فيما تستمترّ معارك الغوطة الشرقية، دخلَ اتفاق هدنة لوقفِ إطلاق النار لمدّة 72 ساعة حيّزَ التنفيذ أمس في مدينة الزبداني، آخِر معاقل المعارضة على الحدود مع لبنان وفي بلدتَي الفوعة وكفريا الشيعيتين في شمال غرب سوريا، وفقَ ما أكّدت مصادر متطابقة. تزامُناً، بَحث الرئيس السوري بشّار الأسد مع وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف في الخطّة الإيرانية المقترحة لحلّ الأزمة السوريّة.
تقارير عن سقوط قتلى جرّاء استهداف دمشق بالقذائفدعا وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عقب لقائه الرئيس السوري بشّار الأسد في دمشق التي وصلَ إليها الأربعاء آتياً من بيروت، دولَ الجوار إلى العمل على «مكافحة الارهاب والتطرّف».
وقال ظريف: «المحادثات مع الرئيس الأسد كانت جيّدة وتركّزت على حل الأزمة فى سوريا»، مضيفاً: «أقول للّاعبين الآخرين ولجيراننا، إنّ الأوان آنَ لكي يهتمّوا بالحقائق ويرضَخوا لمطالب الشعب السوري ويَعملوا من أجل مكافحة الإرهاب والتطرّف والطائفية».
ميدانياً، وبَعد اتفاق أوّلي على هدنة لمدّة 48 ساعة بدأت عند السادسة من صباح امس، مُدِّد وقف إطلاق النار 24 ساعة إضافية في الزبداني.
وقال مصدر ميداني سوري: «تمّ تمديد هدنة وقف العمليات العسكرية في مدينة الزبداني بريف دمشق وفي مدينتي الفوعة وكفريا في ريف إدلب الشمالي لمدة 24 ساعة إضافية تنتهي صباح السبت المقبل»، موضحاً أنّ «الهدنة كانت بدأت عند السادسة من صباح أمس لمدة 48 ساعة».
وأكّد المرصد السوري لحقوق الإنسان بدوره تمديدَ الهدنة. وقال مديرُه رامي عبد الرحمن لوكالة فرانس برس: «لم يُسجَّل أيّ خرق لوقف إطلاق النار منذ السادسة من صباح امس في المدينة».
وأكّد محمد، وهو أحد سكّان المدينة، لوكالة فرانس برس عبر الانترنت: «بالفعل لاحظنا أمس هدوءاً نسبياً (...) لم نسمع دويّ القصف والاشتباكات، ونأمل أن يبقى الوضع على حاله».
ويأتي بدء تنفيذ وقف إطلاق النار بعد اتفاق تمّ ليلَ أمس الأوّل وفق عبد الرحمن، بين «مقاتلين من حركة أحرار الشام الإسلامية من جهة، وقوات النظام والمسلّحين الموالين لها ومقاتلي حزب الله من جهة أخرى».
ويَقضي الاتّفاق بوقف إطلاق النار في مدينة الزبداني بالاضافة الى بلدتي الفوعة وكفريا الشيعيتين المواليتين للنظام واللتين تحاصرهما الفصائل المقاتلة في إطار «جيش الفتح» وبينها جبهة النصرة (ذراع تنظيم القاعدة في سوريا) بشكل كامل منذ نهاية شهر آذار الماضي.
وتشنّ قوّات النظام والمسلّحون الموالون لها ومقاتلو حزب الله اللبناني هجوماً منذ تمّوز على مدينة الزبداني التي تُعتبر آخر معاقل المعارضة في المنطقة الحدودية مع لبنان بهدف بسط السيطرة عليها.
وأوضَح محمد أبو القاسم أمين عام حزب التضامن الذي فوّضَته الفصائل المقاتلة في الزبداني التفاوضَ باسمها لوكالة فرانس برس: «وقّعَ على الهدنة كلّ مِن المجلس المحلي لمدينة الزبداني وكتائب حمزة بن عبد المطلب ولواء الفرسان، وهي الكتائب المحلية المقاتلة ضد قوات النظام».
وأضاف: «تمّ تفويض حزب التضامن أن يكون المفاوض مع السلطة لإتمام بنود اتفاق. ونحاول إيجاد حلّ لأزمة الزبداني منذ بدء العملية العسكرية» التي شنّتها قوات النظام على المدينة.
