وضعت الاحتجاجات في بغداد و8 محافظات للمطالبة باصلاحات جذرية تحد من الفساد في ادارات الدولة، حكومة حيدر العبادي في اختبار مبكر لقدرتها على تجاوز الاضطرابات الامنية والاقتصادية وتحسين الخدمات المتدهورة.
وعلى الرغم من دخول احزاب سياسية شيعية ذات اجنحة مسلحة، على خط الاحتجاجات، الا ان المرجعية الشيعية في النجف سحبت البساط من تحت اقدام اصحاب الاجندات السياسية، وقدمت للعبادي خارطة طريق لاجراء الاصلاحات المنشودة.
وعملت الرئاسات العراقية وخصوصا البرلمان على امتصاص النقمة الشعبية في ظل الخشية من تفاقم الاحتجاجات وانتقالها الى مرحلة جديدة لتغيير النظام السياسي، وهو ما دفع برئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري الى طمأنة المحتجين بدعم الاصلاحات.
واحتشد الالاف في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد احتجاجا على سوء الخدمات ونقص الطاقة الكهربائية بعد اسبوع على تظاهرة مماثلة خرجت الجمعة الماضية. وانقسم المحتجون بين مناصرين لاحزاب سياسية شيعية واخرين مناصرين لحركات مدنية هاجمت شعاراتها الاحزاب الدينية وطالبت بالحرية والدولة المدنية واصلاح النظام السياسي ومحاسبة المتهمين بقضايا فساد.
واتخذت السلطات العراقية اجراءات امنية احترازية مشددة لحماية المظاهرات في ساحة التحرير في بغداد.
وافاد مراسل جريدة «المستقبل» في بغداد ان «القوات الامنية العراقية قطعت الطرق المؤدية الى ساحة التحرير وعدد من الشوارع الفرعية المؤدية لها، فيما تم نشر عناصر القوات الخاصة في محيط المنطقة الخضراء المحصنة التي تم اغلاق المداخل المؤدية لها»، مشيرا الى ان «السلطات الامنية قطعت جسري الجمهورية والسنك من جانبي الكرخ والرصافة مما دفع بالمحتجين الى الذهاب سيرا على الاقدام الى ساحة التحرير في بغداد».
وافاد ان» المحتجين قدموا لائحة مطالب الى الحكومة العراقية تتضمن تشكيل هيئة دائمة لجمع ملفات الفساد منذ 2003 حتى الان وتقديمها للقضاء وتفعيل جهاز الادعاء العام وحماية الجهاز القضائي من ضغوط الساسة وكشف ذمم المسؤولين وأقربائهم حتى الدرجة الثانية وإجراء تحقيق بمصادر هذه الثروات».
واوضح ان «المطالب تشمل تشكل هيئة النزاهة لجنة مشتركة مع منظمات المجتمع المدني والناشطين المدنيين في الخارج والداخل من اجل متابعة وكشف تسرب الاموال والاستثمارات الخاصة بالسياسيين وجمع المعلومات والتحقق من مصادر الأموال وتولي رئيس الوزراء شخصيا مسؤولية إدارة ملف الكهرباء ابتداء من يوم السبت لأجل وضع حلول عاجلة يتحمل هو وحده مسؤوليتها».
وطالب المحتجون بـ»ابعاد القضاء وهيئة النزاهة ومفوضية الانتخابات عن المحاصصة الطائفية والقومية وتطهيرها من جميع المحسوبين على الكتل السياسية وملاحقة كل من تدور حوله شبهات فساد والغاء لجنة التوازن التي تعد اساسا لنهج المحاصصة مع تعهد الوزراء في الحقائب الخدمية بالعمل الجاد على توفير الخدمات بأسرع وقت ممكن على أن يطرحوا برامجهم والسقف الزمني الذي يستغرقه إنجازها بالاضافة الى العمل بالقوانين الصادرة لتخفيض رواتب الرئاسات الثلاث والدرجات الخاصة».
ولم تختلف مطالب المحتجين في محافظات كربلاء والنجف وواسط وبابل والمثنى والديوانية والبصرة وذي قار عن مطالب محتجي بغداد. ففي كربلاء رشق عدد من المتظاهرين مبنى المحافظة بقوارير المياه الفارغة والحجارة فيما اغلقت الشرطة المحلية المبنى لمنع المتظاهرين من اقتحامه.
