بدأت قوات أميركية باتخاذ تدابير وتعزيز تحصيناتها وقواتها العسكرية في مدينة منبج بريف حلب شمال سورية، في مواجهة أي عملية تركية محتملة، في حين لحقت مدينة دوما بأخواتها من مدن ومناطق الغوطة الشرقية لدمشق، التي تم تهجير أهلها وإجلا مقاتلي المعارضة منها، بعد التوصل إلى اتفاق بين فصيل «جيش الإسلام» وروسيا، إثر مفاوضات شاقة.
ونقلت وكالة «الأناضول» التركية عن «مصادر محلية موثوقة» قولها، أمس، إن «القوات الأميركية أرسلت تعزيزات عسكرية إلى مدينة منبج الواقعة على الضفة الغربية لنهر الفرات».
وأضافت المعلومات أن التعزيزات شملت إرسال نحو 300 عسكري إضافة إلى عدد كبير من العربات المدرعة والمعدات الثقيلة، إلى المنطقة الفاصلة بين مدينة منبج ومنطقة «درع الفرات» في ريف حلب الشمالي، الخاضعة لسيطرة القوات التركية وحلفائها من فصائل المعارضة.
وأشارت المعلومات إلى أن الولايات المتحدة استقدمت تعزيزاتها إلى المنطقة من قاعدتها العسكرية في بلدة صرين بريف حلب الشمالي.
وتمتلك الولايات المتحدة ثلاث نقاط مراقبة على الخط الفاصل بين منطقة «درع الفرات» والمناطق الواقعة تحت سيطرة «قوات سورية الديموقراطية» (قسد) في قرى توخار وحلونجي ودادات.
ووفقاً للمعلومات، بدأت القوات الأميركية خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، بتسيير دوريات في المنطقة الفاصلة بين منطقة «درع الفرات» ومناطق سيطرة «قسد» على نهر الساجور، وعلى امتداد الحدود السورية - التركية.
وحسب مراقبين، تنذر التعزيزات الأميركية باحتمال حدوث مواجهة بين القوات التركية وحلفائها من جهة وبين القوات الأميركية و«قسد» من جهة ثانية، لا سيما في ظل تهديد أنقرة بتوسيع عملياتها العسكرية من عفرين إلى منبج لطرد المقاتلين الأكراد الذين يشكلون العمود الفقري لـ«قسد» من المنطقة.
من جهة أخرى، وبعد مفاوضات شاقة، توصل فصيل «جيش الإسلام» وروسيا، أمس، إلى اتفاق لإجلاء المقاتلين والمدنيين الراغبين من مدينة دوما، آخر جيب تسيطر عليه فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية قرب دمشق، ما يمهد للجيش السوري استعادة كامل المنطقة.
ويأتي الاتفاق غداة إعلان الجيش السوري مواصلته القتال لاستعادة مدينة دوما، مؤكداً سيطرته على «جميع مدن وبلدات الغوطة الشرقية» إثر انتهاء ثاني عملية إجلاء من المنطقة التي شكلت منذ العام 2012 معقلاً للفصائل المعارضة قرب العاصمة.
ولطالما شكلت الغوطة الشرقية هدفاً لقوات النظام كونها إحدى بوابات دمشق، وتُعد خسارتها ضربة قاصمة للمعارضة التي هدد تواجدها في هذه المنطقة أمن دمشق طوال سنوات.
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان عن التوصل الى «اتفاق نهائي» بين روسيا وفصيل «جيش الإسلام» في مدينة دوما يقضي «بخروج مقاتلي جيش الإسلام وعائلاتهم والمدنيين الراغبين إلى شمال سورية، على أن تدخل الشرطة العسكرية الروسية إليها»، في خطوة أولى قبل دخول المؤسسات الحكومية.
وأكد التلفزيون الرسمي السوري «التوصل لاتفاق يقضي بخروج الارهابيين من دوما» إلى مدينة جرابلس في ريف حلب الشمالي الشرقي، كما ينص على «تسوية أوضاع المتبقين... وعودة جميع مؤسسات الدولة وتسليم الارهابيين أسلحتهم الثقيلة والمتوسطة للدولة».
وكانت المفاوضات تركزت في الأيام القليلة الماضية على وجهة «جيش الإسلام» لتنتهي بالاتفاق على خروجه إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة فصائل موالية لتركيا في ريف حلب الشمالي الشرقي.