وأدّى القصف الكثيف للفصائل المقاتلة على بلدتي الفوعة وكفريا وفق ابو القاسم، الى تسريع التوصل الى اتفاق لوقف اطلاق النار في الزبداني.
وقال مصدر أمني لوكالة فرانس برس «قبلنا بالهدنة لأننا نريد إنهاء هذه المعركة بأقلّ خسائر ممكنة، لكن لن نرضى ببقاء المسلحين داخل الزبداني بعد اليوم»، مضيفاً أنّ «التسوية تشمل خروجَهم من المدينة بشكل كامل».
لكن عبد الرحمن أوضَح أنّه «لم يتمّ التوصّل بعد الى اتّفاق نهائي يتعلق بخروج آمن للمقاتلين من الزبداني وإدخال المواد الطبّية والغذائية إلى الفوعة وكفريا».
وأبرمت اتفاقات هدنة بشكل متقطع في عدد من المناطق السورية لإفساح المجال أمام نقل المواد الغذائية والطبّية إلى السكّان المحاصرين.
وتشهد سوريا نزاعاً دامياً تسَبّب منذ اندلاعه في منتصف آذار 2011 بمقتل أكثر من 240 ألف شخص.
الغوطة الشرقية
إلى ذلك، ارتفعَت حصيلة القتلى جرّاء الغارات الجوّية التي شنّتها قوات النظام السوري على مناطق في الغوطة الشرقية الأربعاء الى 37 مدنياً، فيما قتِل 13 اخرون جرّاء قذائف استهدفت أحياء في دمشق، وفقَ ما أعلنَ المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وقال المرصد في بريد إلكتروني «نفّذَت طائرات النظام الحربية غارات عدّة استهدفَت مناطق في غوطة دمشق الشرقية»، مضيفاً أنّها تسَبّبت بمقتل 37 مدنياً بينهم أربعة أطفال وإصابة أكثر من 120 آخرين بجروح».
وأشار الى أنّ عدد القتلى مرشّح للارتفاع بسبب وجود جرحى في حالات خطرة.
وطال القصف الجوّي مدنَ وبلدات دوما وسقبا وحمورية وكفربطنا في ريف دمشق.
وتظهَر صور التقطَها مصوّر لوكالة فرانس برس في مدينة دوما نحو 17 جثة موضوعة داخل أكياس بلاستيكية على الارض داخل مستشفى ميداني، وتبدو في صورة أخرى جثة طفلين قتِلا جرّاء القصف الجوّي لقوات النظام على المدينة.
وفي صوَر أخرى، تظهر مجموعة من الجرحى مستلقين على الأرض التي تغطّيها بقَع الدماء. وبين الجرحى أطفال يبكون والدماء تسيل منهم جرّاء إصاباتهم.
وتأتي الغارات الجوّية على ريف دمشق بعد ساعات على قصف مقاتلي الفصائل أحياء عدّة في دمشق «بأكثر من 50 قذيفة صاروخية صباح أمس»، بحسب المرصد.
وقال المرصد إنّ حصيلة القصف ارتفعت الى 13 قتيلاً على الأقلّ، عشرة منهم مدنيون، بالإضافة الى إصابة ستّين شخصاً آخرين بجروح خطرة.
وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن سقوط «قذائف أطلقَها إرهابيون ينتشرون في الغوطة الشرقية على أحياء سكنية في مدينة دمشق»، مشيرةً إلى أنّها تسَبَّبت بمقتل خمسة أشخاص وإصابة 55 آخرين بجروح.
وطاوَلت القذائف أحياء عدّة في دمشق، أبرزُها المزّة وساحة الأمويين وشارع بغداد والقزاز ومحيط السفارة الروسية ومناطق في دمشق القديمة والمهاجرين.
وغالباً ما يَستهدف مقاتلو المعارضة المتحصّنون في محيط العاصمة أحياء سكنية بالقذائف، في حين تقصف قوات النظام المناطق تحت سيطرة الفصائل المقاتلة في ريف العاصمة بالمدفعية والطيران، لا سيّما منطقتي الغوطة الشرقية والغربية المحاصرتين من قوات النظام.
واتّهمت منظمة العفو الدولية الأربعاء قوات النظام السوري بارتكاب «جرائم حرب» ضد المدنيين المحاصرين في الغوطة الشرقية، محذّرةً من أنّ استمرار القصف والغارات الجوّية يفاقِم معاناة السكّان.