اما في البصرة فقد تحولت الاحتجاجات الى اعتصام قام خلاله المحتجون بنصب خيم امام مبنى المحافظة.
في غضون ذلك كشفت مصادر سياسية مطلعة عن وجود مخطط تقف وراءه اطراف سياسية مشاركة في الاحتجاجات، يمهد للسيطرة على المنطقة الخضراء.
وقالت المصادر في تصريح لصحيفة «المستقبل» ان» التحركات الاحتجاجية الجارية لن تقتصر على الخدمات ولن تبقى في الاطار المخطط له«، لافتة الى ان «الهدف الحقيقي لبعض الاطراف المشاركة في الاحتجاجات هو السيطرة على المنطقة الخضراء التي تضم رئاسة الحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية والمؤسسات المهمة وتجميد عمل مجلس النواب الى حين تعديل الدستور وجعل النظام رئاسيا على ان لا تتجاوز هذه العملية الستة اشهر».
وبينت المصادر ان «هناك اتفاقا مع القوة المكلفة بحماية المنطقة الدولية لتسهيل دخول المتظاهرين الى البرلمان والحكومة والاعتصام فيهما»، مشيرة الى ان «هذا الدخول غير مرهون بوقت محدد بل بوصول المظاهرات الى ذروتها بعد ان ييأس المتظاهرون من تحقيق مطالبهم غير القابلة للتطبيق».
وفي ردود الفعل، أعلن العبادي عن التزامه الكامل بتوجيهات المرجعية الشيعية التي اعطته الضوء الاخضر لأن يكون أكثر «جرأة وشجاعة» في خطواته الاصلاحية. وقال في بيان صحافي امس» أعلن التزامي الكامل بتوجيهات المرجعية الدينية التي عبرت عن هموم الشعب العراقي وتطلعاته»، متعهدا بـ»الإعلان عن خطة شاملة للإصلاح والعمل على تنفيذها»، داعيا في الوقت ذاته القوى السياسية إلى «التعاون في تنفيذ برنامج الإصلاح».
وكانت المرجعية الشيعية قد دعت على لسان السيد احمد الصافي ممثل المرجع الشيعي الاعلى السيد علي السيستاني خلال خطبة الجمعة في كربلاء امس رئيس الوزراء العراقي لأن يكون أكثر»جرأة وشجاعة في خطواته الإصلاحية والضرب بيد من حديد لمن يعبث بأموال الشعب» كما طالبته بعدم التردد في إزاحة المسؤول غير المناسب وان كان مدعوما وضرورة «الإشارة إلى من يعرقل مسيرة الإصلاح«.
وأعلن رئيس البرلمان سليم الجبوري ان «مجلس النواب سيخصص الجلسة المقبلة لبحث مطالب المتظاهرين وتنفيذها بسقوف زمنية محددة»، مشيرا الى ان «البرلمان سيستجوب أي مسؤول يقرر المتظاهرون استجوابه لان الشعب هو مصدر السلطات»، مؤكدا ان «مطالب المتظاهرين مشروعة ولا يمكن تجاهلها ولا بد من انهاء وجود الفاسدين الذين بددوا وسرقوا خيرات البلد ولن نتردد في مساءلة اي مسؤول سرق او بدد قوت الشعب».
وفي خطوة لدعم الاحتجاجات اعلن النائب مثال الالوسي رئيس التحالف المدني الديموقراطي عن تعليق عضوية تحالفه الذي يضم 5 نواب في البرلمان العراقي.
وقال الالوسي: «علقنا عضويتنا في البرلمان لحين استجابة الحكومة لمطالب المتظاهرين ولن نعود عنها حتى تنفذ الحكومة جميع مطالبهم«. كما دعت كتلة المواطن (بزعامة السيد عمار الحكيم رئيس المجلس الاعلى) وزراءها وبقية وزراء الحكومة الى وضع استقالاتهم بيد العبادي لدعم الخطوة الإصلاحية.
يذكر ان الاحتجاجات تأتي بعد احتجاجات مماثلة خرجت الجمعة الماضية ولاقت تأييدا من بعض الكتل والاحزاب والشخصيات السياسية التي اعلن بعضها مشاركته في احتجاجات امس.