ويشمل الاتفاق أيضاً الإفراج عن الاسرى والمخطوفين والمعتقلين لدى «جيش الإسلام».
وكانت قوات النظام عززت انتشارها في محيط دوما خلال الأيام الأخيرة بالتزامن مع المفاوضات تمهيداً لعمل عسكري، في حال لم يتم التوصل الى اتفاق مع فصيل «جيش الإسلام» الذي لطالما كرر قادته رفضهم أي حل يتضمن إجلاءهم الى أي منطقة أخرى.
وإثر هجوم جوي عنيف بدأته في 18 فبراير الماضي ترافق لاحقاً مع عملية برية، ضيقت القوات الحكومية تدريجياً الخناق على الفصائل المعارضة، وقسمت الغوطة إلى ثلاثة جيوب. وبعدما ازداد الضغط عليها، دخلت كل من الفصائل منفردة في مفاوضات مباشرة مع موسكو، انتهت بإجلاء من جيبي حرستا ومناطق ومدن جنوب الغوطة.
وانتهت اول من امس عملية إجلاء مقاتلي «فيلق الرحمن» ومدنيين من جنوب الغوطة الشرقية بخروج أكثر من 40 ألف شخص على مدى ثمانية أيام، بعدما كان تم الأسبوع الماضي إجلاء أكثر من 4600 شخص من مدينة حرستا.
وباتت قوات النظام بذلك تسيطر على 95 في المئة من مساحة الغوطة الشرقية إثر الهجوم العنيف الذي تسبب بمقتل أكثر من 1600 مدني وفق المرصد السوري.
ووفقاً لمحللين في مجال الدفاع، فإن أحد الأهداف الكبرى لحملة الحكومة هي الانتهاء من تكوين حزام أمني حول العاصمة، حيث قاومت قوات المعارضة المتحصنة في شبكة معقدة من الأنفاق والمواقع الحصينة على مدى سنوات هجمات حكومية لا حصر لها للسيطرة على المنطقة.
ويأتي التوصل الى الاتفاق حول دوما بالتزامن مع تنفيذ عملية إجلاء جزئي من المدينة تتضمن إخراج مئات الأشخاص بينهم «نشطاء وأطباء وجرحى فضلاً عن عائلات مقاتلين من فصيل فيلق الرحمن» إلى محافظة إدلب، وفق المرصد.
ودوما هي اكبر مدن الغوطة الشرقية. وترتدي أهمية رمزية كبيرة لحركة الاحتجاجات ضد النظام السوري في العام 2011.
وقال الباحث في المعهد الأميركي للأمن نيك هيراس إن «الغوطة هي مركز الثورة السورية في منطقة دمشق»، مضيفاً إن «لدوما رمزية ضخمة بالنسبة للحراك الثوري في سورية... فهي المكان حيث تجذر جيش الاسلام ضد قوات الأسد... وكل ما يهم الآن هو إزالة جيش الإسلام من دوما إلى الأبد».
خلال المفاوضات، تعرض «جيش الإسلام» لضغوط داخلية من سكان دوما الذين طالبوا باتفاق يحمي المدينة من أي عمل عسكري.
وقال حسن أبو راتب (30 عاماً)، من مدينة دوما «أفضل طبعاً الخروج على أن أبقى هنا، لم يبقَ مكان نجلس فيه» جراء الدمار الذي لحق بالمدينة، مشيراً إلى رفضه الانتقال الى منطقة تسيطر عليها قوات النظام.
في المقابل، يفضل آخرون البقاء. وقال هيثم بكار (38 عاماً) «ما أتمناه هو ألا أخرج من بيتي، لأن الواحد إذا خرج من بيته كأنه يخرج من روحه».
وحتى أمس، خرج من الغوطة الشرقية أكثر من 154 ألف شخص من منازلهم عبر الممرات «الآمنة» التي حددتها قوات النظام عند مداخل المنطقة باتجاه مناطق سيطرتها، وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وشهدت دوما التي يقيم فيها عشرات الآلاف تدفق نازحين منها بشكل يومي الى مناطق سيطرة القوات الحكومية التي تنقلهم الى مراكز ايواء في ريف دمشق.
ولطالما شكل وجود الفصائل المعارضة في الغوطة الشرقية تهديداً للعاصمة التي تعرضت خلال السنوات الماضية لقذائف أوقعت مئات الضحايا.