كما حمّلت المنظمة فصائلَ مقاتلة في الغوطة الشرقية مسؤولية ارتكاب عدد من التجاوزات، داعيةً مجلس الأمن الى فرضِ عقوبات على جميع أطراف النزاع المسؤولين عن ارتكاب جرائم حرب في سوريا.
إعتقالات وتوقيفات
وسط هذه التطوّرات، أكّد مسؤول تركي كبير أمس في باريس، أنّ تركيا أوقفَت وأبعَدت في 2015 أكثر من 700 شخص يشتبَه بأنّهم «مقاتلون إرهابيون أجانب»، بينما كانوا يحاولون الدخولَ سِرّاً إلى سوريا من أراضيها.
وفي مؤتمر صحافي عَقده في السفارة التركية في باريس، أكّد كمال الدين حسيمي مدير المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء التركي، لدى مروره بفرنسا، أنّ حرس الحدود التركي منعَ منذ بداية النزاع في سوريا في 2011، أكثر مِن 1800 جهادي مفترض من دخول سوريا.
وأضاف أنّ هذا الرقم كبير جداً بالمقارنة مع 520 شخصاً أبعِدوا من تركيا في 2014.
وأوضَح أنّ لائحة هؤلاء «المقاتلين الإرهابيين الأجانب المعروفين والممنوعين من دخول تركيا باتت تضمّ أسماء 16 ألف شخص من 108 جنسيات». ومنذ بداية السنة، اعتقِل نحو 600 شخص بسبب علاقتهم المفترضة بتنظيم الدولة الاسلامية، «وسُجن اكثر من مئة بسبب انضمامهم إلى تنظيم داعش الإرهابي»، كما قال كمال الدين حسيمي.
وأفادت وكالة انباء الاناضول القريبة من الحكومة أمس، إنّ السلطات التركية اعتقلت فجر امس عشرة جهاديين يشتبه بانتمائهم الى تنظيم الدولة الاسلامية في عدد كبير من مدن جنوب البلاد ووسطها.
لكنّ حسيمي اعتبَر أنّ «مشكلة المقاتلين الإرهابيين الاجانب مشكلة تتطلب حلولاً دولية»، موضحاً أنّ تركيا تقوم بأكثر ممّا يتوجّب عليها في هذا المجال. وقال: «مِن الأسهل على البلدان التي يتحدّر منها المقاتلون الارهابيون الاجانب ان تعترضَهم قبل ان يغادروا أراضيَها، بدلاً من ان تنتظر السلطات التركية للقبض عليهم».
ويزور نحو أربعين مليون سائح تركيا سَنوياً، «وليس وارداً أن نجريَ تحقيقاً أمنياً حول جميع الذين يدخلون بلادنا»، على حدّ قول حسيمي.
وأوضَح أنّ تحسّنَ مراقبة حوالى 1300 كلم من الحدود التي تتقاسَمها تركيا مع سوريا والعراق، أتاحَ اعتقالَ 102,232 شخصاً منذ بداية السنة، لإقدامهم على اجتياز الحدود بطريقة غير قانونية، منهم أكثر من 700 مقاتل ارهابي اجنبي.
في غضون ذلك، قتِل جندي تركي واثنان من متمرّدي حزب العمّال الكردستاني أمس في اشتباكات وقعَت في جنوب شرق البلاد بعدما هاجَم المتمرّدون الأكراد مركزاً عسكرياً، بحسب ما قال الجيش.
وأشار الجيش التركي الى انّ المتمردين شنّوا هجوماً بالأسلحة والصواريخ على مركز للقيادة في قرية اوزكلي خارج محافظة دياربكر جنوب شرق البلاد.
وأكّد الجيش مقتلَ جندي في المستشفى متأثّراً بجروحه، فيما جُرح خمسة آخرون، لافتاً الى أنّ الاعتداء نَفّذه «تنظيم إرهابي انفصالي»، وهي الصفة التي تطلَق عادةً على حزب العمّال الكردستاني. وأشار إلى أنّ «إرهابيَين» قتِلا في الاشتباكات.
ويشنّ حزب العمّال الكردستاني يومياً هجمات على قوات الأمن في تركيا، في تصاعدٍ لوتيرة العنف وسط قيام الجيش التركي بضرب أهداف للمتمرّدين داخل تركيا وفي شمال العراق. (وكالات)