الجبير عبر صفحته في موقع «تويتر» على اجتماع دول مجلس التعاون مع كيري، من دون أن يأتي على ذكر اللقاء الثلاثي.
وقال الجبير إن «الاجتماع مع كيري أكد على أنهم (المجتمعون) مع أي اتفاق يمنع إيران من السلاح النووي، وآلية تفتيش صارمة، وعودة فورية للعقوبات حال انتهاكه». وأضاف «اجتماع مثمر وبناء لمجلس التعاون مع كيري تمت فيه مناقشة التصدي لسياسة ايران العدوانية في المنطقة بما فيها ارهاب داعش وحزب الله والحوثيين».
وفي مؤتمر صحافي عقده بعد لقائه كيري والجبير، قال لافروف إن المجتمعين اتفقوا على أن الأوضاع الأمنية في المنطقة مستمرة في التدهور، الأمر الذي يخدم مصلحة المجموعات الإرهابية. وقال «نعم، نحن نقدم دعما عسكريا تقنيا للحكومة السورية في مواجهتها لهذا التهديد.. ولدينا أسباب للاعتقاد بأنه من دون هذا الدعم لكانت مساحة الأراضي التي يسيطر عليها هذا الكيان الإرهابي، أكبر بمقدار مئات وآلاف من الكيلومترات المربعة».
وذكر لافروف أن اللقاء الذي أجراه في الدوحة، أمس، مع الرئيس الأسبق لـ «الائتلاف الوطني السوري» المعارض أحمد معاذ الخطيب لا يعني تغيير مواقف بلاده إزاء القضية السورية، موضحا أن هذا اللقاء جاء انعكاسا لـ «سعينا المبدئي إلى التعامل مع جميع ممثلي الشعب السوري، من دون أن نختار منهم من نعطيهم الأولوية».
وأكد نية موسكو التشاور مع دول أخرى تشارك في العملية التفاوضية وتتمتع بتأثير على أطراف سورية مختلفة. وقال «أنا أقصد قطر وتركيا ومصر والأردن وإيران.. إن غياب التفاهم بين اللاعبين الخارجيين الذي يحظى كل منهم بنفوذ لدى هذا الطرف أو ذاك، فمن الصعب أن ننتظر أن تكون للعملية السياسية بداية جدية وأن تكون هذه العملية ثابتة وناجحة».
وانتقد لافروف تصريحات واشنطن حول تقديمها تغطية جوية لفصائل معارضة سورية تصنفها بـ «المعتدلة»، وقال إن هذه التصريحات ستكون لها نتائج عكسية لأنها ستعرقل محاربة الإرهابيين في المنطقة.
(أ ف ب، رويترز، أ ب)